العنوان المجتمع الثقافي (1367)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
مشاهدات 82
نشر في العدد 1367
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
«المجتمع» في حوار مع شاعر إسلامي شاب
الأديب المسلم لابد أن يكون متأملًا ومعتبرًا بالأحداث والحياة والكون
القاهرة: محمود خليل
- أوضاع المسلمين والإسلام تؤلمني كثيــرًا
- من كانوا في مثل سني من الصحابة الكرام فتحوا الدنيا وحملوا نور الله للعالمين
حوارنا اليوم قد يكون غريبًا بعض الشيء، وذلك لأنه ليس حوارًا مع أديب إسلامي كبير، أو مفكر مشهور، أو رائد من الإعلام.. إنه حوار مع «أصغر» شاعر إسلامي في مصر.. طرأ اسمه على الساحة الأدبية مؤخرًا بصدور ديوانه الأول «أناشيد الفارس الصغير».. الذي صدر عن »«آفاق أدبية.. هذه السلسلة الذي يشرف عليها الشاعر الإسلامي وحيد الدهشان، الفارس الصغير هو عبد الله عويس.. من مواليد عام 1983م... وهو طالب بالصف الثاني الثانوي الأزهري.. بدأ إبداع الشعر عام 1995م.. ومما يلفت النظر إلى إبداعه.. رصانة العبارة وعمق الموهبة، وارتفاع المستوى لغة وبيانًا وتصويرًا.. إضافة إلى أنه شاب مسلم التربية والتكوين والخيال والموهبة.. ولعلها المرة الأولى التي تقدم فيها «المجتمع» الغراء أديبًا مسلمًا في مثل هذا العمر، وفي حجم هذه الموهبة.
- متى بدأت كتابة الشعر؟
- في عام 1995م، وقد بدأت بقصيدة «خواطر إيمانية»، التي أقول فيها:
وحين علـــمت أن الموت آت
وباب القبر حتمي الدخول
قد استحييت من ربي يراني
أكون مجافيًا نهج الرسول
- يغلب على شعرك التأمل والنظر الفلسفي للأمور وهذه الآفاق ربما تبدو فوق سنك بكثير؟
- المسلم لا بد له أن يتأمل في كل شيء، وأن يعتبر بكل شيء، بالمخلوقات والأحداث، أقدار الله عز وجل، والقرآن الكريم.. كتاب الله الخالد عبارة عن دعوة للتأمل والتفكر والاعتبار ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).. لذلك، فإن مسألة التأمل والفلسفة ليست بغريبة عن المسلم العادي.. أما إذا كان المسلم مبدعًا.. بمعنى أن الله قد وهبه شيئًا من التعبير وحسن القول عن الناس والأشياء وما يجري في الكون من أحداث.. فماذا يكون إذن؟ أضف إلى ذلك أن والدي جزاه الله خيرًا.. قد ربانا جميعًا على أن يكون للإنسان رأي منذ الصغر، كل هذا جعل مسألة التأمل في الأشياء والأحداث وما وراءها شيئًا واجبًا ولازمًا.. ومن هنا فإنها تجري على اللسان والقلب والقلم بصورة عادية جدًا.
- وما أهم ما يلفت نظرك كشاعر مبتدئ في هذا الكون الصاخب، ويسيطر على فكرك وخيالك بحيث يكون مادة لإبداعك؟
- أهم ما يسيطر عليَّ كمسلم في هذا الزمان أحوال المسلمين المتردية المبكية، فدماء المسلمين أرخص دماء في كل مكان على ظهر الأرض.. في فلسطين والبوسنة وكشمير وكوسوفا وأواسط إفريقيا، حتى في داخل بعض الشعوب الإسلامية تجد الظلم والاضطهاد والجبروت والقسوة.. لماذا؟ لست أدري؟ ولمصلحة من؟ اللهم إلا إذا كان هذا شيئًا يفعله الأعداء رغمًا عنا.
لهذا فإن هذه الأوضاع كثيرًا ما تؤلمني وتؤلم كل حر.. والأكثر إيلامًا أن هذه الأمة.. عزها بين أيديها في كتاب ربها.. الذي يقود من جعله أمامه إلى الجنة، ويسوق من جعله خلفه إلى النار.. ولهذا قلت:
قالوا: وما القرآن قل هو منهج
للخير والأمجاد والنصر المبين
بعث النبي به وجاء معلمًا
لينير دربًا مظلمًا للسالكين
لو أن جهالًا أقاموا شرعه
صاروا على كل البرايا سابقين
ومضى بهم نحو العلوم بنوره
وغدوا هنالك في عداد العالمين
وعليهم سيفيض من بركاته
حتى يكونوا للمدائن فاتحين
فلتجعلي القرآن فينا منهجًا
يا أمتي لنعيد مجد السابقين
یا رب حقق دعوة ما قلتها
إلا سمعت الكائنات مؤمنين
- الملاحظ أيضًا أن قصائد هذا الديوان الباكورة تدور مع أحوال الإسلام والمسلمين.. وكان المتوقع ممن هو في مثل سنك أن تكون أشعاره أهازيج وأغاريد.. وإبداعًا طفوليًا بريئًا بعيدًا عن هذه الموضوعات الكبيرة.. فهل جاء هذا عن عمد أم فيه شيء من التقليد، أم أنك تريد أن تطاول عمرك وتسبقه؟
- طالما دخل المسلم في سن التكليف.. فهو كالكبار تمامًا.. طالما أصبح مكلفًا مثلهم.. وأنا طالب بالصف الثاني الثانوي الأزهري.. وبيتنا والحمد لله تعالى من بيوت الدعوة.. ونحن نعيش جو الدعوة في كل شيء.. في المعهد الأزهري والمسجد والبيت والأصدقاء والأصهار والأقارب.. وقد كان في مثل سني من المسلمين الأوائل من ترك لنا أعمالًا جليلة وهم في مثل هذه السن حين فتحوا الدنيا وحملوا نور الله للعالمين من أمثال الصحابة الكرام أسامة بن زيد، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم كثير.
أما عن التقليد.. فأنا فعلًا أحاول أن أقلد الشعراء الإسلاميين الكبار.. ليس فيما يقولونه.. ولكن فيما يكتبون عنه.. ولا أنكر أن المهندس الشاعر وحيد الدهشان علمني الكثير من عروض الشعر وأوزانه.. وأتمنى من الله عز وجل أن تكون حياتي كلها للإسلام في القول والعمل ولهذا قلت في رد هذا الجميل للشاعر وحيد الدهشان:
ما كل ما نطق اللسان بياني
لكن ربي فضله أعطاني
إن كنت في صنع القصائد حاذقًا
فالفضل بعد الله للدهشان
يا بائع الأقصى
- ميدان المسلمين الآن «المسجد الأقصى» أرض المحشر والمنشر.. ماذا قلتم فيه؟
- لقد قلت العديد من القصائد في المسجد الأقصى.. والمجاهدين من حوله.. والسماسرة الذين يحيطون به، وأحفاد القردة والخنازير الذين يعملون على هدمه والله من ورائهم محيط.. ومن ذلك قصيدة «يا بائع الأقصى» وهي قصيدة طويلة منها:
يا أيها الكلب تحمي اللص لا الدارا
تسعى بمسرى رسول الله سمسارا
زعمت حرًا، برغم الذل وا أسفًا
وقيل شهم، وليس الشهم غدارا
أوليت صحبك شرًا بعد صحبتهم
جزيت قومك ما جازوا سنمارا
يا تارك السيف خوف الحتف لا بقيت
يداك تفسد في صرح لينهارا
يا سائق العذر ما للوزر معذرة
وكم يسوق ذوو الأعذار أعذارا
قالوا: زعيمًا لفتح، قلت: ذا صنعة
يقود في الأرض أذنابًا وأصفارًا
إن الألى ترتضى حقًا زعامتهم
قوم يسيرون رغم القيد أحرارًا
من يقذفون بنار الموت حامية
فيقذفون لرد الظلم أحجارًا
لا يرهبون وعين الله ما طرفت
وكيف يرهب جند الله أقذارًا؟
هؤلاء أساتذتي
- ولمن تحب أن تقرأ من الشعراء، والمفكرين والأدباء والكتاب؟
- أحب قراء القصص الإسلامي المجيد، وما يكتب عن حياة المجاهدين والفاتحين من الصحابة الكرام، وأحب قراءة القرآن والسيرة النبوية، وأحب من الأدباء الإسلاميين على أحمد باكثير، ونجيب الكيلاني، ومحمود حسن إسماعيل، ومحمود مفلح، والدكتور يوسف القرضاوي، والشهيد سيد قطب، كما أحب أن أقرأ للشعراء الإسلاميين الجدد وهم كثر والحمد لله.. وأحب أن أقرأ للدكتور فتحي يكن والأستاذ أنور الجندي والأستاذ محمد قطب.. وكل ما يقع تحت يدي من كتب إسلامية.. كما أحب سماع خطب الشيخ كشك - رحمه الله - والدكتور جمال عبد الهادي وغيرهما من الدعاة... وقد قلت في الشيخ كشك رحمه الله بعد رحيله.. تحت عنوان «رحيل النور»
ولی سراج منه شع النور
فاستقبلته على القبور الحور
إن كانت الدنيا استحالت ظلمة
فقد استضات بالضياء قبور
إن كان قد ترك المنابر مكرهًا
فله هنالك في الخلود بشير
واحة الشعر
ربَّاه
شعر: د. حمدي حسن
رباه أين المعتصم
رباه أين الأسد تغضب للعقيدة تستعد وتنتقم
الليل جن ظلامه
السجن زاد غرامه
الليل ليس بمنصرم
رباه أين المعتصم
رباه أين المسلمون
رباه أين السائحون العابدون الراكعون
الذائدون عن الكرامة بالحياة وبالوتين
الرافعون لواء دين الله فوق مبادئ
الطين اللعين
رباه هل ماتوا وهل صاروا سرابًا بعد عين
رباه أين المسلمون
رباه ما عاد الزبانية الصغار يُحرشون
بنا الكلاب
رباه قد كلوا من التشويه والتمثيل
من طعن الحراب
فاليوم قد جلبوا من الآفاق للأوطان
آلات العذاب
يلج المعذب فوهة الترويع من جنب
ويخرج كالهباب
فمسننات القتل تعمل فيه تمزيقًا
كأوراق الكتاب
ويدور دولاب العذاب على عباد الله
کالأعمى ومعظمهم شباب
وتقض أسنان الردى أحشاءهم - ويحي -
وتخترق الإهاب.
والساجن المفصوم يسكر بالأنين
ويضغط الأزرار للمسجون رقم الألف
كي يرد العذاب.
رباه ما جاؤوا بتقنية
العلوم لرد غول الجوع
والمرض المريع
والشعب في الصعدات أتقن
عزف لحن الخبز لا لحن الربيع
صار الرغيف الحق أمنية
وحلمًا دونه الذل الشنيع
صار الدواء اليوم كالأفيون ليس
الصيدلي له بلاق كي يبيع
وغدا حليب الطفل
«والنيدو» عنيدًا للدراهم لا يطيع
والثدي في الأبقار جف - وفي ضروع الأم
جف ولم تجف عيون أم في رثاء ابن رضيع
رباه قلت ادعوا دعونا في تلافيف
الغسق
والعين غرقى واللسان يضج والقلب احترق
ورسائل الغفران تتلى في كتاتيب الأرق
والماء يعلو في السفينة والسفينة ترتشق
وعباب بحر الظلم يلطمها بأذرعه!!
تصارع من غرق
رباه هل لاح الفلق
رباه هل لاح الفلق
رباه إن ما كنت راض لا نبالي بالغرق
فاحرس سفينتنا بعينك إن قرصان
العقيدة قد خرق
دل الربابنة الدعاة على الثقوب
فبالخطايا نسترق
وارزقهم العود الجميل إلى شواطئ
نصرك الحاني ونصرك يرتزق
إن لم نصل بجهودنا فبحبك القلب خفق
فارتق عيوب نفوسنا يا خير من نفسًا رتق
واغفر وجابر ضعفنا وقنا شرور المنزلق.
رباه يا رب الفلق
ثنائية الموت والحياة في «أحرف دامعة»
بقلم: الدكتور حلمي محمد القاعود (*)
- الشاعر يستخدم الإيجاز بالحذف لأنه لا يريد أن يبوح بالمحذوف خوفًا عليه أو تأثرًا به أو لأن القارئ يشاركه معرفته به
وإذا كان معجم الموت ومعجم الصوفية أمرين طبيعيين في موضوع مثل الرثاء، فإن الشاعر يستعير معجم اللهجة العامية المصرية والتراث الشعبي المصري، ليعطي صياغته تميزًا خاصًا يربطها بواقع الحياة اليومية الاجتماعية للمصريين، وهو في هذا المعجم لا يأخذه كما هو، بل يحاول تفصيحه ليفهمه من يعجز عن فهم العامية المصرية، وفي الوقت ذاته، يُبقي على روح الدلالة الشعبية للفظة أو التركيب على تفاوت بين موضع وآخر تأمل مثلًا تركيب «يدخل دنيا»، بمعنى يتزوج أو يقترن بعروسه: أخرجته لقضائه
هذا أوان فنائه
قد كاد «يدخل دنيا»
يميس في أضوائه
فأدخل القبر غضًا
لما يزل في روائه
وما ارتدى ثوب عرس
لكن ثياب ثوائه
«ص 5»
على هذا النسق يستخدم الشاعر مفردات وتراكيب الشقة، العفش، العرسان، المرحوم، يضحك طوب الأرض، النكتة، العمل بمعنى السحر، النسايب «بمعنى الأصهار»، أنا مخنوق «بمعنى حزين للغاية أو ممتلئ حزنا»، الجهاز، جدو «بمعنى الجد»، القشر، اللب، الموت بحسرة، أثقلت العيار «بمعنى الإكثار» العفريت «بمعنى الشقاوة»، العفريت «بمعنى صورة القتيل في الليل»، الذباب يحط على الوجه، شربات الجيران «تعبيرًا عن الفرح والشماتة»، عمر الشقي بقي، يعمل من الحبة قبة، آه يا حبة عيني، يتزوج بنت حلال، يفتح بيتًا، أخذ عشرين غرزة، يرحل قبل العيد القادم يا جدعان، شغل الأسطى لأخته، هذا وقته، العفريت النفريت في القفش والتنكيت.
ولا ريب أن هذه الألفاظ وتلك التراكيب، تعطي إحساسًا بعمق المعنى الذي يعالجه الشاعر، فضلًا عن الخصوصية التي يسبغها على الصياغة، ولا ريب أيضًا أنها تتحول إلى جزء من النسيج الشعري المحكم على العكس من المقطوعات العامية أو الزجلية الخالصة التي تضمنها الديوان، فقد كنت آمل ألا تدخل بين مقطوعاته، وقد أشار الشاعر في تذييله للديوان إلى ذلك، وعلل تضمينه لها بأنها فيض مشاعره الوفاق الذي جعله يسجل كل ما قاله، وكل ما صدر عنه حول فراق ولده، إن المقطوعات الزجلية الثلاث لها قيمة في ذاتها منفصلة عن الديوان ولكنها تمثل نشازًا داخله، يقول في المقطوعة الأولى:
كان الولد من شقاوته
خلانا نتمنى موته
ولما خلصت حكايتــــــــــــــه
من كلمته أو سكوته
بكيته بالدم.. قلنا
ياريته عايش يا ريته
«ص 7»
ويلاحظ أن الصياغة العامية هنا، وفي المقطوعتين الأخريين تقترب من الفصحى، ولو أن الشاعر آثر نظمها بالفصحى - مع بعض التجوز - لانسابت الأبيات في سياقها الشعري الطبيعي.
وهناك ظاهرة واضحة ترتبط بما سبق «المعجم والصياغة» وهي ظاهرة الإيجاز بالحذف، وتبدو شائعة في العديد من المقطوعات، وكأن الشاعر لا يريد أن يبوح بالمحذوف خوفًا عليه أو تأثرًا به أو لأن القارئ في تصوره يشاركه معرفته به، وتكثر الظاهرة في حالة احتدام العاطفة، وصخب الحزن على الراحل، ولا شك أن الحذف يشد القارئ ويوقظه تمامًا لما يريد أن يقوله الشاعر، ويحرضه على الدخول إلى عالمه لاكتشافه ومتابعته:
«شبيهك؟.. لا إنه أنت ثانية يا بنيا
فسبحان من أرجع الميت حيا
صفاتك.. كل الملامح.. حتى التشيطن «والعفرتة»
مدونة مثبتة
كأن.. لا كأن..
أكاد أجن
فلولا احتفاري قبرك هذا
بكفي هاتين.. لولا احتمالي جثمانك الـ..
أناشدك الله.. ولا تغربن يا شبيـ.. يا وليدي
«ص 161 – 162»
عندما رأى الشاعر شبيهًا لولده لم يصدق نفسه، لقد حفر قبره بيديه، وحمل جثمانه، ووضعه فيه، وهنا يصاب الشاعر بالهلع ويكاد يجن ولكن إيمانه يرده «فسبحان من أرجع الميت حيا».
الحذف يبدأ مع أول كلمة في المقطوعة «شبيهك»؟ فحذف المبتدأ للعلم به، ولقرب الراحل الذي يتحدث إليه ويعيش معه منذ دفنه.. ثم تأمل الحذف مع «كأن... لا كأن...» حيث حذف الخبر ومع «جثمانك الـ....» حذف الوصف بعد أداة التعريف، ثم يأخذ الحذف نمطًا آخر: «لا تغرين يا شبيـ....» حيث حذف الهاء من شبيه مع المضاف إليه، وهو ولدي أو وليدي التي يفصح عنها في الشطرة التالية.
ولا شك أن الإيجاز مع الحذف الذي يتكرر في أكثر من موضع على امتداد الديوان يكشف عن عمق الانفعالات واصطحاب الأسى في وجدان الشاعر ونفسه، مما جعله يوجز كلماته، وكأنها لا تريد أن تخرج من فمه، مع ثقته أن القارئ يعلمها ويدركها جيدًا.
الصورة الجزئية
يمكن القول إن الشاعر في تصويره لمأساته أو فقد ولده، يحتذي خطى القدماء بالاعتماد على الصورة الجزئية في معظم الديوان، وإن كان يحاول أن يستخدم الدراما: قصة وحوارًا والتفاتًا على أساس أن الالتفات نوع من الحوار، أو نعده كذلك.
والصورة الجزئية لدى «محجوب موسى» تقدم على التشبيه أو الاستعارة أو ما يمكن تسميته بالصورة الموسيقية انطلاقًا من البديع، أو الزخرفة البديعية.. تأمل هذه الصورة أو هاتين الصورتين المتقابلتين:
«أتخيله قفصًا من عظم
وأنا قفص يتململ فيه الدم»
«ص 138»
وتأمل هذه الصور المتتابعة، وهي مألوفة في شعرنا القديم والحديث:
«فأنا من بعدك مصباح فقد الزيتا
وحقول دون سنابلها
ويد من غير أناملها
وشريد لا أهلون ولا أوطان
وقم من غير لسان....»
«ص 183»
وقد تتسع الصورة الجزئية لتقترب من القصة في تقديم صورة شعبية كلية تعتمد على السرد، وحسن التقسيم الذي يذكرنا ببعض أبيات الخنساء في رثاء أخيها صخر، كما نرى في الأبيات التالية التي يتناول فيها شغب الفقيد وعراكه مع أهل الحي:
شغوب.. أجل ليس في حينا
شغوب يماثله في الشغب
يشاغب حتى الذباب الذي
يحط على وجهه.. في صخب
ويجري العراك على ظله
ولو لم تكن علة أو سبب
كثير الصياح كثير الشجار
كثير السباب كثير الغضب
إذا لاح.. كل فم يستعيذ
ففي لمحة سيشب اللهب
ويدعو عليه وأدعو أنا
لنخلص ممن يسيء الأدب
«ص 136»
وتأخذ القصة شكلًا أكثر حضورًا وفنية حين يحكي قصة حفيده وهو يضحكه حتى تدمع عيناه فتسأله زوجه عن سر الضحك والبكاء في وقت واحد، وهو يأخذ الحفيد في حضنه «وأنا أبكي ضحكًا، وأقهقه إجهاشًا»، وهنا يستشعر أنه سيموت لو مات هذا الحفيد فيبكي، وفي الوقت ذاته يسمع الحفيد يصرخ فيه لأن أضلاعه ستتكسر فيرخى الحضن ويضحك.
إن القصة المنظومة هنا لقطة إنسانية رائعة، تكشف عن عمق العلاقة التي تربط بين الأب والابن بصفة عامة والأب والحفيد بصفة خاصة، ويكشف في الوقت ذاته عن سر هذا الحزن الشامل الذي فرض نفسه على الشاعر المكلوم بسبب فقد ولده.... «انظر ص 66».
