; مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصـرية (١٣) | مجلة المجتمع

العنوان مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصـرية (١٣)

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 08-يناير-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1934

نشر في الصفحة 38

السبت 08-يناير-2011

حادي الأرواح إلى المسجد الأقصى

الشيخ البنا رسم نفسه خصمًا محاربًا للحركة الصهيونية ومقاومًا لمشروعها السياسي لإقامة دولة في فلسطين ولو على شبر واحد وواظب على التحذير من خطرها

أكثر من كتابة المقالات الداعية لتعبئة الجهود لمواجهة الخطر ووجه عددًا كبيرًا من الرسائل إلى القادة والزعماء الحكوميين والشعبيين وممثلي الدول الأجنبية والمنظمات الدولية

انخرط في عضوية كل الهيئات المناصرة لفلسطين

 أشرف على كتائب الإخوان الذين تطوعوا للجهاد ونجح في إرسالهم إلى فلسطين قبل شهرين تقريبًا من إعلان قيام الكيان الصهيوني

بتتبع رسائل الشيخ ومقالاته بشأن فلسطين وحدها نجدها تمشي في خط واحد هو الاستعداد لمنازلة الصهيونية وتحريض الشعوب والحكومات العربية والإسلامية ضدها

قال في برقية لعبد الرحمن عزام أمين عام الجامعة العربية: لا سبيل لإنقاذ فلسطين إلا بالقوة.. ولهذا يضع الإخوان تحت تصرف الجامعة العربية عشرة آلاف من خيرة شبابهم ككتيبة أولى في جيش الإنقاذ

وضع الشيخ البنا قضية فلسطين في بؤرة اهتمامه منذ وقت مبكر بعد تكوين الجماعة أواخر العشرينيات وانخرط بشكل مباشر هو وجماعته في مجرى النضال ضد الحركة الصهيونية وأطماعها أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى (۱۹۳۵ - ۱۹۳۹م)، وكانت وقائع الصراع ضد الصهيونية قد أوحت إلى الشيخ حسن البنا بفكرة تكوين جيش مسلح «النظام الخاص» أواخر الثلاثينيات استعدادًا للمواجهة.

وتأكدت الحاجة إلى هذا الجيش في ضوء الأنباء التي تواترت آنذاك عن تكوين عصابات صهيونية مسلحة ومدربة في بدايات الحرب العالمية الثانية، وما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى انفجرت قضية فلسطين على نطاق أوسع.

قضية فلسطين

كان الشيخ قد رسم نفسه خصمًا محاربًا للحركة الصهيونية، ومقاومًا لمشروعها السياسي لإقامة دولة في فلسطين ولو على شبر واحد وواظب على التحذير من هذا الخطر الصهيوني، وأكثر من كتابة المقالات الداعية لتعبئة الجهود لمواجهته، ووجه عددًا كبيرًا من الرسائل والبرقيات إلى القادة والزعماء الحكوميين والشعبيين وممثلي الدول الأجنبية والمنظمات الدولية «الجامعة العربية والأمم المتحدة»، وانخرط في عضوية كل الهيئات المناصرة لفلسطين وأشرف على كتائب الإخوان الذين تطوعوا للجهاد، ونجح في إرسالهم إلى فلسطين قبل شهرين تقريبًا من إعلان قيام الكيان الصهيوني في منتصف مايو سنة ١٩٤٨م.

قول وعمل

كان اقتران القول بالعمل عمومًا، وفي القضية الوطنية المصرية وقضية فلسطين خصوصا: هو ما وضع الشيخ والجماعة في دائرة الاستهداف من الدوائر الاستعمارية والصهيونية وإلا فإن كثيرين غيره وغير جماعته تحدثوا وأكثروا الحديث في معارضة المشروع الصهيوني دون أن يفعلوا شيئًا ذا بال، فلم يمسسهم أحد بسوء.

وبتتبع رسائل الشيخ وبرقياته ومقالاته ونداءاته التي نشرتها الصحف والمجلات بشأن فلسطين وحدها منذ منتصف الثلاثينيات، وجدناها تمشي في خط واحد مستقيم هو الاستعداد لمنازلة الصهيونية والاستماتة في مواجهتها، وتحريض الشعوب والحكومات العربية والإسلامية ضدها. والتنسيق مع الجامعة العربية في هذا الميدان والتنديد بالأمم المتحدة وبالحكومات الاستعمارية المساندة للصهيونية، وفي مقدمتها بريطانيا وأمريكا وفرنسا.

التزام أخلاقي

ولم يوفر البنا جهدًا في مخاطبة كل هذه الجهات، ولم يسكت عن التصريح بما ينوي فعله علنًا؛ في بساطة سياسية مفرطة والتزام أخلاقي صارم بصدق القول والعمل!! رغم أنه كان واعيًا تمامًا أن السياسيين الذين يخاطبهم يؤمنون فقط بالسياسة الميكافيلية التي لا موضع فيها للالتزام بالأخلاق النبيلة في مقابل المصالح السياسية والاقتصادية.

هنا سنذكر نماذج مختارة من برقياته ورسائله التي وجهها - فقط - إلى ممثلي الدول الاستعمارية ومسؤولي الأمم المتحدة بشأن فلسطين منذ نهاية الثلاثينيات إلى سنة ١٩٤٨م.

أما النصوص الكاملة والتفاصيل ذات الصلة بها التي وجهها لشخصيات وهيئات أخرى غير أجنبية فهي بنصوصها الكاملة في كتابنا «فلسطين في ملفات الإخوان المسلمين ۱۹۲۸ - ١٩٤٩م»، وتلك النصوص هي في مضمونها - كما سنرى - تدخل ضمن حيثيات اتخاذ قرار اغتياله من وجهة نظر خصومه الدوليين وحلفائهم المحليين:

أ- ندد الشيخ البنا بالاعتداءات التي ارتكبتها العصابات اليهودية ضد الفلسطينيين وأرسل برقية بتاريخ ١٨ يوليو ۱۹۳۸م إلى المندوب السامي البريطاني في القدس، أكد فيها أن الإخوان يعتبرون بريطانيا «هي المسؤولة الوحيدة عن هذه الفظائع بسبب تسليحها اليهود وتسامحها معهم، في الوقت الذي علقت فيه على أعواد المشانق عشرات العرب لأتفه الأسباب، فالمسلمون الذين استفزتهم جرائم اليهود المنكرة يطلبون منكم صيانة أرواح إخوانهم عرب فلسطين، أو أن تعلن بريطانيا عجزها عن ذلك ليقوموا هم بحماية إخوانهم المهددين». «برقية المرشد العام للمندوب السامي مجلة النذير، العدد - السنة الأولى - ۲۰ جمادى الأولى ١٣٥٧هـ».

قضية الإسلام

ب- قبل نهاية تلك السنة (۱۹۳۸م) اعترض الشيخ على تصريحات وزير المستعمرات البريطاني في مجلس العموم لأنه تجاهل الحاج أمين الحسيني، ولم يوجه إليه الدعوة لتمثيل فلسطين في مؤتمر سنة ۱۹۳۸م، وبعث في ٢٦ ديسمبر من تلك السنة مذكرة إلى السفير البريطاني في مصر، معلنًا فيها هذا الاعتراض، ومؤكدًا أن الإخوان ينظرون إلى قضية فلسطين على أنها قضية الإسلام والحرية وانتقد فيها «تحيز السياسة البريطانية للصهيونية وتحاملها على العرب»، وختمها بتحديد موقف الجماعة العملي الذي ستسير عليه فقال: «والإخوان المسلمون يقفون في المحنة القاسية التي تجتازها فلسطين إلى جانب إخوانهم عرب القطر المجاهد، فإن أنصفتهم الحكومة البريطانية فذاك، وإلا.. سيبذلون أرواحهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين عربيا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ونرجو أن ترفعوا هذه المذكرة إلى حكومتكم». «حسن البنا مجلة النذير - العدد ٣٠ - السنة الأولى - ٤ من ذي القعدة ١٣٥٧هـ».

ج- بادر الشيخ البنا بإعلان موقف صارم تجاه الولايات المتحدة، وتجاه الأمم المتحدة بشأن نواياها بتمكين الصهيونية من فلسطين وعشية صدور قرار التقسيم في نوفمبر ١٩٤٧م، أرسل برقية إلى كل من سكرتير عام الأمم المتحدة والجنرال «مارشال» وزير خارجية أمريكا، جاء فيها: «.. إن الاستجابة لمطامع الصهيونيين، وإقامة دولة يهودية في أي جزء من فلسطين سيحول الشرق جميعه إلى ميدان مجازر بشرية لا يتحمل مسؤوليتها إلا الذين ناصروا باطل الصهيونيين ضد حق العرب الصريح، وإن ديننا ليأمرنا بمقاومة هذا العدوان الاستعماري بكل ما لدينا من قوة.. وإن السبيل الوحيد إلى إقرار السلام في الشرق هو إعلان استقلال فلسطين، وانسحاب الجيوش البريطانية منها، وإقامة حكومة عربية ديمقراطية». «هذه الوثيقة البرقية منشورة في جريدة الإخوان اليومية العدد ٤٣٥ السنة الثانية - ١٧ من ذي القعدة ١٣٦٦هـ / ٢ من أكتوبر ١٩٤٧م».

جيش الإنقاذ

د- قبل أن يصدر قرار الأمم المتحدة في ١٩٤٧م بتقسيم فلسطين اجتمعت الجامعة العربية في بيروت للنظر في قضية فلسطين فأسرع الشيخ البنا بإرسال برقية تلغرافية إلى عبد الرحمن عزام باشا أمين عام الجامعة قال فيها: «بمناسبة انعقاد مجلس الجامعة الموقر لنظر قضية فلسطين الشقيقة، يرى الإخوان المسلمون أنه لا سبيل لإنقاذها إلا القوة ولهذا يضعون تحت تصرف الجامعة العربية عشرة آلاف من خيرة شبابهم المجاهدين ككتيبة أولى في جيش الإنقاذ للزحف العملي عند أول إشارة. هذه الوثيقة» «البرقية منشورة في جريدة الإخوان اليومية - العدد ٤٤٠ السنة الثانية - ٢٣ من ذي القعدة ١٣٦٦هـ / من أكتوبر ١٩٤٧م».

وبعد ثلاثة أيام من صدور قرار التقسيم في ٢٧ نوفمبر ١٩٤٧م، كتب في أول ديسمبر مسجلًا اعتراض الجماعة على ذلك القرار وحاثا الحكومات والشعوب العربية على نجدة فلسطين ومحرضًا إياها بقوله: «إن على الشعوب العربية والإسلامية أن تستعد وتتهيأ؛ فإن الدفاع عن فلسطين وإنقاذ عروبتها دفاع عن كل وطن عربي وإسلامي، فهي الخط الأول الذي إن فقدناه فقدنا كل ما بعده والضربة الأولى نصف المعركة». «بيان إلى الشعوب العربية جريدة الإخوان اليومية ١٨ محرم ١٣٦٧هـ / ١ ديسمبر ١٩٤٧م».

تنديد بالأمم المتحدة

ه- كان مسؤولو الأمم المتحدة يصرحون بتأييدهم للصهيونية، وأنهم حريصون على تنفيذ قرار التقسيم الذي أصدرته الجمعية العامة في نوفمبر ١٩٤٧م، وعندما صدر تصريح بهذا المعنى على لسان تريجفي لي السكرتير العام وجه الشيح البنا إليه برقية ندد فيها بتصريحاته المتحيزة للصهيونية، وقال له: «إصراركم على المجاهرة بالتحيز للصهيونية والعمل بكل وسيلة على إنفاذ مشروع التقسيم الظالم تجاوز لاختصاصكم، واستفزاز للعالم العربي والإسلامي، وإشعال لنار العداوة والبغضاء وتعريض السمعة العاملين بهيئة الأمم المتحدة لاتهام جارح وقرار هيئة الأمم غير ملزم ومن واجبكم السكوت والتزام الحياد التام». «هذه الوثيقة البرقية منشورة في جريدة الإخوان اليومية العدد ٥٥١- السنة الثانية - ربيع الآخر ١٣٦٧هـ / ١٦ فبراير ١٩٤٨م».

و- في بيان وجهه البنا للشعوب العربية والإسلامية ونشرته جريدة الإخوان اليومية يوم 9 مايو ١٩٤٨م، ناشدها بشأن فلسطين: « أيتها الشعوب العربية والإسلامية: إذا أثرت الحكومات القعود والتردد ولم يكفها ما فات فإن الهيئة التأسيسية تهيب بكل شعب عربي، وبكل أمة مسلمة أن تتخذ من جانبها هذه الخطوات:

1- إعلان استقلال فلسطين العربية وسيادتها، وإعلان الجهاد ضد الصهيونية واليهودية العالمية.

2- إنشاء قيادة عسكرية شعبية لتنظيم التطوع والتسليح وتحويل الحياة إلى جد وعمل وإيمان وجهاد وحقوق إنشاء هيئة شعبية اقتصادية لتنظيم مقاطعة اليهود المحليين مقاطعة شاملة.

3- إنشاء هيئة شعبية جامعة تضم كل الهيئات والأحزاب والطوائف لتنظيم حركة العصيان المدني إذا اعترضت الحكومات سبيل هذه الخطوات.. وحسب الإخوان أن يكونوا الطليعة الفادية المجاهدة. «جريدة الإخوان اليومية - العدد ٦٢١ - السنة ٣- ۳۰ جمادى الآخرة ١٣٦٧هـ / ٩ مايو ١٩٤٨م».

برقية إلى «ترومان»

ذ- بعد مضي 11 دقيقة فقط من إعلان قيام الكيان الصهيوني، بادرت الولايات المتحدة بالاعتراف بها يوم ١٥ مايو ١٩٤٨م، وفي اليوم نفسه أرسل الشيخ حسن البنا برقية إلى الرئيس الأمريكي ترومان انتقد فيها هذا الاعتراف بشدة، واعتبره حربًا على العالم العربي والإسلامي، واتهم «ترومان» بأن الموقف الأمريكي هذا ينتهك ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير، ونص برقية البنا إلى «ترومان» هو:

«الرئيس ترومان/ واشنطن:

 اعترافكم بالدولة الصهيونية إعلان حرب على العرب والعالم الإسلامي، وإن اتباعكم لهذه السياسة الخادعة الملتوية لهو انتهاك الميثاق الأمم المتحدة والحقوق الطبيعية للإنسان وحق تقرير المصير، وستؤدي حتما إلى إثارة عداء دائم نحو الشعب الأمريكي، كما ستعرض مصالحه الاقتصادية للخطر، وتودي بمكانته السياسية، فنحملكم المسؤولية أمام العالم والتاريخ والشعب الأمريكي» «حسن البنا». «هذه الوثيقة البرقية منشورة في جريدة الإخوان المسلمين اليومية العدد ٦٢٧ - السنة الثانية، رجب ١٣٦٧هـ / ١٦ مايو ١٩٤٨م».

ح- بعد ظهور ضعف الجيوش العربية التي دخلت حرب سنة ١٩٤٨م، بادر الشيخ حسن البنا في سبتمبر ١٩٤٨م - قبل حوالي شهرين فقط من قرار النقراشي باشا بحل الجماعة في 8 ديسمبر من تلك السنة بإرسال برقية هجومية شديدة اللهجة إلى سكرتير عام الأمم المتحدة أثناء انعقادها في باريس، جاء فيها: «جناب رئيس هيئة الأمم المتحدة «قصر شايور »/ باريس، أرجو أن تبلغوا حضرات أعضاء الهيئة المحترمين الذين يمثلون دول العالم المتحضر أن المؤامرة التي تدبر في الظلام بين اليهودية العالمية والحكومات الاستعمارية لن تثني الشعوب العربية والإسلامية قيد شعرة عن مواصلة جهادها المرير بكل الوسائل للقضاء على العصابات الصهيونية وإجلائها عن الأرض المباركة... وأن ما تسمعه الهيئة من المندوبين العرب من العبارات اللينة والكلمات المعسولة الطيبة لا يمثل الثورة المضطربة في صدور الشعوب العربية والأمم الإسلامية.. التي لن تهدأ حتى تنال حقها أو تفنى دونه». «هذه الوثيقة البرقية منشورة في جريدة الإخوان اليومية - العدد ۷۳۷ - السنة الثالثة - ۲۳ من ذي القعدة ١٣٦٧هـ / ٢٦ من سبتمبر ١٩٤٨م».

من يقرأ تلك البرقيات والرسائل سيعرف أن الشيخ البنا كان يكتب حيثيات اغتياله بنفسه، وأنه كان يمارس السياسة بأخلاقية مفرطة، ولكن السؤال هو: هل كان بوسعه أن يفعل غير ما فعل؟ أو هل كان له أن يكون ميكافيليًا ولو لبعض الوقت كي يكف الأذى عن نفسه، ويفسح الطريق لتحقيق أهداف جماعته؟ أم إنه أثر الالتزام بأشرف الوسائل للوصول إلى أنبل الغايات؟

(يتبع)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4365

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين