العنوان فتاوي المجتمع (1587)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004
مشاهدات 56
نشر في العدد 1587
نشر في الصفحة 58
السبت 31-يناير-2004
المحرم لابد أن يكون بالغًا
سيدة تريد أداء حجة الفريضة، ولا تجد محرمًا غير ابنها، وهو لم يبلغ الحلم بعد، فهل يعتبر محرمًا لها؟
اشترط جمهور الفقهاء في المحرم أن يكون رجلًا بالغًا عاقلًا ويكون محرمًا، بمعنى أنه محرم عليها الزواج منه على التأبيد سواء أكانت الحرمة بسبب القرابة أو الرضاعة أو المصاهرة، لكن المالكية لا يشترطون في المحرم أن يكون بالغًا، بل يكفي عندهم أن يكون مميزًا، وهو من كان في سن العاشرة ويميز بين الأمور فطنًا.
وعلى هذا نقول للأخت: إن الأحوط هو الأخذ بما ذهب إليه جمهور الفقهاء في اشتراط أن يكون المحرم بالغًا، فلا يجب عليها الحج في هذه الحال حتى يبلغ هذا المحرم إن لم يكن لها محرم غيره.
وبالمناسبة فإن نفقة المحرم تجب على المرأة إذا كان المحرم لا يرافقها إلا بدفع أجرة أو نفقة، ولا يجوز لها إن وجدت المحرم أن تذهب مع رفقة من النساء، بحجة أن المحرم يريد منها نفقة أو أجرة.
أنواع الطواف
يختلط علينا معرفة الطواف الواجب وغير الواجب، فما الطواف الذي لابد منه، وهل يمكن لنا أن نترك غيره، لما في ذلك من مشقة خاصة بالنسبة للنساء؟
الطواف أربعة أنواع:
النوع الأول: طواف الركن ويسمى طواف الزيارة وهو ركن من أركان الحج لقوله تعالى: ﴿لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج:2)، فهذا الطواف لابد منه للرجل والمرأة.
النوع الثاني: طواف القدوم ويسمى طواف التحية، وهذا يؤديه الحاج رجلًا أو امرأة أول دخوله الحرم، وهو سنة عند جمهور الفقهاء إلا مالكًا، فإنه يرى أن طواف القدوم واجب على المحرم بالحج، فهذا الطواف لا بأس بعدم أدائه، ولا يلزم في عدم أدائه شيء.
النوع الثالث:
طواف الوداع ويسمى طواف الصدر، وهو الطواف الذي يؤديه الحاج عندما يريد السفر إلى بلاده وبعد الانتهاء من أعمال الحج، وهذا واجب إلا على الحائض ومن كان يسكن مكة؛ لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» (فتح الباري3/379) وهذا الحكم عند جمهور الفقهاء عدا مالكًا فإنه يرى أن طواف الوداع سنة، وطواف الوداع على الحاج فقط، أما المعتمر فلا طواف وداع عليه.
النوع الرابع: طواف التطوع، وهو الطواف الذي يؤديه من كان في الحرم في أي وقت شاء وهو سنة، لا يجب أداؤه.
اغتسال المُحرم
• قد يحتاج المحرم إلى الاغتسال بسبب الحر والعرق، فهل يجوز له ذلك؟
وإذا سقط شيء من شعره فهل عليه شيء؟
إذا احتاج المحرم أن يغتسل فلا بأس عليه، على ألا يبالغ في فرك شعر رأسه، فيفركه برفق ولا بأس عليه مما يسقط منه من غير تعمد أو مبالغة. ودليل ذلك ما رواه عبد الله بن جبير قال: «أرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فأتيته وهو يغتسل، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت أنا عبد الله بن جبير أرسلني إليك عبد الله بن عباس يسألك: كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه الماء: صب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل؛ (متفق عليه)
وقد أجمع العلماء على أن المحرم لو أجنب فإنه يغتسل من الجنابة، لكن ينبغي عليه أن يتجنب الاغتسال بصابون له رائحة لأنه يعتبر من الطيب، ولا بأس باستعمال ما لا رائحة فيه، لأن السدر وما لا يؤثر في قلع الشعر كالسدر، وما في حكمه ليس طيبًا، وقد قال النبي ﷺ في الرجل المحرم الذي وقصه بعيره فمات: «غسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًّا» (متفق عليه).
حج النافلة أم إعانة المحتاجين؟
رجل عنده مبلغ من المال ادخره لحج النافلة، فهل يحج به أم يدفعه إلى بعض أهله أو جيرانه ممن هم في حاجة شديدة لهذا المال للإنفاق على أولادهم، أو سد ديونهم؟
الأفضل أن ينظر الإنسان في أولويات الحاجات والضرورات، فإن كان قادرًا على الحج والإنفاق معًا، فالجمع بين الأمرين هو الأفضل، وإن لم يكن، فالإنفاق أولى، إذا كان فيه قضاء دین مضطر حل دينه، أو فقير يسد رمقه ويوسع على عياله... وما إلى ذلك، وله في ذلك الأجر العظيم عند الله تعالى وهو حسب نيته، «وإنما الأعمال بالنيات»
ويروى في ذلك ما قاله أبو النصر التمار أن رجلًا جاء يودع بشر بن الحارث، وقال: قد عزمت على الحج فتأمرني بشيء؟ فقال له: كم أعددت للنفقة؟ فقال: ألفي درهم، قال بشر: فأي شيء تبتغي بحجك تزهدًا، أو اشتياقًا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله تعالى؟ قال: ابتغاء مرضاة الله ،قال: فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم، وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى، أتفعل ذلك؟ قال: نعم قال: اذهب فأعطها عشرة أنفس: مديونًا يقضي دينه، وفقيرًا يرم شعثه، ومعيلًا يغني عياله، ومربي يتيم يفرحه، وإن قوي قلبك تعطيها واحدًا فافعل، فإن إدخالك السرور على قلب المسلم، وإغاثة اللهفان وكشف الضر، وإعانة الضعيف، أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام، قم فأخرجها كما أمرناك (إحياء علوم الدين للإمام الغزالي 3/379).
حكمة الحج بين الزمان والمكان
ما حكمة الاختيار الإلهي لأداء الحج في مكة.. وفي شهر ذي الحجة بالذات؟
الاختيار الإلهي لشيء ما لا يُعلل إلا بالمشيئة الإلهية، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)﴾ (القصص:68) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36)﴾ (الأحزاب:36).
ويمكن لنا - نحن البشر - أن نتلمس حكمًا لهذا الاختيار الإلهي، لكننا لا نحيط بالحكم كلها، فالله تعالى اختار مكة مقصدًا للحج لكونها أم القرى. قال تعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الشورى:7)
قال الإمام الرازي في تفسيره: وأم القرى أصل القرى، وهي مكة، وسميت بهذا الاسم إجلالًا لها؛ لأن فيها البيت ومقام إبراهيم، والعرب تسمي أصل كل شيء أمه، حتى يقال هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان، هذا وقد رفع إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قواعد البيت الحرام في هذه البقعة المباركة بإذن الله ليكون مثابة للناس وأمنًا، أي يعتادون الذهاب إليه والرجوع منه مرات عدة على مدى حياتهم كلها في أمن وأمان.
والكعبة المشرفة أول بيت بني لعبادة الله وحده قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)﴾ (آل عمران:97).
وقد اختار الله تعالى للحج أيضا زمانًا هو ما يُسمى بالميقات الزماني، وهو شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، قال تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ (البقرة:۱۹۷)
أي أن المسلم لا يستطيع أن ينوي الحج إلا في هذا الوقت بالذات على أن يقف يوم التاسع من ذي الحجة بجبل عرفات، فالحج عرفة، ومن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج.
ومن المعلوم شرعًا أن ذا القعدة وذا الحجة من الأشهر الحرم التي عظمها الله تعالى فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة :٣٦)
الصلاة بسبب الصهاينة في البيت!
أصلي الفجر مع زوجتي بالبيت في جماعة بسبب الأوضاع السائدة عندنا في رفح بسبب الصهاينة.. فهل يجوز ذلك؟
من المعلوم أن الصلاة لا تجوز لجار المسجد إلا في المسجد، وهذا الحكم محمول على أنه سنة مؤكدة، إلا في حالة الخوف.
وبما أن الأوضاع في رفح وغيرها من المدن الفلسطينية - حررها الله عز وجل - غير آمنة فإنه يجوز أن يصلي المسلم في بيته حفاظًا على حياته؛ لأن بقاء النفس من الضرورات التي حرص الإسلام على حفظها. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء:29)، وقال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥)
الأعذار المسقطة لفورية الحج
ما الأعذار المسقطة لفورية الحج؟
الآية القرآنية التي صرحت بفرضية الحج وهي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ۹7)
أشارت بل صرحت بذكر الأعذار المسقطة لفورية الحج، ولكن في إيجاز وبإجمال يحتاج إلى تفصيل، ولم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان الإجمال إلا قوله لمن سأله عن السبيل في الآية: (الزاد والراحلة) في روايتين أخرج إحداهما الدارقطني وثانيتهما ابن ماجه.
ولفظ الزاد والراحلة أيضًا دليل مجمل يحتاج إلى تفصيل؛ لأنا نقول: ما الزاد؟ ما مقداره؟ ما نوعه؟ ونقول: ما الراحلة وما نوعها؟
لقد تناول الفقهاء - رحمهم الله تعالى - هذه الألفاظ بالشرح والتفسير، وموجزها أن المراد بالزاد نفقة الحاج في سفره إلى أن يعود إلى أهله، ونفقة من يعولهم من أهل وولد وأقربين مع براءته من الديون المالية، ولم يكن مطالبًا، بزكاة، أو نذر واجب أو كفارة لازمة.
وأضافوا أن المراد بالراحلة: القدرة على الركوب والمشي، ووجود ما يُركب إن كان المشي غير ممكن مع أمن الطريق وسلامته عادة، فإن وُجدت هذه الأعذار أو بعضها فالحج لم يجب معها حتى تزول، ومتى زالت تعين الحج ووجب الفور في أدائه لما عسى أن يحدث من حوائل تحول دون أدائه.
ومما يلاحظ أن كثيرًا من الناس يرون أن الدين لا يصح معه حج ولا عمرة، وليس هذا بصحيح، إن الدين مسقط لوجوب الحج والعمرة فقط، أما إذا استدان امرؤ مالاً ليحج به، أو حج بما لديه ولم يقض ما عليه من الديون، وهو عاقد النية والعزم على قضائهما فلا شك أن حجه صحيح مقبول إن شاء الله تعالى، وأن ديونه في ذمته يقضيها متى وجبت، وتمكن من قضائها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل