; غربة الإسلام :العدد 1594 | مجلة المجتمع

العنوان غربة الإسلام :العدد 1594

الكاتب فيصل محمد العريني

تاريخ النشر السبت 27-مارس-2004

مشاهدات 70

نشر في العدد 1594

نشر في الصفحة 57

السبت 27-مارس-2004

في كتابه «بهجة قلوب الأبرار»، تحدث الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله «۱۳۰۷- ١٣٧٦هـ» عن غربة الإسلام، وكان مما كتبه رحمه الله: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر» «رواه الترمذي». وهذا الحديث يقتضي خبرًا وإرشادًا.

أما الخبر، فإنه أخبر الله أنه في آخر الزمان يقل الخير وأسبابه ويكثر الشر وأسبابه، وأنه عند ذلك يكون المتمسك بالدين من الناس أقل القليل، وهذا القليل في حالة شدة ومشقة عظيمة كحالة القابض على الجمر من قوة المعارضين وكثرة الفتن المُضلة، فتن الشبهات والشكوك والإلحاد، وفتن الشهوات وانصراف الخلق إلى الدنيا وانهماكهم فيها، ظاهرًا وباطنًا، وضعف الإيمان، وشدة التفرد لقلة المعين والمساعد. 

ولكن المتمسك بدينه القائم عليه يدفع هذه المعارضات والعوائق التي لا يصمد لها إلا أهل البصيرة واليقين وأهل الإيمان المتين من أفضل الخلق وأرفعهم عند الله درجة وأعظمهم عنده قدرًا.

وأما الإرشاد فإنه إرشاد لأمته أن يوطّنوا أنفسهم على هذه الحالة، وأن يعرفوا أنه لابد منها، وأن من اقتحم هذه العقبات، وصبر على دينه وإيمانه مع هذه المعارضات، فإن له عند الله أعلى الدرجات، وسيعينه مولاه على ما يحبه ويرضاه، فإن المعونة على قدر المؤنة. 

وما أشبه زماننا هذا بهذا الوصف الذي ذكره، فإنه ما بقي من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، إيمان ضعيف، وقلوب متفرقة، وحكومات مشتتة، وعداوات وبغضاء باعدت بين المسلمين، وأعداء ظاهرون وباطنون يعملون سرًا وعلنًا للقضاء على الدين والإلحاد، وماديات جرفت بخبيث تيارها وأمواجها المتلاطمة الشيوخ والشباب، ودعايات إلى فساد الأخلاق والقضاء على بقية الرمق، ثم إقبال الناس على زخارف الدنيا، بحيث أصبحت هي مبلغ علمهم وأكبر همهم ولها يرضون ويغضبون - إلا من رحم ربك. ودعاية خبيثة للتزهيد في الآخرة والإقبال بالكلية على تعمير الدنيا وتدمير الدين والاستهزاء بأهله وبكل ما ينسب إليه، وفخر وفخفخة واستكبار بالمدنيات المبنية على الإلحاد التي رأي آثارها وشرورها البلاد والعباد. 

فمع هذه الشرور المتراكمة والأمواج المتلاطمة، والمزعجات الملمة، والفتن الحاضرة والمستقبلة المدلهمة، مع هذه الأمور وغيرها، تجد مصداق هذا الحديث. 

ولكن مع ذلك، فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله ولا ييأس من روح الله، ولا يكون نظره مقصورًا على الأسباب الظاهرة، بل يكون ملتفتًا في قلبه كل وقت إلى مسبب الأسباب، الكريم الوهاب، ويكون الفرج بين عينيه ووعده الذي لا يخلفه بأنه سيجعل له بعد عسر يسرًا، وأن الفرج مع الكرب، وأن تفريج الكربات مع شدة الكربات وحلول المقطعات.

فالمؤمن من يقول في هذه الأحوال: لا حول ولا قوة إلا بالله.. وحسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا، اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ويقوم بما يقدر عليه من الإيمان والنصح والدعوة، ويقنع باليسير إذا لم يمكن الكثير، وبزوال بعض الشر وتخفيفه إذا تعذر غير ذلك، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق٢-٣).

الرابط المختصر :