; الصومال: أبعاد الفشل الأمريكي الأوربي في الصومال | مجلة المجتمع

العنوان الصومال: أبعاد الفشل الأمريكي الأوربي في الصومال

الكاتب سيد الشامي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994

مشاهدات 92

نشر في العدد 1095

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 12-أبريل-1994

بعد خمسة عشر شهرًا من التدخل الدولي في الصومال انسحب آخر جندي أمريكي من مقديشو بعد أن أعلن الجنرال توماس مونتغمري أن مهمة قواته تكللت بالنجاح؛ بينما يرى المراقبون أن المقاومة الصومالية العنيفة للوجود الأمريكي كانت وراء قرار الانسحاب.

وقد أعقب الانسحاب توقيع اتفاق للسلام بين الجنرال فارح عيديد وغريمه علي مهدي محمد لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب التي دامت ثلاث سنوات والتي أطلق عليها «إعلان نيروبي»، وذلك مع عقد مؤتمر مصالحة في مايو لانتخاب رئيس للصومال وتشكيل حكومة جديدة.

ومع الانسحاب الدولي تثار التساؤلات حول أسباب هذا الانسحاب ودوافعه وما هو مستقبل الصومال بعد الانسحاب؟ وما هي إمكانيات نجاح مصالحة وطنية حقيقية بين الفصائل الصومالية المتصارعة خاصة بعد إعلان نيروبي الذي اتفق عليه مؤخرًا بين الفصائل الصومالية؟ فالأسئلة التي طرحت في بداية التدخل تعود فتطرح نفسها بقوة لتبقى دون إجابة، هل كان الهدف منه إنسانيًّا فقط؟ وهل تحقق هذا الهدف ولم يعد هناك داع لوجود قوات دولية؟ وهل تصرفت هذه القوات فعلاً بما يخدم هذا الهدف؟ أم أن التدخل كان مشروعًا سياسيًّا لم تتوفر ظروف اتضاحه بعد في ظل معطيات الواقع التي تمثل تحديًا للنظام الدولي الجديد؟

والذي يمكن رصده في هذا الإطار أن انسحاب القوات الدولية وعلى الأخص القوات الأمريكية يأتي بعد فشل هذه القوات في مهمتها في الصومال، والتي تدخلت تحت مظلة الأمم المتحدة، الأمر الذي جعل البعض يعتبر عام 1993م هو عام الفشل للأمم المتحدة.

وبين الإقدام المتحمس على التدخل الدولي في الصومال والانسحاب المتسارع منه شهدت الصومال العديد من التطورات والأحداث والقرارات التي يمكن رصدها في الآتي:

التدخل وظروفه ودوافعه: بعد سقوط نظام سياد بري في 16 يناير 1991م تفاقمت حدة الصراعات القبلية في الصومال خاصة بين قبيلة رئيس الدولة علي مهدي محمد «قبيلة الأبقال» وقبيلة رئيس المؤتمر الموحد فارح عيديد.

في ظل هذه الظروف والأوضاع الدولية المتقلبة تركت أزمة الشعب الصومالي في يد أطرافها المحليين؛ حيث بحث كل منهم عن حلفاء في الداخل أو في الخارج، ولعبت الامتدادات القبلية عبر الحدود دورًا رئيسيًّا في تغذية واستمرار الصراع، وبدأ التدخل الأمريكي المباشر في أزمة الصومال عندما وافق الرئيس بوش في أغسطس 1992م على قيام القوات الأمريكية بنقل 500 جندي تابعين للأمم المتحدة لحماية معونات الإغاثة الإنسانية، وقد تدخلت الدول الغربية والولايات المتحدة بهدف «إعادة الأمل» كما أسمته بذلك، وكان الهدف المعلن من هذه العملية هو التحرك لأغراض إنسانية بحتة على حد قول جورج بوش نفسه، إلا أن هذه العملية تمت بهدف تحقيق نصر عسكري سهل وميسور في عملية سريعة على غرار ما تم في عاصفة الصحراء، وقد استفادت الولايات المتحدة من العمل تحت مظلة الأمم المتحدة، من أجل إكساب عمليتها الشرعية الدولية، إلا أن التدخل العسكري الأمريكي قد أثار بعض التحفظات من الدول الاستعمارية السابقة في منطقة القرن الإفريقي وعلى الأخص إيطاليا وفرنسا اللتين أثارتا الحديث عن المصالح الحقيقية للولايات المتحدة في الصومال ورغبتها في إقامة حكومة صومالية موالية تدور في فلكها تسمح لها بالوجود في هذه البقعة الاستراتيجية، كما تسمح لها بالتوغل نحو السودان ومنطقة حوض النيل، بالإضافة إلى نشر تقارير حول تواجد شركات البترول الأمريكية تحسبًا لاحتمال تدفقه في الأراضي الصومالية، وقد أثارت هذه التحفظات والتقارير علامات استفهام حول الهدف الإنساني للمهمة العسكرية الأمريكية، ففي النهاية تسعى كل دولة لتحقيق مصالحها القومية بحسابات المكسب والخسارة. وتدعم وجهة النظر هذه من خلال حقيقة أرقام الإنفاق الأمريكي في الصومال والتي قدرت تكلفة الوجود العسكري الأمريكي خلال الشهور الأولى بـ 1.5 مليار دولار أمريكي طبقًا لما أعلن رسميًّا في مناقشات الكونجرس الأمريكي في أكتوبر 1993م.

كذلك فقد أوردت بعض التقارير أن تسعة أعشار المبالغ المخصصة للمهمات الإنسانية في العملية الدولية في الصومال كانت تصرف لمهمات وأغراض عسكرية وليست إغاثية، الأمر الذي يعكس غلبة الهدف العسكري على أهدافها الإنسانية ويقلل من مصداقية الولايات المتحدة في التدخل في الصومال لأهداف إنسانية، ويمكن القول: إنه رغم عدم إمكانية تجاهل البعد الإنساني وراء قرار التدخل الأمريكي فإن هناك عدة اعتبارات أخرى تتكامل مع هذا البعد الإنساني ويمكن أن تعطينا صورة أوضح وأكثر شمولًا لمبررات التدخل العسكري الأمريكي، ومن هذه الاعتبارات:

1- موقع الصومال الاستراتيجي الهام في مدخل البحر الأحمر وعلى خطوط النفط في المحيط الهندي، فقد ظلت الصومال محل اهتمام دولي واستقطاب عالمي لموقعها الاستراتيجي عند قرن القارة والمطل على الشرق الأوسط بؤرة النزاعات الملتهبة ومكمن المصالح الحيوية، إضافة إلى التحكم في مضيق باب المندب أهم المعابر المائية إلى منطقة شرق ووسط آسيا بما يشمل أفغانستان وباكستان وإيران والدول الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق، وهي مناطق حيوية قبل وبعد انتهاء الحرب الباردة، وتتزايد أهمية الصومال مع توافر أسباب عودة التكتل الإسلامي الآسيوي وتنامي أطرافه.

2- قرب الصومال من السودان والذي يظهر نظامه الحاكم تأييدًا ودعمًا للحركات الإسلامية في عموم القرن الإفريقي ووسط إفريقيا ويمثل نقطة عبور للنفوذ الإيراني إلى تلك المنطقة.

3- إن استمرار تدهور الأوضاع في الصومال يمثل فرصة لمزيد من نمو الحركات الإسلامية، الأمر الذي قد يخلق بؤرة توتر للمصالح الغربية والأمريكية يصعب فيها السيطرة عليها في المدى البعيد.

وقد دخلت القوات الدولية في الصومال كأطراف في النزاع ولم تفهم معطيات الواقع الصومالي، الأمر الذي جعل هذه القوات تدخل في مواجهات يومية مع الصوماليين؛ حيث نظر الصوماليون إلى القوات الأجنبية على أنها رمز للتدخل الأجنبي، وأمام تزايد حدة المواجهات بين هذه القوات وخاصة الأمريكية كان على القيادة الأمريكية أن تراجع دورها في الصومال ومهمتها، وأن تصدر قرارًا بالانسحاب، الأمر الذي يثير التساؤل الأخير في هذا الصدد.

ما ظروف ودوافع الانسحاب من الصومال؟ يمكن القول: إن أحداث أكتوبر 1993م والتي أسفرت عن قتل وإصابة عشرات الجنود الأمريكيين والتمثيل ببعضهم، قد مثلت امتهانًا للكرامة الأمريكية ومكانتها العالمية وإمكانية تحدٍ لفاعل دولي صغير للولايات المتحدة التي تقود النظام الدولي الجديد وترغمه على استصدار قرار بالانسحاب من الصومال، إضافة إلى أن هذه الأحداث تعتبر نقطة تحول في الموقف الأمريكي من الأزمة الصومالية، فقد أظهرت ردود الفعل داخل الولايات المتحدة أن عقدة فيتنام ما زالت ماثلة في وجدان الرأي العام الأمريكي، الأمر الذي دفع الرأي العام للضغط على صانعي القرار الأمريكي، مما أدى إلى إصدار قرار بالانسحاب من الصومال في نهاية مارس 1994م، ويرى البعض أن القرار الأمريكي بالانسحاب من الصومال لم يأتِ نتيجة الأوضاع الصومالية فقط بل نتيجة لأن السياسة الأمريكية أرادت أن تعيد حساباتها في التدخل في النزاعات بشكل عام.

