العنوان تاريخنا بين المفهوم الإسلامي والمفهوم القومي
الكاتب محمد المنتصر الريسوني
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1972
مشاهدات 66
نشر في العدد 120
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 03-أكتوبر-1972
الإسلام دعوة عالمية لا تنحصر في حدود إقليمية أو قومية
دَحْضُ التفسير القومي المبتسر هو الهدف لا التحامل على العروبة
لا يخفى على كل ذي بصر نافذ أن الإسلام حركة انقلابية غيرت مفاهيم البشر في الكون والحياة والإنسان، وأعطت مدلولًا حقيقيًّا للأسس التي تقوم عليها الحضارات.
نعم الإسلام حركة انقلابية شاملة أحدثت في العقل الإنساني ثورة ضد العفن الجاهلي، والطاغوت المقيت، فتحرر بذلك الإنسان من عالم القيود، وانطلق يرتع في عالم الحرية قوامه منهاج إلهي عظيم ينير له منعرجات الدرب الطويل، ليعمل في أمن وثقة متخطيًا الصعاب، عامًلا بكل طاقاته المادية والروحية في مختلف الميادين يشيد لأبناء البشر جميعًا حياة مستقبلية فاضلة طيبة.
والإسلام في حركته الانقلابية هذه لم يهدف بتاتًا إلى إقامة مجتمع إقليمي أو قومي أو جنسي يتحرك أعضاؤه داخل دائرة ضيقة متشبثين بعرقيتهم، منغلقين على ذواتهم، كلا، إن عالمية هذا الدين الكريم، وشمولية شريعته التي صاغها الله تعالى وفق منطق الحقيقة الكونية القائمة على التوافق والانسجام ترفض هذا المفهوم الهدام وتبغضه أشد البغض ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ﴾ (الأنعام: ۹۸)، وذلك لا يتحقق إلا إذا غمرت أضواؤه الأرض شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا لا يعبأ بالفوارق اللغوية والعوامل السلالية.
ومن يرجع إلى تاريخ الدعوة الإسلامية على مدار القرون مستقصيًا خطواتها على مسرح الوجود يجد أنها ما تخلت عن تمجيد الوحدة البشرية قاطبة، وكيف تتخلى عنها عن هذه الحقيقة التي تميزت بها عن باقي الدعوات السماوية والأرضية؟ استمع إلى ما يقوله الوحي الكريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ﴾ (النساء: 1) ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: ٢، ٣).
من أجل ذلك كله هب لاعتناق الإسلام أجناس، رباهم على منهاجه وطريقته، وغَذَّى عقولهم بثقافته ومعارفه غيرَ ناظر إلى التمايز القومي والفارق النسلي.
وقد تهيأ للإسلام، وتلك ميزة له عظيمة تشهد بتفوقه على كل النظم السماوية والبشرية، دَحْرُ النظام الطبقي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الخلفاء الراشدين، ولكن في عهد بني أمية ما لبثت أن ظهرت النعرة الجنسية والعصبية القبلية لأنهم تنكبوا طريقة الله في التشريع، باستثناء فترة الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز، فتفتحت قلوبهم من جديد للتعصب الجاهلي حتى أن أفرادًا من المجتمع الإسلامي فترةَ إذْ كانوا يصفون ابن الأمة بالهجين، ويحكى أن الحجاج أمر ألا يؤم الناس في الصلاة إلا عربي، وغير هذا من النعرات التي نُلفي لها شبيهًا في شعر شعراء العصر كجرير والفرزدق، وذاك كان من الأسباب التي دفعت المسلمين من الأجناس الأخرى إلى أن يُشعرونا بالهوان والضَّعَة ويُعلنوا هم الآخرون جاهليتهم فيدعون إلى الشعوبية، تلك الحركة التي برزت بوضوح في أيام بني العباس، وندب لها رجال الكلمة المجنحة أنفسهم ممن له علاقة نسبية بالأرومة الأعجمية للدفاع عنها بحماسة، والترويج لها بجد کبشار بن برد وأبي نواس، وتصدى لها آخرون بالتفنيد كالجاحظ وابن قتيبة.
والواقع أن الحركة الشعوبية في تاريخ الإسلام ما هي إلا نتيجة الانفلات من الخط الدقيق الذي أوجده الله في برنامجه العملي، وأورد هنا نصًّا من كتاب زهر الآداب للحصري «تحقيق الدكتور زكي مبارك رحمه الله ج 1 ص٦٩ - الطبعة الثالثة ۱۹۷۲م» يعطينا صورة لهذا المجتمع المتمسك بالعصبية، كما يعطينا صورة طيبة عن تمسك آل البيت الكرام بشريعة جدهم المصطفى عليه السلام، قال الحصري:
«وكان لمعاوية بن أبي سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور الناس وقريش، فكتب إليه أن الحسين بن علي أعتق جارية له وتزوجها فكتب معاوية إلى الحسين : من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن علي أما بعد، فإنه بلغني أنك تزوجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش ممن تستنجبه للولد وتمجد به في الصهر فلا لنفسك نظرت ولا لولدك انتقيت.»
فكتب إليه الحسين بي علي: أما بعد فقد بلغني كتابك، وتعييرُك إياي بأني تزوجت مولاتي، وتركت أكفائي من قريش، فليس فوق رسول الله منتهى في شرف ولا غاية في نسب، وإنما كانت ملك يميني خرجت عن يدي بأمر التمست فيه ثواب الله تعالى ثم ارتجعتها على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة ووضع عنا به النقيصة، فلا لوم على امرئ مسلم إلا في أمر مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية».
مفهومات خاطئة
هذه مقدمة سُقتُها تمهيدًا للحديث عن قضية المفهوم الإسلامي والقومي لتاريخنا، وأنا في معالجتي لها لا أتحامل كما قد يظن البعض على العروبة في حد ذاتها لأنها في مفهومها الحقيقي لا المزعوم مرتبطة بالإسلام ارتباط السبب بالمسبب، وإنما الغاية من ذلك هو إدحاضُ التفسير القومي المُبتَسَر الذي يهدف من ورائه البعض اليوم إلى طعن الإسلام من الخلف وإنكار حركيته وأثره في صياغة الحدث التاريخي، ودعوته العالمية، وأنبه إلى أن مثل هذه القضية قد تعرض لها بعض المستشرقين في حديثهم عن الفكر الإسلامي بين مؤيديه ومعارضيه، وطبعي أن هدف أولئك معروف هو تجريد الفكر العربي من كل مزية لكونه ساميًا وتمجيدهم الفكر الإسلامي لكون حملته من أصل أعجمي استنادًا على رأي ابن خلدون، والبعض الآخر منهم غرضه وَصْمُ الإسلام بالعجز عن تكوين شخصية ثقافية مستقلة متميزة، وهذه الافتراءات لي معها وقفات في بحثي «الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته» الذي أنشره في حلقات بمجلة «دعوة الحق» المغربية التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
نحن نعلم أن الإسلام دعوة عالمية كما مر آنفًا، يُهيب بأبناء البشرية إلى اتخاذه مذهبًا في الحياة ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: ٥٢)، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (69) لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (يس: ٦٩، ٧٠)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1) فكيف نجرؤ على تفسير تاريخنا الإسلامي تفسيرًا قوميًّا يقوم على عصبية عروبية نابذين صفة الإسلامية عنه من أجل إرضاء نزعة عرقية تَنِزُّ بها عروق فئات سياسية، وباحثين من كتابنا القوميين الذين صرفوا جهودهم للكتابة عن القومية العربية ففلسفوها حسب هواهم حتى أصبحت عقيدة يدين بها الكثير متغافلين عن الوحدة الإسلامية، الأمر الذي جعل المتشبعين بالآراء الجديدة عن القومية العربية كما عند ساطع الحصري وغيره يعتبرون قضية فلسطين قضية عربية تنحصر في إطار ضيق وينادون يجعلها أيديولوجية مقدسة، يجب بذل المجهود لإقرارها في النفوس، وقد أدى هذا التشبث الأرعن بالقومية إلى إهمال كل ما يتعلق بالأخوة الإسلامية في صراعها ضد الوثنية والصهيونية والصليبية، وقد أكدت هذا أحداث الباكستان والفلبين، ولا زالت تؤكدها إلى هذه اللحظة من كتابة حديثنا.