وجدان الشاعر
أما الحوار فيتكرر في العديد من المقطوعات التي تعيد صورة الفقيد إلى وجدان الشاعر، أو يراها في شبيه له، فيجري معه الحوار متضمنًا رغباته وعواطفه وأحاسيسه.. فعندما يلتقي شبيه ابنه يظن أن وليده قد عاد حيًا، وفي لقطات الحوار المؤثرة التي يحاول الشبيه أن يقنع الأب المفجوع أنه شخص آخر، ولكن قرائن المشابهة تحدث التباسًا وارتباكًا، نرى من خلاله مشاعر الأبوة الدفاقة التي تعبر عن نفسها في الإصرار على رؤية الابن الغائب في الشبيه الحاضر، ولا تتضح الحقيقة إلا بعد طول حوار.
إن الشاعر يطوع شعره لحوار درامي يقدم من خلاله مشهدًا قصصيًا مؤثرًا بين الأب والشبيه، مما يخرج بغنائية الشعر المكرورة إلى موضوعية ملحمية أو مسرحية تقدم فكرة تشد القارئ وتشحذ ذهنه للتأمل حول الموت وتداعياته من خلال التشابه بين الغائب والحاضر:
إن سميي الذي قد رحلا
أشبهه.. يشبهني تمامًا
كأنه في جلدتي قد بخلا
كتوأمين أفرغا في قالب لذلك
ظننتني وليدك المرحوم والحق معك....»
«ص 99»
ويلاحظ أن توأمين مثنى توأم، والتوأم اثنان، والخطأ شائع.
ويدخل تحت الحوار، ما يسمى في البلاغة العربية بالالتفات، وهو تحول الضمائر في الخطاب، والالتفات ظاهرة واضحة في الديوان، وينتقل الشاعر من ضمير المتكلم الذي يحكي عن نفسه وما أصابها إلى ضمير الغائب الذي يتناول الفقيد وأفعاله وسلوكه وصفاته، إلى ضمير المخاطب حيث يخاطب الأب الثاكل ابنه الفقيد ويتحدث إليه كأنه حي قائم أمامه، ويخاطب الابن أباه من العالم الآخر ليصلي من أجله أو يصوم أو يدعو له.. ونحو ذلك.
وظاهرة تحريك الضمائر تجعل البناء الدرامي للقصائد حيًا وديناميكيًا، ولعله لهذا السبب، فإن الديوان نجا من هيمنة الرتابة أو السكونية التي تتصف بها مجموعات أخرى لشعراء آخرين، وجاء موارًا وحادًا وحارًا وصارخًا وراجيًا ومستعطفاً ومستسلمًا وصاخبًا ومتمردًا.
يعد «محجوب موسى» من أكثر الشعراء المعاصرين.. إن لم يكن أكثرهم بالفعل.. وعيًا بموسيقى الشعر بحورًا وقافية، وقد تعلم على يديه عدد كبير من شعراء الإسكندرية هذه الموسيقى، وله في هذا الباب أكثر من مؤلف منشور حاول فيه أن يعمل على تقريب الشعر وزنًا وقافية للشعراء الشبان، لذا فإن موسيقى «أحرف دامعة» تتدفق في سلاسة، يطوع لها الألفاظ والتراكيب التي تبدو صعبة، ويشعر قارئ ديوانه بانسياب الموسيقى دون معاظلة أو نشاز على مستوى اللفظة والتركيب والجملة والعبارة والبيت والمقطع والقصيدة.. وقد أتاح له تمكنه الموسيقي اللعب بها على امتداد الديوان، فرأينا المقاطع العمودية والمقاطع التفعيلية ثم رأينا تنوعًا في القافية ينتظم المقاطع العمودية والتفعيلية على السواء، وإن كانت المقاطع العمودية قد توحدت قافيتها غالبًا.
مزاج اللحظة
ومع التمكن الموسيقى في «أحرف دامعة»، إلا أن بعض المقاطع سادتها النثرية، ولعل ذلك يرجع إلى تقلب مزاج الشاعر في محنته، فتارة يبدو مشتعلًا بالألم والحزن، وتارة يبدو باردًا مستسلمًا للواقع والمنطق، ولنا أن نتأمل المقطوعة السابعة عشرة، لنجد فيها نظمًا عقلانيًا نثريًا جافًا يقول فيه:
«هو داخل فيمن عليها
وله نهاية ما لديها
والحي جل جلاله الباقي ولا أحد سواه
فعلام تحزننا أجل حقيقة صنعت يداه؟
والكل متفق عليها
المؤمنون، الكافرون، الملحدون، المارقون
ما منهمو فرد يماري في ملاقاة المنون
القلب يحزن والعيون تفيض لكن لا نقول
ما يغضب الرحمن هذا ما يقول به الرسول
وبه اقتداء المؤمنين الحامدين الشاكرين
الصابرين القائلين:
لله حق الأخذ مثل عطائه
ولنا الرضا بقضائه وبلائه.....»
«ص 14»
ثمة ظاهرة أخرى في الموسيقى الشعرية لدى «محجوب موسى» في ديوان «أحرف دامعة» وهي المعارضة، فقد عارض قصيدتين لأبي ذؤيب الهذلي وأحمد شوقي، والقصيدتان ذائعتان، وأولاهما عينية أبي ذؤيب التي يأخذ منها بيته المشهور:
وتجلدي للشامتين أريهمو
أنى لريب الدهر لا أتضعضع
ويفتتح محجوب موسى مقطوعته «14» بهذا البيت ويستبدل كلمة أتزعزع بأتضعضع، ثم يثني
ببقية الأبيات على النحو التالي:
وتجلدي للشامتين أريهمو
أني لريب الدهر لا أتزعزع
والقلب يذبحه العذاب وناره
نار تغذيها الحشا والأضلع
والعين تبسم قشرة من تحتها
كم تستجاش وتستشار الأدمع
آه من الحزن الكتوم فإنه
كالموت لا فالموت حان طيع
هو راحة للمتعبين ومهرب
لأخي الأسى وبه يقر الموجع
إلخ.. «ص 11»
لقد نظم أبو ذؤيب قصيدته في أبنائه الذين فقدهم وهي أقرب مناسبة لشعر محجوب ومصابه فعايشها، وأخذ منها الجانب الخاص بالشامتين وهو جانب يلح عليه محجوب في أكثر من موضع، والشامتون لا وجود لهم في حقيقة الأمر، حيث ذكر في مكان آخر أنهم لم يعبروا عن شماتتهم المتوقعة، ولم يوزعوا شربات الفرح ابتهاجًا بمقتل ولده موسى، الذي كان يسبب لهم مشكلات عديدة «انظر ص 137».
القصيدة الأخرى التي عارضها محجوب، هي قصيدة «نكبة دمشق» لأحمد شوقي، والنكبة في دمشق مناسبة لنكبة الشاعر في ولده، ومطلعها:
سلام من صبا بردى أرق
ودمع لا يكفكف يا دمشق
ويستعير محجوب من هذه القصيدة البيت الشهير:
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مـــــــــرجـــة يُدق
ويبني عليه مقطوعته «11» حيث يقول:
وللموتى حضور مستبد
ووجدان رحيب لا يحد
وهيمنة علينا دون قيد
إذا ما أومأت فالكل عبد
وما كانوا وهم نبض شروقًا
فكانوه لدن أن شق لحد
... إلخ «ص 9»
ولا ريب أن هناك فارقًا في الصياغة والمعاني بين الشاعر القديم أبي ذؤيب الهذلي والشاعر الحديث أحمد شوقي من جهة، والشاعر المعاصر «محجوب موسى»، فإن كانت القصيدتان الأوليان تتسمان بالجزالة والفخامة، فإن قصيدة محجوب أقرب إلى السلاسة والسهولة.. فضلًا عن الفارق الموضوعي. إن محجوب موسى شاعر كبير حقًا، وقد فجر مصابه شاعريته على نحو أكثر توهجًا، فأبدع ديوانًا فريدًا في الرثاء المعاصر، يزاوج بين الشعر العمودي والشعر التفعيلي، ويستفيد في الوقت نفسه بمعطيات التراث الشعبي أو الدراما والموسيقى، فيقدم لنا عملًا إبداعيًا جديرًا بالتقدير والاحترام.
(*) أستاذ النقد الأدبي جامعة طنطا. مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل