العنوان توبة راقصة
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر الجمعة 01-يوليو-2016
مشاهدات 68
نشر في العدد 2097
نشر في الصفحة 69
الجمعة 01-يوليو-2016
دعيت لإلقاء درس في بيت من بيوت التائبات عن عالم ما يسمى بالفن، وبعد صلاة التراويح اتجهت السيارة التي تقلني إلى المكان، ولكنها توقفت أولاً أمام عمارة تطل على نهر النيل، ونزلت منها امرأة متوسطة العمر ترتدي حجاباً «على استحياء»، ودخلت السيارة وهي صامتة. ألقيت عليها السلام؛ فردت باقتضاب ونظرت من نافذة السيارة في الجهة الأخرى، حاولت التعرف عليها ولكنها لم ترد، عرفتها بنفسي وهي على موقفها، وكنت في حيرة من أمري، ثم سألتها إن كانت تعرف الداعية التي ستلقي الدرس اليوم فقالت: لا، ولم تلتفت تجاهي، فبادرتها بسرعة أسألها عن اسمها فقالت بضيق ذرع: أنا الراقصة فلانة، هل استرحت؟!
تهللت أساريري، وتجاهلت سؤالها الغاضب وأنا أقول لها: مرحباً بحبيبة الرحمن.
فوجئت بعبارتي ونظرت لي بحدة وهي تخاطبني: هل تسخرين مني؟ قالت ذلك وقد اكتست ملامحها بانكسار.
قلت لها: ألم تتوبي إلى الله وعزمتِ على ألا تتبعي هواك من أجل رضا الله؟
قالت: تبت والله، ولكن الأمر ليس بالسهولة التي تتصورين، ليس سهلاً على من تعود على رغد العيش أن يجد أن ماله كله حرام، فإما أن يستغني عنه بُعداً عن الحرام، ومن أين يأكل ويشرب ويسكن وقتها، وإما أن يرضخ لداعي الشيطان ويعود إلى طريق الغواية.
قلت لها: أرى أنك اخترت طريق الرحمن بالرغم من المشقة والصعاب التي ذكرتها.
قالت: نعم أحمد الله على ذلك، لقد كان أمراً مزلزلاً، ولما ضاقت بي السبل ذهبت لأحد العلماء الأجلاء المشهورين والمشهود لهم، وقد استقبلني بحفاوة ومودة أزالت خشيتي، وكان يجلس ساعتها إلى «الطبلية» لتناول طعام الإفطار، وقبل أن أبدأ حديثي طلب مني أن أتناول معه أي شيء من الطعام، وحين تمنعت لأنني تناولت إفطاري فعلاً وضع أمامي قطعة من الحلاوة الطحينية وقال لي: كلي، فأكلت فسمح لي أن أسأله ما شئت.
شرحت له عزوفي عن المعصية، فإنني كرهتها فبارك لي عملي وشجعني على أن أستمر في طريقي، فقلت له: ومن أين أنفق يا شيخنا؟ وقد ألغيت كل عقودي وبالطبع تحملت كافة الغرامات المستحقة والتي أخذت مني أغلب ما أملك ولم يبق سوى القليل الذي جاء بالحرام وليس لي أي دخل آخر؟
قال لي: أنت في حكم المضطر، فأنفقي من هذا المال بما يسد فقط رمقك، ومن وقتها طعامي وشرابي قليل، فقط بما يسد الرمق، ولم أحاول من يومها مجرد التفكير في الرجوع عن توبتي.
كانت بنيتها ضعيفة تصدق ما تقول، فقلت لها بحنو: ولذلك أنت حبيبة الله إن صدقت بثبات فهو غافر الذنب وقابل التوب، وهو يبدل السيئات حسنات لمن يتوبون ويلتزمون بطاعته والتزام أوامره.
قالت: هل يغفر كل شيء فعلاً؟ فأنت لا تعلمين هناك ذنوب وكأنها الجبال الجاثمة على أنفاسي، وأحياناً يسجن النوم في كهف من كهوف هذه الجبال فلا أستطيع النوم إلا بمهدئ.
قلت لها: ولم كل ذلك؟ الله هو العزيز العليم يعلم كل شيء وقد وعد بالعفو وهو لا يخلف وعده، وهو العَفُوّ يمحو سيئاتك وكأنها لم تكن، بدون عقد نفسية تطاردك هناك لا في يقظة ولا في نوم، قالت: هل معقول ما تقولين؟ هل أحد يعفو هذا العفو؟ قلت لها مبتسمة: عزيزتي هو الله الرحمن الرحيم وقد كتب هو على نفسه الرحمة.
أخذت تردد: ربنا لطيف جداً وحنان على عباده.
وصلت السيارة إلى حيث مكان اللقاء وبمجرد دخولها أخذت تروي لهن أن الله يغفر كل شيء، وأن الأمر لم يكن كما كانت تظن وأنها سعيدة جداً.
كلماتها نزلت على قلبي كالبلسم؛ فسبحانه وتعالى يجهل صفاته الكثيرون، ولو عرفوها وعملوا بها لسعدوا وأسعدوا من حولهم.>