العنوان نقوش على جدار الدعوة.. استمرارية الدعوة في الخارج والداخل
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1997
مشاهدات 73
نشر في العدد 1264
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 26-أغسطس-1997
لا يختلف عاقلان على ضرورة استمرار العمل الدعوي في البلاد غير الإسلامية؛ سواء كثر فيها المسلمون أم قلوا، على ألا يقتصر هذا العمل - ما أمكن على المسلمين وحدهم، بل يمتد - في حدود الاستطاعة - إلى غير المسلمين؛ إذ إن تبليغهم دعوة الله التي لم تشبها شوائب التحريف أو التبديل والتغيير هدف في ذاته يسعى إليه المسلمون في أي أرض.
ولسنا متجاوزين الحق حين نعلن في وضوح أن العمل الدعوي واجب حتى في البلاد الإسلامية ذاتها وبين المسلمين أنفسهم؛ لأن هذا هو منهج الإسلام، وإلا ففيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وفيم الدين النصيحة وفيم أوجب الإسلام خطبة الجمعة على المسلمين، وهي تذكير بمبادئه وقيمه، وبيان لفضائله وأخلاقه وأحكامه وآدابه، ورد الأباطيل وأضاليل الناكبين عنه، المدعين عليه ما لم يقل به؟
العمل الدعوي ضرورة في البلاد الإسلامية وغيرها، ولسنا الآن بصدد الحديث عن العلم الدعوي في البلاد الإسلامية «أمة الإجابة» وإنما نحن نتحدث عن العمل الدعوي في البلاد غير الإسلامية و«أمة الدعوة» التي يجب أن يستمر فيها هذا العمل، وأن يمتد حتى وإن كلفنا ذلك من الجهود الكثير، ليكون هذا معذرة إلى الله، ولنكون سائرين على منهج رسول الله ﷺ ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (البقرة: 213)، ﴿يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ (آل عمران: 164) بعد أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
فلا يكفي أن يدخل الناس في دين الله وحدانًا أو ذرافات، بل لابد من متابعتهم وتعليمهم أسس هذا الدين، وهذا يستلزم بقاء الدعاة العاملين، ليتموا ما بدؤوه ويكملوا بناء ما أسسوه، وأن يظلوا وسط العقبات والمعوقات التي تحدثنا عن بعضها في المقالة الماضية، مما يجعل دعمهم ومساندتهم أمرًا لا مجال فيه لحديث ولا موضع فيه لأخذ ورد.
ولست أعني هنا دعمًا ماديًّا، فذلك آخر ما يتجه إليه العاملون في الدعوة الذين يدخرون حسابهم عند ربهم، وإنما أعني الدعم الروحي والمعنوي والتواصل الأخوي المبني على التقدير لهؤلاء الرواد من الدعاة الذين يعملون في ظروف غير مهيأة، ويواجهون تيارات مادية خطيرة ليس من السهل التغلب عليها، ويكفي هؤلاء ما يلقون من عنت ومشقة في المجتمعات التي يعيشون فيها؛ ولذا فإن محاولة الوصاية عليهم من الجهات التي تحتضنهم في البلاد الإسلامية مرفوضة شكلًا وموضوعًا؛ إذ ينبغي أن يكون عملهم منبعثًا عن الدوافع الذاتية التي يبغي أصحابها رضا الله وطلب مثوبته، دون أن يغنيهم أو يثنيهم عن هذه الغاية ضغط من هنا أو من هناك.
وواجب أبناء المشروع الإسلامي في بلاد المسلمين أن ينموا في إخوانهم في غير البلاد الإسلامية الدوافع الذاتية نحو العمل الإسلامي، لا أن يقفوا منهم موقف الرقيب الذي يشيب إن رضي ويعاقب إن سخط أو غضب، فلو ارتبط العمل الدعوي بمثل هذه الأمور لكان مرتبطًا بالأهواء والرغبات، ولأمسى أقرب إلى العمل الحزبي منه إلى العمل الإسلامي، وإنه من الواجب علينا أن نساند إخواننا الذين خلفوا من ورائهم أرضهم وربما أموالهم، واتجهوا إلى تلك البلاد عاملين داعين، وقد نرضى عن كثير مما يعملون، ولا نقبل بعض ما يعلمون دون أن يؤثر ذلك على الإطلاق في حبنا لهم، وتقديرنا لدورهم ومساندتنا لحقوقهم، ودفع كل ما يعيق حركتهم - إن استطعنا - ولو بالدعاء - فذلك واجب علينا نحوهم، وإن لم نقم به كنا نحن المقصرين في إيجاد كيان مؤيد للحركة الإسلامية في البلاد البعيدة؛ إذ لا أحد ينكر دور الكيانات - ولو كانت صغيرة – في تلك البلاد.
ويكفي أن نذكر بالدور اليهودي في أي بلد من البلاد الغربية التي لا يمثل اليهود فيها نسبة عددية تذكر، ولكنهم يمثلون ضغطًا هائلًا لصالح إسرائيل في تلك البلاد.
فلماذا نقوم - نحن - بعكس ذلك، حين نمثل ضغطًا هائلًا على العاملين للإسلام هناك بدلًا من أن نكون لهم سندًا ونصيرًا، ليمثلوا هم - بأنفسهم - هذا الضغط لصالح المسلمين في البلاد التي يعيشون فيها، وبخاصة أن الممثلين لهذه الدعوة الإسلامية - إن صدقوا - اتجهت إليهم النفوس، ومالت نحوهم القلوب، لما يفرضه عليهم الدين من إيثار وأمانة ووفاء وصدق وغير ذلك من أخلاق الإسلام التي تجعل من تشربها قلبه وتمكنت من نفسه إنسانًا يحبه الآخرون أو على الأقل يحترمونه وإن لم يحبوه، ويقدرونه وإن لم يتبعوه؟
إن محاولة الهيمنة في صورها المتعددة التي ترد على الحركة الإسلامية في بلاد الغرب تصيب العاملين هناك بشيء من الإحباط، فتفتر هممهم، ويقل عزمهم، ويضعف إنتاجهم، ويشعرون أنهم يعملون في حقل الدعوة من أجل فلان أو فلان، أو هذه الجهة أو تلك من التي لها صوت أو صدى في الساحة الإسلامية، وإذا وصل العمل الدعوي في أي مكان إلى هذه المرحلة فإنه يصبح مهددًا بالتوقف في أي لحظة لغياب الدافع الذاتي، ولتغيير الهدف من أن يكون في سبيل الله وحده، إلى أن يكون من أجل خواطر هيئات أو مؤسسات، فيفقد العمل روحه، ويظل يضمر إلى أن يموت.
فمن يتحمل - أمام الله - هذا الوزر؟
إننا نطلب من إخواننا العاملين هناك أن يكون عملهم في سبيل الله وحده، ونطلب من إخواننا العاملين هنا أن يكون تأييدهم وسندهم لعمل هؤلاء هو كذلك في سبيل الله وحده، ولتترك لهم حرية اختيار الطريق المناسب للبلاغ الدعوي، فأهل مكة أدرى بشعابها، وليكن رأينا رأيًا استشاريًّا لا يحمل صفة الإلزام؛ وإلا ضاع هباء وعاد سرابًا.