وليس من شك في أن حركة القومية العربية تسرب إلينا مفهومها الحديث من الفكر العلماني الغربي في ظروف عصيبة، كان يعيشها عالمنا العربي «انظر بتفصيل الكتاب القيم الحلول المستوردة للأستاذ يوسف القرضاوي ص (١٤٧) وما بعدها طبعة بيروت ١٩٧١م» جعلنا نصبغ عليها صبغة إلحادية ونقتلعها من جذورها الإسلامية.
وهكذا احتضن دعاة القومية هذه الفكرة مروجين لها ومزيفين للواقع التاريخي الإسلامي في تسميتهم لحضارة الإسلام حضارة عربية فقط، والفتوحات الإسلامية فتوحات عربية وعلماء المسلمين على مختلف أجناسهم ونِحَلِهم عربًا، وإن كان من بينهم أبو حنيفة الإمام وابن سيناء والسهروردي والرازي والبيروني وغيرهم كثيرون.
ولا ريب عندي أن هذا تحريف لتاريخنا الإسلامي الذي تضافرت على نسج وقائعه جهود أفراد من غير عرب رضوا بالإسلام دينًا وعقيدة لهم في حيواتهم، وإن اعتبرنا أن هؤلاء أتقنوا العربية لذلك هم عرب في ألسنتهم فلا ننسى أن عطاءاتهم الطيبة شكلها التصور الإسلامي، والعبرة بالجوهر، لأن معارف الإنسان يمكن أن تصاغ بأية لغة من اللغات.
حقيقة التفسير القومي
إن التفسير القومي في رأيي مناقض للحقيقة التاريخية، ومناقض في نفس الوقت لعموم الرسالة التي لا تعترف بحال من الأحوال بالحركات القومية الضيقة الأفق، ومن يعمد إلى كتاب الله فإنه لن يعثر على كلمة تشير إلى عنصرية بل إنه سوف يعثر على آيات كريمة وأحاديث شريفة تشجب دعوتهم من أساسها، إذ إنها تدعو إلى التعاضد الأخوي من غير تمييز بين عربي وعجمي كقوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (آل عمران: ۱۰3) ولم يقل اعتصموا أيها العرب بحبل الله، وكقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ۱۰) ولم يقل العرب إخوة وكقول الرسول عليه السلام وهو في نظر البعض من القوميين داعية إلى القومية العربية «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» ولم يقل العربي للعربي كالبنيان وكقوله عليه السلام «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى» وغير هذا كثير مما لا يحصيه العد، ويُدحض مزاعم القوميين.
وقد يعترض البعض بقوله. إن القرآن نزل بلغة عربية على رجل عربي فكيف لا نسمي تاريخنا عربيًّا؟ هذه حقيقة مقطوع بصحتها، ولكن لا يغرب عن بالنا أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم في بيئة عربية، ومن البديهي أن يكون حامل الرسالة عربيًّا حتى يتمكن من إقناع أبناء جلدته أولًا ثم الأقوام الآخرين من الجنس الآخر ثانيًا، وتلك مُسَلَّمة عقلية لا يستطيع أحد أن يرتاب فيها، ولو كان الله تعالى أراد إنزاله في بيئة عجمية مثلًا لكان مطابقًا للسان البيئة ولاختار رسولًا من نفس البيئة وتلك مُسَلَّمة ثانية ليس في مكنة إنسان مناقشتها.
ولو كانت العروبة عاملًا أساسيًّا في بناء حضارة المسلمين لما تَصامَمَ صناديد قريش عن الدعوة الجديدة ولم يراعوا عامل القومية، ولقد فطن لهذا الأمر عتبة بن ربيعة عندما أراد أن يفاوض الرسول -عليه السلام- ويغريه بعَرَض الدنيا، فقال بعد أن فَشِلَ مسعاه «خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعته منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كُفِيتُمُوه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به»، «انظر ابن هشام. السيرة النبوية تحقيق مصطفى السقا وآخرين ج (١) ص (٢٩٤) طبعة القاهرة (1375م)
ونلاحظ من خلال النصوص القرآنية والحديثية ومن خلال المسار التاريخي للإسلام أن الشرف لم يكن يرتكز على العامل القومي، وإنما كان يرتكز على العامل العقدي، فالفضل للإسلام لا لغيره، فبلال كان حبشيًّا فأمسى بنعمة الدين الجديد أفضل من أبي سفيان وهو عربي قُحٌّ من وجوه قريش حتى بعد إسلامه وعمر بن الخطاب العربي المحض كان يقول عن بلال «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا»
وحركتنا الجهادية عبر تاريخنا الطويل هل كانت من أجل القومية العربية أم لرفض واقع مرير كان يتخبط فيه الإنسان وإقرار نظام إلهي بين الناس يأخذ بيدهم، في كل لحظة من لحظات حياتهم، ويضمن لهم النجاح في أعمالهم الاقتصادية والإدارية والأدبية والتشريعية ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ۱۹٣).
وإني لا أنكر ولا أحد يقدر أن ينكر أن العرب هم الذين حملوا أولًا على عاتقهم الرسالة المحمدية، وذلك ضروري لنزولها بين ظهرانيهم، وبعدهم شاركهم إخوانهم من الجنس الآخر في المعركة المصيرية الطويلة التي شاهدتها الحياة عبر السنين العديدة
وأريد أن أذكر هنا أن حصادنا الفكري في أغلبيته كتب باللغة العربية، بيد أن هذا لا يبرر تفسير القوميين، ذلك أن لغة الضاد لغة كتاب الإسلام، لذا فهي ملك لجميع المسلمين وخاصة في مجال العبادات، ولكونها كذلك واجهت تحديات من طرف شتى الجبهات في الشرق والغرب على السواء كالدعوة إلى العامية التي أثارها سلامة موسى، ولويس عوض وأمثالهما، وغير ذلك من الدعوات المسمومة التي ما لبثت أن انهارت بدون رجعة لأنها لم تكن إلا صيحة في واد.
والعربية التي يدعي القوميون أنها وجدت قبل الإسلام هل كانت ستظل شابة حية -مع العلم أنها ذات شخصية متميزة قوية- تتحدى الصعاب والمؤامرات لولا القرآن الكريم -دستور المسلمين لا العرب وحدهم- الذي كان له الأثر الفعال والفعال جدًّا في النهوض بها وتهذيبها تهذيبًا جعلها ترتقي منزلة عظيمة وقفت دونها اللغات الأخرى.
ولا شك أن هذا التأثير تجلى في الأغراض والمعاني والأخيلة والأساليب والألفاظ مما زادها قدرة انتهت بها إلى أن تعبر عن المفاهيم الحضارية أصدق تعبير، وتستوعب القيم العلمية على مختلف أشكالها، التشريع، التاريخ، العقائد، الفلسفة، النظم السياسية، المعاملات، الفلك، الطبيعة، الكمياء، النقد الأدبي، الفن، الجغرافيا، الرياضيات.
ولكي يقطع الإسلام بينه وبين الفترة الجاهلية فإنه قضى على ألفاظ عربية جاهلية تومئ إلى نظم أصبحت محرمة في منهاجه وذلك كأسماء الأنصبة التي كانت لرئيس الحرب مثل المرابع «وهو ربع الغنيمة» والصفايا «وهو ما يختاره رئیس الحرب لنفسه قبل قسمة الغنيمة» كما قضى على أسماء الأيام وغيرها بالأسماء الأخرى الحالية وكانت عندهم كما يلي شيار «السبت» أولُ، أوهنُ جُبار، دُبار، مؤنس، عَروبة، وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي:
أُرَجِّي أنْ أعيشَ وأنَّ يومي
بأوّلَ أو بأهونَ أو جُبارِ
أو التالي دُبارِ فإن أفُتْهُ
فمُؤنسُ أو عَروبةُ أو شِيارِ.
وهكذا نجد أن القرآن الكريم أحدث تغييرًا ملحوظًا في العربية، لهذا كان قلعة حصينة لها يذود عنها كيد شياطين الإنس وذلك تحقيقًا لقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
ويجدر بي هنا أن أُدليَ بحقيقة مهمة هي أن العرب هل كان في استطاعتهم أن يُطِلُّوا على العالم الآخر -بغض النظر عن اتصالهم التجاري القديم بالأمم الأخرى- فاتحين لولا الدعوة الجديدة العالمية التي أوقدت في نفوسهم الحماسة للتحرك من جزيرتهم حاملين في أيديهم کتاب الله وسنة رسوله، ومعهم إخوانهم غير العرب، يزرعون في ربوع العالم الأمن وينشرون الخضرة في كل مكان يحلون به حتى قادوا البشرية إلى آفاق النور ومطالع الضياء وقدموا لها حضارة منسوجة نسجًا إسلاميًّا بعد أن اقتبسوا ما وجدوه من نظم أخرى فرفضوا ما رفضوا وأبقوا على ما ينسجم والتصورات الإسلامية ومقاييسها الصحيحة، هذه الحضارة بشهادة الأجانب المستشرقين لا تزال بصماتها ماثلة حية في حضارة القرن العشرين.
والحق أن الحضارة الإسلامية التي جعلت المسلمين قادة الدنيا وسادة العالم كما جعلت العربية زمنَ إذٍ لغة عالمية، ليست هي حضارة العرب وحدهم الذين عاشوا في الجاهلية لا يعرفون عن الحقائق الجوهرية للمضامين الحضارية شيئًا ذا بال في الحكم والإدارة والاجتماع والاقتصاد، مع اعترافنا بأنهم تفوقوا في الفن الشعري والبيان الخطابي باعتبارهم أمة شاعرة صاحبة لَسَن ولغة فريدة من نوعها بين لغات العالم كما نص على ذلك المختصون في علم اللغات، من أجل هذا تحداهم القرآن الكريم بإعجازه البياني المذهل فوقفوا أمامه سکارى وما هم بسکارى، معترفين بسلطانه على نفوسهم وعقولهم، بل على حضارة المسلمين جميعهم.
نصل بعد هذا إلى نتيجة حتمية هي أن نظام الإسلام كون رجاله عربًا وعجمًا تكوينًا نفسيًّا وعقليًّا فصَدَروا في حركتهم التاريخية عن هُداه وسَنَنِه، وإن كنا نلاحظ في فترات تاريخية أوهامًا من الانحراف سيطرت على عقول الكثير بسبب تبنيهم أفكارًا غريبة عن منطق المنهاج الإسلامي، فانساقوا مع التيار الجارف بلا تحَرٍّ وتمحيص، ورغم ذلك فلم يكن يخلو عصر من العصور الإسلامية من مجتمع يشعر بحبه لدينه ومسؤوليته الكبرى، وحنينه إلى تغيير المفاهيم الفاسدة السائدة.
وأود أن أعيد إلى الأذهان أن الإسلام في تشريعاته القيمة للمجتمعات البشرية لم يكن -ولن يكون- مناقضًا للمقومات الجنسية لكل أمة من الأمم، وشخصيتها النابعة من التطورات المجتمعية عبر القرون، بالعكس، إنه يحاول الحفاظ على الكيان الخاص لكل بيئة إن لم تتعارض مميزاته مع الحقيقة التصورية للإسلام، ويؤكد هذا قول الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ۱۳) فالخالق الكريم في الآية جعل البشرية شعوبًا وقبائل تختلف فيما بينها لغة وعادات وذلك بطبيعة الحال يؤلف قوميات متعددة إلا أن الهدف في الآية هو التعارف بجميع ظلاله كالتآخي والعدالة والأخلاق بدون تمییز بین جنس وآخر أو شعب وآخر وحتى عامل الدين لا يكون دافعًا إلى الظلم والطغيان، ولحكمة ربانية عظيمة كان ذلك الاختلاف بين المخلوقات، إذ لو كان البشر جميعهم سواهم الله على صورة واحدة في كل شيء لأصبحت الحياة نفسها في نظرنا غير مستساغة المذاق، وفقدت أهم عناصرها الحيوية وهو هدفية العطاء الجمالي المتجلي في كل زاوية من زواياها المتعددة ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: ٢)
ومن البهتان أن نفصل تاريخنا من الإسلام ونربطه بعجلة القومية العربية وحدها، وان فعلنا نكون قد فصلنا الجسد عن الروح وما قيمة الجسد بدون روح، وكما يقولون: إذا انهارت القاعدة انهار الهرم، لذلك فتاريخنا إسلامي بما فيه من روائع الحضارة لأن كلمة «إسلامي» جامعة مانعة ترمز الى المجهود المشترك بين الجنسين في صياغة تاريخنا، على النقيض إذا وصفناه بالعربي فقط فإننا نكون قد وضعناه في إطار نعتي جزئي.
وإن شئنا قلنا تاريخنا عربي إسلامي رغم طول العبارة إرضاء للجانبين وجمعًا للحُسنَيَين العربية والإسلام ما دام کتاب الله عربيًّا، وعدد غير قليل من حملة علمه عجمٌ أتقنوا لغته وصنفوا بها.
وما قلناه عن تاريخنا في ماضيه نقوله من تاريخنا في حاضره لأن الإسلام في القديم والحديث هو الجوهر الأساسي لبناء وحدة فكرية إسلامية بين المسلمين، ولقيام مجتمع مسلم يرتكز على حضارة مستمدة من روح الدستور الرباني لتخليص الإنسان من ويلات الجبروت.
ومهما طغى اليوم المفهوم المنحرف للعروبة على عقول المثقفين بشكل يبعث على الغثيان، ويثير زوبعة من الفرقة بين العرب وإخوانهم المسلمين في الأقطار الإسلامية غير العربية، فإن حقيقة العروبة لا يمكن أن تقطع صلتها الحميمة بالإسلام لأنه ضمانتها الجذرية في المعترك الحياتي قديمًا وحديثًا.
ولقد أصاب شاعر الإسلام إقبال رحمه الله حين قال «لا تَقِسْ أمم الغرب على أمتك، فإن أمة الرسول الهاشمي -صلى الله عليه وسلم- فريدة في تركيبها، أولئك إنما يعتقدون باجتماعهم على الوطن والنسل، ولكن إنما يستحكم اجتماعك أيها المسلم بقوة الدين. «انظر كتاب بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية للأستاذ أبي الأعلى المودودي ص ۷ - دار العربية للطباعة والنشر بيروت»
كما أصاب القائل حين قال وما أروع قوله:
ولست أدري سوى الإسلام لي وطنًا
الشامُ فيه ووادي النيل سِيَّانِ
وحيثما ذُكِرَ اسم الله في بلد
عَدَدتُ أرجاءه من لُبِّ أوطاني
الرابط المختصر :