العنوان آباء بقبضات حديدية.. ومشاعر فولاذية
الكاتب سمية سعادة
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2007
مشاهدات 97
نشر في العدد 1780
نشر في الصفحة 58
السبت 08-ديسمبر-2007
(*) كاتبة جزائرية
يعتبر بعض الآباء أبناءهم ملكية خاصة من حقهم أن يديروها بالطريقة التي تتألف مع طريقة تفكيرهم حتى وإن كانت تتنافى مع أساليب التربية الصحيحة التي تنظر إلى السلطة المبالغ فيها على أنها المعول الذي يهدم البناء النفسي للفرد وتجعله عرضة للأمراض النفسية والعصبية، في حين يرى هؤلاء الآباء أن التربية التي لا تساندها العصا، من شأنها أن تغرس بذور التمرد والانحراف في الأبناء الأمر الذي يجعلهم يفلتون من عقال السلطة الأبوية.
مذكرات ابن مقهور
كتب أحد الشباب في مذكراته بأسلوب ركيك حاولنا إعادة صياغته قائلاً: منذ يفاعة صباي انطبعت في ذهني صورة مغايرة تمامًا للأبوة التي تحمل في ثناياها الحب والعطاء الروحي الذي لا ينضب، فقد كان أبي رجلًا متسلطاً لا يعير اهتمامًا لمشاعري ولا يترك لي فرصة للتعبير عما يعتمل في صدري لدرجة إنني أصبت بالتلعثم الذي فسره طبيب المدرسة على أنه اختزان لخبرة سيئة لم يتمكن من معرفتها. لأنني من النوع الكتوم الذي لا يترك فرصة للآخرين للاطلاع على أغوار نفسه، والحقيقة أن هذا التلعثم هو نتيجة حتمية لطريقة التربية التي انتهجها أبي معي الذي يهب في وجهي كريح عاصفة كلما أردت أن أشرح له كيف أن الكرة انفلتت من قدمي وارتطمت باب الجيران وكيف أنني نسيت المقطع الأخير من القصيدة فأخذت نصف العلامة وكيف أن الزحام عرقل خطواتي للعودة في.. الوقت المحدد إلى البيت ولقد كان دائمًا يختتم عقابه البدني قائلًا: يا بني إنني أخشى أن تزل قدمك في هذه الحياة التي تغص بالذئاب البشرية أو أن تصاب بمكروه إن حبي لك لو وزعته على الكرة الأرضية لما بقي للكرة فيها أثر لقد كان أبي يعتقد أن عصام الطويلة بإمكانها أن تصنع مني رجلًا صالحًا، لكنه جنى علي من حيث كان يعتقد أنه على صواب، فلقد تركت مقاعد الدراسة مبكرًا، وغادرت البيت بإيعاز من رفاق السوء ولولا لطف الله بي لصرت مجرمًا.
العصا لمن عصا
عماد ١٧ سنة كان موقوفًا في أحد مراكز تأهيل الأحداث في الجزائر يتحدث عن سبب فراره من البيت وتحوله إلى لص محترف على صغر سنه: أنا أدرك جيداً أن السلطة الأبوية أمر لابد منه، ولكن الطريقة التي كان يعاملنا بها أبي أنا وأختي تشبه فلم تكن تمثل له إلا معاملة السادة للعبيد.
عبئًا ثقيلًا يكدر عليه صفو حياته، لذلك كلما عاد من عمله كحارس مدرسة يفتعل الأسباب ليفرغ علينا شحنة غضبه ويلهب جسدينا الضعيفين بحزام سرواله إذا جاريناه في الكلام أو أبدينا احتجاجًا، ولولا الجيران الذين كانوا يتدخلون في كل مرة لإنقاذنا من تحت يديه الغليظتين، لكنا في عداد الأموات والغريب في الأمر أنه عندما تتفرق شياطينه يحاول أن يبرر غضبه بالمشكلات التي تركتها له أمي بعد طلاقها، ولكن الذي أذكره جيدًا، أنه كان يعاملنا بهذه القسوة من كنا صغارًا، حيث كان يحرمنا من الطعام ليوم كامل بدون سبب واضح.
ويجبرنا على الوقوف تحت أشعة الشمس وأيدينا إلى فوق لمجرد أن تحدث ضجة أو نتحدث بصوت مرتفع، وتعرفت من خلاله على مجموعة من الشباب المنحرف الذي السطو على بيوت الناس فتم استغلني في ا القبض علي واقتيادي إلى مركز إعادة تأهيل الأحداث الذي قضيت به أكثر من ٦ انتظار العودة إليه: لأنه لا أشهر وأنا في مأوى لي سواه!! فاقد الشيء لا يعطيه يلتمس الآباء المتسلطون الأعذار لأنفسهم، عندما يطلب منهم تفسير سبب قسوتهم على أبنائهم بخوفهم الممزوج بالحب والقلق من انحراف أبنائهم أو انتقال السلطة إليهم إذا لم يحكموا سيطرتهم عليهم، لكن الطب النفسي يرى قسوة الآباء من زاوية شديدة الوضوح وأكثر واقعية عندما يربطها بالخبرات السيئة للأب فإن الذين يسببون الأذى بكل أشكاله لأولادهم هم أولئك الذين يعانون من مشكلات نفسية خاصة، ويشتركون جميعًا في كونهم لم ينعموا في صغرهم بالحب والتربية الصحيحة داخل أسرهم، وأغلب هؤلاء الآباء يغفل عن أن طفله لا علاقة له بما جرى له من اضطهاد فيا أيها الآباء لا تتركوا أبناءكم يتحملون وزر آبائكم الذين أخطأوا عن غير قصد في تلقينكم التربية النفسية الصحيحة.