وقد واكب هذا القرار تصريحات عديدة من المسؤولين الأمريكيين حول تحول السياسة الأمريكية من المواجهة المسلحة إلى المصالحة السياسية، وقد لخص وزير الدفاع الأمريكي هذا التوجه في عبارة «استخدام سياسة العصا والجزرة»، أي الضغط العسكري للوصول إلى حل سياسي.

ورغبة في تغطية الفشل الأمريكي الغربي في التعاطي مع الأزمة الصومالية طلبت الإدارة الأمريكية أن يكون البديل للقوات الدولية إفريقيًّا، وطالبت بدور سياسي وعسكري لدول القارة في وقف إطلاق النار. وفي 14 أكتوبر 1993م اعترف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بخطأ السياسة الأمريكية في الصومال وأنها قد مارست دور الشرطي مما أدى إلى تقويض العمليات السياسية.

وفي هذا الصدد يعتبر البعض أن انسحاب القوات الدولية يوحي بأن هذه القوات قد تخلت عن أهدافها مؤقتًا لتعيد ترتيب الأوضاع في القرن الإفريقي بوسائل أخرى غير عسكرية ومستعينة بقوى إقليمية تدفعها إلى المقدمة في ساحة الصراع لتحجيم خسائرها.

ويأتي انسحاب القوات الأمريكية من الصومال بعد يوم واحد من توقيع الجنرال محمد فارح عيديد ومحمد علي مهدي اتفاقًا للمصالحة الوطنية نيابة عن الفصائل الصومالية الـ 16 والذي سمي بـ «إعلان نيروبي»، الأمر الذي يشير إلى أن هناك ضغوطًا غربية وأمريكية من نوع ما مورست على الأطراف الصومالية المتصارعة لتوقيع هذا الاتفاق رغبة في تغطية الفشل والانسحاب الأمريكي من الصومال والإيحاء بنجاح القوات الدولية في تحقيق مهامها.

وفي هذا السياق يمكن فهم ما صرح به توماس مونتغمري قائد القوات الأمريكية من أن مهمة الأمريكيين كللت بنجاح كبير، وقال: إن مجرد إرغام الأطراف المتناحرة -التي قبل أشهر قليلة كانت تقاتل الأمم المتحدة- على مواجهة الواقع والموافقة على توقيع اتفاق لتقاسم السلطة من أجل تأمين البلاد هو انتصار للأمم المتحدة والولايات المتحدة اللتين لعبتا دورًا رائدًا في تحقيق ذلك، وفي النهاية يمكن القول بأن الانسحاب الدولي من الصومال يأتي ليدلل على فشل التدخل العسكري لحل الأزمة الصومالية، ومرجع ذلك أن القوات الدولية لم تخفِ مظاهر التدخل العسكري في أكثر من مناسبة وإن أعلنت أنها جاءت لأهداف إنسانية.. كما يؤكد الانسحاب الدولي فشل النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة في فرض هيمنتها على الشعوب الإسلامية التي كانت وما زالت تنظر إلى الغرب على أنه العدو التقليدي الذي يواجهه المسلمون، ومن ثم فإن قرار الانسحاب جاء استجابة لواقع فرضه الشعب الصومالي، كما جاء كتعبير عن التغيير في الوسائل والتكتيكات من قبل الدول الغربية وليس لتغيير في الأهداف والاستراتيجيات التي حددتها هذه الدول للتعامل مع الشعوب والبلدان الإسلامية، ولذلك تسعى هذه الدول من جانبها لتحقيق مصالحها وأهدافها في منطقة القرن الإفريقي من خلال الوسطاء الذين تدفعهم في ساحة الصراع أو المصالحة دون التورط المباشر لها.

ويبقى التساؤل حول إمكانية نجاح المصالحة الوطنية والإعلان الذي تم توقيعه بين فارح عيديد وعلي مهدي: وماذا بعد الانسحاب من الصومال؟ وهل يكتب لهذا الاتفاق النجاح؟ خاصة في ظل الضغوط الغربية والأمريكية التي مورست لتوقيعه، الأمر الذي يجعلنا نقول: إن أي اتفاق لا يراعي التركيبة الاجتماعية في المجتمع الصومالي محكوم عليه سلفًا بالفشل، ويبقى الباب مفتوحًا أمام الصراعات القبلية ما لم تتدارك الفعاليات الصومالية حجم الأزمة والتي كانت نتيجة للصراع المقيت على السلطة، وهو إدراك نرجو أن يكون قريبًا يساعد على ذلك التراث الصومالي السابق في الحرص على الوحدة الوطنية والزهد في السلطة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

301

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1114

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان