العنوان عند تمثال الحرية!
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993
مشاهدات 103
نشر في العدد 1045
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 13-أبريل-1993
في صيف ۱۹۸۹ م كنت ضمن مجموعة من
الزائرين العرب الذين استضافهم مكتب الإعلام الأمريكي ليطلعوا على أوجه الحياة
الأمريكية، وبالذات جوانب العلاقة بين الدين والمجتمع في أمريكا. وعلى مدى أربعة
أسابيع كنت أجد سرورا وأنا أقارن بين ما كتبه الشهيد سيد قطب عن أمريكا وبين ما أراه
أمامي من حالات إنسانية متنوعة تؤكد صدق انطباعات «سيد» رغم مرور حوالي أربعين
عاما على ذلك.
وفي إحدى البقالات الضخمة في
«واشنطن» العاصمة، وقفت أمام امرأة سوداء لدفع ثمن ما اشتريته.. كانت الساعة
-حينذاك- تقترب من التاسعة مساء، والمرأة -أمامي- نموذج للإرهاق والشقاء، تتحرك
يداها ويتحرك رأسها ببطء واضح مثقلة بساعات العمل الطويلة: "هل أنت
تعبانة؟". استجمعت كلماتي الإنجليزية القليلة، وقذفتها بذلك السؤال، وأنا
أخشى رد فعلها على تطفلي. لكن.. كأنما ألقيت حجرا في مياه مأساتها، فانطلقت تحدثني
عن عملها الطويل الرتيب أمام آلة الحساب، وأطفالها الذين ينتظرون في البيت عودتها،
وهي المكدودة التعبة.
وفي «نيويورك» كنت -مع زميلين- أستقل
سيارة تاكسي، وطلبنا من سائقها أن يذهب بنا إلى مسجد الفاروق. وبمجرد أن سمع
العنوان حيانا السائق بعربية ركيكة: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»؛ إذن فهو
مسلم! لم تتبين حقيقته بسبب ملامحه الصينية. وعندما بدأنا نتعارف قال: إنه من أكبر
بلد إسلامي.. إنه إندونيسي يسرح بسيارته في مدينة ناطحات السحاب العملاقة.
«لا توجد هنا سعادة»! قالها وهو
يخبرنا عن أحواله المادية الحسنة، لكن قلبه لم يعرف السعادة وسط غابة وحوشها من
أسمنت وعملات ورقية.
وأمريكا -كما وصفها سيد قطب- ورشة
عملاقة، ومعترك صاخب لاجب.. تقدم مادي لا يضاهى، وطبيعة ساحرة خلابة، لكن الإنسان
فيها عبد..
نمط من الحياة لا ترى فيه -إلا
نادرا- معاني إنسانية، حياة لا تعرف قيمة الحياة بعد أن فقدت مسيرتها بوصلة
الإيمان الصادق الذي يقوم سير الإنسانية ويهديها آفاقها الرحبة الطليقة من قيود
الاستعباد للمادة والشهوات.
وقبل أكثر من ألف ومئتي عام عرف «ابن
تيمية» الحرية والعبودية فقال: «الحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما
أن الغنى غنى النفس».
ويقول -أيضًا- وهو يحدد بدقة معنى
الحرية: «وأما إذا كان القلب -الذي هو ملك الجسم- رقيقا مستعبدا متيما لغير الله،
فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية الذليلة لما استعبد القلب».
لم يتجن «سيد قطب»، ولم أتجن أنا
أيضا، ولكنه مقياس رباني لمعنى الحرية والعبودية، يلمسه المسلم في أي مكان تهيمن
فيه قيم المادة.. والمادة وحدها.
وكيف يكون للحرية الحقيقية معنى
والناس يعيشون -كما قال سيد: «في قلق وحيرة، وفي شقاء وتعاسة، يعيشون بنفوس مريضة،
وأنفاس مضغوطة، وكيان ممزق وأرواح ضامرة، وقلوب خاوية... إلخ».
وفي الباخرة الصغيرة التي تتجول بين «نيويورك» والجزر الصغيرة حولها، كنا قد تجمعنا في جانب منها لنرى تمثال «الحرية» الشهير من أقرب نقطة بعد أن فشلنا في زيارته بسبب تأخرنا عن أوقات زيارته.. كانت الصورتان متقابلتين أمامي؛ هناك عن اليمين ناطحات السحاب كالمردة تتطاول في السماء، وهناك عن الشمال يبدو تمثال الحرية على مسافة ليست بعيدة. وفي نقطة معينة طلب مني زميل أن أنظر إلى التمثال من خلال المكبر المثبت في الباخرة. "هل رأيته؟". "نعم..." ثم استطردت، وفي ذهني منظر ناطحات السحاب وسائق السيارة الإندونيسي والمرأة المرهقة في البقالة: "إذن هذا هو التمثال.. لكن.. أين الحرية؟!".
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل