العنوان كشمير.. واشنطن تنقذ الهند في كشمير وتطيح بشعبية نواز شريف
الكاتب سامر علاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1999
مشاهدات 58
نشر في العدد 1362
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 10-أغسطس-1999
وجدت حكومة نواز شريف التي تحظى بغالبية الثلثين في البرلمان الباكستاني نفسها أمام تحد كبير مع الشارع الغاضب على سياساتها تجاه كشمير في أعقاب اجتماع شريف- كلينتون في الرابع من يوليو وما أعقبه من دعوة المجاهدين الكشميريين للانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها شمال كشمير والتي لم تستطع القوات الهندية استرجاعها بعد عشرة أسابيع من المعارك الضارية والهجمات الجوية والبرية.
وعلى الرغم من المظاهرات التي أصبحت سمة يومية في الشارع الباكستاني والتي بلغت أوجها في المظاهرة التي قادتها الجماعة الإسلامية في لاهور يوم الخامس والعشرين من يوليو الماضي فإن رئيس الوزراء شريف قلل من شأن انتقادات المعارضة لسياسته قائلًا إن القرارات التي اتخذها بشأن أزمة كارجيل تصب في مصلحة البلاد العليا حيث لم يكن أمامه خِيار آخر لحل الأزمة وتجنب حرب مدمرة.
مظاهرة الجماعة الإسلامية عبرت عن حجم الضغط الذي يواجهه شريف من أنصار المقاومة الكشميرية، حيث إنها جرت في مسقط رأسه ومعقله الرئيس لاهور وحظيت باهتمام إعلامي وسياسي بالغ.
المجتمع اتصلت بوزير الإعلام مشاهد حسين لسؤاله عن تأثير المظاهرة فقال: المعارضة لم تتمكن من تحريك الشعب ضد الحكومة وأن التظاهرات والمسيرات ليست بالأمر الواسع لأن الشعب بعمومه موافق على سياسة شريف تجاه كشمير، واصفًا المعارضة بأنها ليس لها قضية وأنها تسعى إلى التجريح بالحكومة.
أما رئيس الوزراء نواز شريف فلم يعقب في تعليقاته على المعارضة سوى بالدعاء لها بالهداية والتأكيد على نجاح سياسته بأن كشمير ستكون في يوم ما جزءًا من باكستان وأن هذا اليوم سيكون قريبًا.
لكن منور حسن- الأمين العام للجماعة الإسلامية- دعا شريف للاتعاظ بمن نالوا غالبية الثلثين في البرلمان مثل مجيب الرحمن في بنجلاديش، وأنديرا غاندي في الهند «ولعله تجنب ذكر ذوالفقار علي بوتو في باكستان تجنبًا لشق إجماع المعارضة ضد الحكومة».
▪ بین ضغوط الخارج والداخل
محلل الشؤون الداخلية في صحيفة «ذا نيشن» واسعة الانتشار أصغر بت- يرى أن شريف وجد نفسه بعد أزمة كارجيل بين خيارين أحلاهما مر فإما أن يتجاوب مع رأي الشارع الباكستاني الداعم للمجاهدين الكشميريين ومقابل ذلك تزداد الضغوط الخارجية على حكومته وتحرم من القروض والمساعدات وتمنع عنها الأسلحة والمعدات، وإما أن يرضخ للضغوط الخارجية باتخاذ قرار غير شعبي يحطم شعبيته وقد يحتاج بعده إلى قضاء السنوات الثلاث المتبقية من ولايته في حملة دعائية من أجل الفوز بالانتخابات القادمة.
فقد بدأت الضغوط الخارجية مع بداية أزمة كارجيل وخاصة مجموعة الدول الصناعية الثماني وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة والتي كانت تطالب بوقف عملية كارجيل فورًا وضرورة سحب المجاهدين وقد بدأت هذه الضغوط عندما أثارت الهند المسألة مع هذه الدول وطلبت منها التعامل مع باكستان فقد طالبت هذه الدول وخاصة الولايات المتحدة نواز شريف صراحة باستخدام نفوذه لسحب المجاهدين وحتى ذلك الوقت لم تكن هناك أي ضغوط داخلية ولكن بعد توجهه إلى واشنطن واجتماعه بكلينتون والإعلان الذي وقعاه بدأت الضغوط الداخلية من قبل المعارضة- منفردة أو مجتمعة.
وحجة المعارضة أنه إذا كان المجاهدون بدأوا بأنفسهم وضحوا من أجل الانتصارات التي حققوها لماذا يدعوهم شريف للانسحاب؟!.
ويدافع نواز عن ذلك بالقول: إن هدف المجاهدين قد تحقق بتدويل قضيتهم وكارجيل ليست القضية الرئيسة والسيطرة عليها لا تعني تحرير كشمير لأنها منطقة واحدة فقط والهدف تحريرها كاملة بتفعيل المجتمع الدولي وإظهار خطورة القضية وهو ما تم تحقيقه فعلًا عندما أدرك العالم ضرورة حل القضية.
▪ إعلان واشنطن لم يحل الأزمة
قدمت واشنطن خدمة لنيودلهي استحقت أن تشكرها عليها وهو ما فعله فعلًا وزير الخارجية الهندي جوسوانت سينج في اجتماعه بنظيرته الأمريكية مادلين أولبرايت في سنغافورة ولكنها في المقابل تشددت أكثر مع باكستان فقد أعلنت الهند رفضها لأي مباحثات مع إسلام آباد واضعة شروطًا إضافية مثل وقف كافة الدعم الباكستاني للمجاهدين والتعهد بوقف إطلاق النار نهائيًّا والأغرب من ذلك اشتراطها إعادة الثقة من أجل العودة إلى طاولة المباحثات علاوة على رفضها لأي وسيط أو دور خارجي لحل النزاع.
أما الغرابة في اشتراط إعادة الثقة أن هذا الأمر يتعلق بحالة غير ثابتة فضلًا عن أنها كلمة مطاطة لا أحد يعرف متى تتحقق وهي رد على النظرية الباكستانية التي تقول إن الثقة لا تتحقق إلا بإحراز تقدم نحو حل أزمة كشمير وأن التوتر سيبقى قائمًا ما دامت قضية كشمير قائمة، وحتى إن عاد الحوار فإنه لا يوجد أي ضمان في أن يكون مثمرًا، ومن هنا جاءت التصريحات الباكستانية بأن الحوار يجب أن يكون جادًا وبناء يناقش أجندة محددة وإلا فإن باكستان غير مستعدة لإضاعة المزيد من الوقت.
لقد كان وضع المجاهدين في كارجيل قويًا كما كان وضع الجيش الباكستاني الذي يقف على خط الهدنة وأحبط ١٥ هجومًا هنديًّا على مواقع باكستانية قبل التوصل إلى فصل للقوات في كشمير، وبذلك فإن المجاهدين لم يكونوا مستعدين للانسحاب ولكنهم احترامًا للموقف الباكستاني فضلوا وقف إطلاق النار ووقف التصعيد.
أما القول إن الاتفاق جنب المنطقة خطر الحرب فإن المؤشرات تدل على أن غيوم الحرب ما زالت تحلق فوق سماء جنوب آسيا خاصة إذا علمنا أن باكستان أعلنت صدها لأربع هجمات هندية على مواقع باكستانية عبر الخط الفاصل في كشمير بعد أن أعاد المجاهدون انتشارهم.
أما إعلان واشنطن فلم يضف إلا المزيد من الضبابية والشكوك على العلاقات المستقبلية بين الهند وباكستان خاصة أن الهند اعتبرت أن الاتفاق لا يلزمها بشيء وأنه اتفاق بين إسلام آباد وواشنطن ثم وضعت شروطًا جديدة للحوار مع باكستان وحيث إن الهند مقبلة على الانتخابات ولا يريد أحد خسارة الأصوات على طاولة المفاوضات فإن الأمور تزداد تعقيدًا، فالهند تريد أن تحقق انتصارًا حقيقيًا ينهي المشكلة، والجيش والشعب في باكستان ليسا راضيين عن التعاطي السياسي
للمشكلة.
▪ الهند تتجنب الحرب بقرع الطبول
ويقارن المحللون السياسيون في إسلام آباد بين «إعلان واشنطن» وبين اتفاق طشقند الذي تم برعاية سوفييتية بعد الحرب الهندية الباكستانية الثانية عام ١٩٦٥م والذي قلب النصر العسكري إلى هزيمة على طاولة المفاوضات وكلاهما تم بضغط من دولة عظمى.
رئيس تحرير صحيفة «أوصاف» الصادرة باللغة الأردية في إسلام آباد قال في حديث مع المجتمع إن نواز شريف اثبت شجاعة غير اعتيادية بلا شك عندما توجه إلى واشنطن بحثًا عن السلام رغم الانتقادات الواسعة في بلاده وشعور المجاهدين بنشوة النصر بعد شهرين في المعارك لم تتمكن فيها القوات الهندية من الاستيلاء على أي موقع استراتيجي كان بأيديهم.
في الوقت ذاته، يرى الكثير من الخبراء والمحللين أن الجيش الباكستاني وباكستان عمومًا كانت أفضل حالًا منها عام ١٩٧١م عشية الحرب الهندية الباكستانية الثالثة وأن الهند أدركت ذلك جيدًا وتمكنت من تفادي حرب بقرع طبولها أمام العالم وبالاتصالات السرية الحثيثة مع القوى المؤثرة.
كانت معارك كارجيل تكلف الجيش الهندي خمسة ملايين دولار يوميًا واضطرت الحكومة إلى الإعلان عن حملة لجمع التبرعات لتغذية الحرب في کشمير وأخيرًا أعلنت عن ضريبة إضافية أطلقت عليها ضريبة كارجيل، عدا الخسائر في المعدات والأرواح، في حين أن الخسائر الباكستانية كانت أقل بكثير من الخسائر الهندية.
وقد دخل العديد من العوامل ليعدل الكفة لصالح باكستان رغم تفوق الهند العددي في السلاح التقليدي بنسبة ١ إلى ٤ تقريبًا ومن أهم هذه العوامل:
1. أن باكستان اليوم ليست هي باكستان عام 71 حيث إن العبء قد خف كثيرًا عن الجيش الباكستاني الذي كان مكلفًا بالدفاع عن قطعتين من الأرض- باكستان الشرقية "بنجلاديش" وباكستان الحالية- تفصل بينهما دولة عدوة واليوم أصبح الجيش مكلفًا بالحفاظ عن وحدة واحدة.
2. انتهاء دور الاتحاد السوفييتي الذي بقي داعمًا وحليفًا استراتيجيًّا للهند ووقف معها في كافة الحروب ضد باكستان، أما اليوم فإن روسيا ضعيفة لا يمكنها أن تدفع بالمجان لحلفائها، كما أن علاقة باكستان معها تطورت نوعًا ما بزيارة نواز شريف لموسكو في أبريل الماضي وإعلان البلدين دفن الماضي، وقد أحيطت الترتيبات لتلك الزيارة بالسرية التامة خاصة عن أعين الهند لضمان نجاحها.
3. عدم وجود حكومة معادية لباكستان في أفغانستان حيث كان هذا الأمر يؤرق باكستان طوال خمسين عامًا من عمرها حتى من قبل دخول الشيوعية إلى أفغانستان إلا أن تمكن الطالبان من السيطرة على كابل وقندهار وجميع الحدود مع باكستان لتبدأ مرحلة بناء علاقات استراتيجية مع أفغانستان بدلًا من العداء الذي شاب الجارتين.
4. إن نصف الجيش الهندي «أكثر من ۷۰۰ ألف جندي» مشغول في كشمير وأكثر من نصف القسم المتبقي مشغول في إخماد ست حركات تمرد في مناطق متفرقة من الهند مثل أسام وغيرها، فلم يبق إلا الربع وهو ما يعادل ٢٥٠ ألف جندي هندي مقابل ٥٠٠ ألف جندي باكستاني.
5. الحرب المعنوية، فمن الواضح جدًا الفارق في المعنويات بين الجيشين الهندي والباكستاني ففي الوقت الذي كان فيه الجيش الهندي ينقل ضحاياه إلى مختلف المدن الهندية وقد بدا الاضطراب واضحًا في تصريحات القيادة الهندية في التعامل مع الواقع الجديد، فإن الجيش الباكستاني يقف على الطرف الآخر في قمة نشوته ولم يضطر القادة السياسيون والعسكريون في باکستان لمجاراة نظرائهم الهنود في زيارات للجبهة الرفع معنويات جنودهم.
6. العامل الصاروخي والنووي: فلا أحد يعلم بالضبط مدى القدرات الصاروخية والنووية التي يملكها كل طرف إلا أن الدلائل تشير إلى أن النظام الصاروخي الباكستاني متفوق على نظيره الهندي وخاصة صاروخ شاهين المجهز بأجهزة تحكم وتكنولوجيا متطورة.
ویری بعض الاستراتيجيين أن باكستان لديها القدرة على ضرب المنشآت النووية الهندية مع احتمال تجنب الضربة الثانية.
▪ قرارات تاريخية
لقد أجبر نواز شريف على اتخاذ أصعب قرارين في تاريخ باكستان خلال فترة حكمه الثانية التي لم يمض منها سوى أقل من سنتين ونصف السنة الأول كان العام الماضي عندما تحدى الضغوط الخارجية وسمح بالتجارب النووية حيث اعتبر ذلك تحولًا تاريخيًّا بالنسبة لباكستان.
أما القرار الثاني فهو على النقيض وتمثل في التراجع عن الانتصار الميداني في كشمير ودعوة للمجاهدين بإخلاء المناطق التي يرون أنهم حرروها بدمائهم.
وكما كان القرار الأول الأكثر شعبية فإن القرار الثاني كان الأكثر رفضًا من قبل الشعب.
لقد ظهرت الولايات المتحدة منقذة لشخص رئيس الوزراء الهندي أتال بهاري فاجبايي على أبواب الانتخابات دون السعي للحفاظ على ماء وجه نواز شريف لقد استمات فاجبايي في البحث عن حل ينقذه دون اللجوء إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد بما يسمح بتأجيل الانتخابات وقد يسر له كلينتون ذلك على حساب شعبية شريف في باكستان وعلى حساب قضية کشمیر برمتها.