العنوان العلمانية في الصيام
الكاتب عبد الرحمن سعد
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1999
مشاهدات 61
نشر في العدد 1333
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 05-يناير-1999
من مظاهرها:
اعتبار الصيام عادة لا عبادة، الحرص على الصيام دون الصلاة، عدم حفظ الجوارح، التخمة والمجون ليلًا، تبرج الصائمات.
على المسلم أن يجتهد في تحصيل التقوى بحيث تنعكس على حياته كلها بدءًا بجوارحه وانتهاء بسلوكه.
يراقب المسلم الله -سبحانه وتعالى- في أحواله كلها في سره وعلانيته وكلامه وفكره، وعبادته وشغله، قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الأنعام: 162-163)، فكل حركة من حركات المسلم يجب أن تكون موجهة إلى الله حتى تلك التي تبدو بعيدة في علاقتها بالعبادة، وعندما يحرز المرء التقوى، يكون قد حصل غاية العبادة، ونظام الحياة، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران: 102).
فالمسلم مطالب بأن يتقي الله حق التقوى، ولا شك في أن العبادات من الوسائل المعينة على ذلك، فالصيام -مثلًا- ليس المقصود منه حرمان المرء من الطعام والشراب والجماع، بل مقصوده تحصيل التقوى التي هي ترجمة عملية لسلوك المسلم الصادق مع ربه، أما الفصل بين العبادة والثمرة، فهذا مما يجعل دين المرء مزقًا وأشلاء، بل هذا هو عين العلمانية، فماذا يتبقى للمرء من ثواب عندما يجعل لحظات العبادة محدودة لله؟ بينما حياته كلها بعد ذلك -خارج إطار هذه العبادة- تجري على غير هدى من الله، على الرغم من أننا لا بد أن «نؤسلم» حياتنا، بمعنى أن نجعلها «خالصة» له وحده.
الواقع أننا ابتلينا في الآونة الأخيرة بمجموعة من الآفات التي تحتوش الصيام، مما يكاد يذهب بثوابه، ويودي بتأثيره، ويضعف دوره في تقويم السلوك وتهذيب الوجدان، والسمو بالروح والحياة جميعًا.
ذلك أن هذا السلوك إلى تجزيء الصيام، أو التعامل معه على أنه شيء قائم بذاته، وليس في إطار منظومة متكاملة للعبودية- يمثل الصيام جزءًا أساسيًا فيها، وهذا هو «علمنة الصيام» أو هو المفهوم العلماني للتعامل مع العبادات أو الإسلام باعتماد النظرة الجزئية دون الكلية له،
أما مظاهر علمنة الصيام، فمنها -فيما أرى- ما يلي:
أولًا- التعامل مع الصيام على أنه عادة لا تستلزم تجديد النية لها: الكثيرون يبدءون صيام هذا الشهر باعتباره عملًا روتينيًا، لا يقتضي تصحيح النية فيه، ولا تجديدًا للعهد عليه، مع أن النية أساس العمل، ومعيار القبول، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (أخرجه البخاري ومسلم).
وقد اشترط العلماء -لصحة الصيام- تبييت النية المؤكدة من أول رمضان عليه، علمًا بأن النية هي: الإرادة القلبية المتوجهة نحو الفعل، كما عرفها الشيخ سيد سابق في كتابه: «فقه السنة».
ثانيًا- الحفاظ على الصيام مع إضاعة الصلاة:
الصلاة هي عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، فإضاعتها إضاعة للدين برمته، والصلاة «آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ لذا تجب مراعاتها بالمحافظة عليها، والقيام بأركانها، وواجباتها، وشروطها، فيؤديها المسلم في أوقاتها مع الجماعة في المسجد، وذلك من التقوى التي من أجلها شرع الصيام، وفرض على الأمة» (1).
ومن هنا كانت إضاعة الصلاة عملًا منافيًا للتقوى، وموجبًا للعقوبة، قال -تعالى-: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (سورة مريم: 59-60)، وقال -تعالى-: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (سورة البقرة: ۲۳۸)، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (سورة النساء: ۱۰۳)؛ أي أن أداءها مفروض في وقتها، ولا يجوز تأخيرها، فما بالنا بإضاعتها، أو تركها جحودًا لفرضيتها؟
وهذا الذي يترك الصلاة على الإطلاق، أو يحافظ عليها في أيام الجمع أو الأعياد فقط أو في أوقات دون أوقات -مع حرصه على الصيام- يتجاهل أن رب الصيام هو رب الصلاة، وأن الإله الذي فرض الصيام هو نفسه الإله الذي فرض الصلاة، بل إن الصلاة سابقة على الصيام، وهي أهم ركن بعد الشهادة في الإسلام، ومن تركها ملعون مطرود من رحمة الله، قال -تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (سورة النساء: 124-143)، ثم يخبرنا الحق بمصيرهم فيقول -جل جلاله-: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (سورة النساء: 145).
إن المسلم السوي يؤدي جميع الفرائض التي افترضها الله -سبحانه وتعالى- عليه دون انتقاص من إحداها، أو إهمال لها، حتى يصل إلى تمام الرضا والرحمة من الله، ويكون ثوابه وأجره أعظم وأوفر ممن يؤدي بعضها، بينما يهمل بعضها الآخر، وحتى تتوثق صلته بالله، وتتعمق فيكون عبدًا خالصًا لله، يستحق حفظه ونصرته، لا أن يحصل ثوابًا في ناحية، ويترتب عليه عقاب من ناحية أخرى.
وعمومًا -من الناحية الفقهية- «فمن صام ولم يصل، سقط عنه فرض الصوم، ولا يعاقبه الله عليه إلا أن عليه وزر ترك الصلاة» (2)، وهو وزر عظيم، فكفى بإضاعة الصلاة من جرم، وبدهي أن الصائم الذي يؤدي الصلاة مع الصيام يجني ثوابًا أكبر ومعية أوثق مع الله، من ذلك الذي يصوم ولا يصلي، فالأول أحسن صلته بالله، والثاني ليس له ثواب سوى ثواب الفريضة التي أداها دون أن يكون له ثواب آخر.
ثالثًا- عدم حفظ الجوارح:
من كان يظن أن صومه يكمل بحرمان نفسه حظها من الطعام والشراب، والجماع فقط، فقد فسد ظنه، وساء فهمه لحقيقة الصيام؛ ذلك أن له آدابًا لا يتم إلا بها، ولا ينهض إلا عليها، كما أن الصائم مأمور بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي والمنهيات، وذلك فضلًا عن المحرمات، قال رسول الله: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري)، فالصيام يؤدب المرء، ويحمله على مكارم الفعال والأقوال، وكلما هم بمعصية أو مخالفة تذكر أنه صائم، فامتنع عن ذلك، ومن هنا جاء الأمر النبوي الكريم لمن ساب الصائم أو شاتمه أن يقول: «إني صائم» تنبيهًا له على أنه مأمور بالإمساك عن السب والشتم، وتذكيرًا لنفسه بأنه متلبس بالصيام فيمتنع عن المقابلة بالسب والشتائم.
ويدخل في قول الزور أشياء كثيرة كالكذب «وهو الإخبار بخلاف الواقع»، والغيبة «وهي ذكرك أخاك بما يكره»، والنميمة «وهي نقل كلام شخص في آخر إليه بهدف الإفساد عليهما»، والغش: «وهو من كبائر الذنوب»، وقد تبرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- من فاعله، قال جابر -رضي الله عنه- إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع عنك أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء (3).
رابعًا- التخمة والمجون في الليل:
لا يصح للصائم أن يجيع أو يظمئ نفسه خلال النهار قربي واحتسابًا لله، ودربة للنفس على الامتناع عن المشهيات المرغوبات، حتى إذا أفطر أكل حتى أصابته التخمة، فإذا دخل الليل أخذ يعب من أصناف المأكولات والحلويات عبًا، فهذا السلوك مما ينافي حكمة الصيام ويستوجب الغفلة، ويقسي القلب الذي قد يعمى عن الحق، ويضعف عن مهام العبودية.
لهذا أرشدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ضرورة التخفف من الطعام والشراب مطلقًا، فهذا هو ديدن المسلم، فقال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» (رواه أحمد والنسائي وابن ماجة)، ومن هنا جاءت مقولة أبي سليمان الداراني: إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب، وإذا شبعت عمى القلب، أو قد يصوم الصائم نهارًا حتى إذا أفطر وقام بعد العشاء، أو لم يقم «أي يصلي القيام» ذهب لكي يقوم أو يكمل هذا القيام بين يدي الشيطان، فيستحل لنفسه معصية الرحمن مستوجبًا سخطه وغضبه، بمشاهدة المشاهد المنكرة، والأفلام الخبيثة، وبرامج التسلية والترفيه واللغو والمسابقات التافهة، وسماع الكلام الفاسد، ومتابعة ما يسمى بالفوازير وحلقات «سل صيامك»، والرقعاء والمخنثين والأغاني المثيرة...إلخ، فهذا كله من نواقض الصيام -لا شك- التي تقلل ثوابه إن لم تعدمه، وتبطله.
قال -تعالى-: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (سورة لقمان: 6)، وليت شعري إن لم تكن الأمور السابقة، وما كان على شاكلتها، مما تتبارى القنوات الفضائية والإذاعات المسموعة في تقديمه، وتسهيله وتزيينه، وشغل نهار الناس -فضلًا عن لياليهم- به إن لم يكن ذلك من لهو الحديث، فما لهو الحديث إذن؟
بلى: قد صح عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه سئل عن هذه الآية فقال: «والله الذي لا إله غيره هو الغناء»، وصح ذلك أيضًا عن ابن عباس وابن عمر، وذكره ابن كثير عن جابر وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقال الحسن: «نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير»، فعلى المسلم أن يتقي الله، وأن يعلم أن صومه لا فائدة منه مادام باقيًا على هذه العادات، ومصرًا على هذه المعاصي.
خامسًا- تبرج النساء الصائمات:
نهى الله -سبحانه وتعالى- المرأة المسلمة عن التبرج فقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (سورة الأحزاب: 33)، وأرشد -سبحانه- إلى وجوب لزومها الحجاب والتستر بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: 59)، وقوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (سورة النور:31)، وقوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (سورة النور :31).
أما ما يفعله بعض نساء هذا الزمان من التبرج والتجمل في الأسواق فما هو إلا مجاهرة بالمعاصي، وخروج المرأة كاشفة رأسها، أو عنقها، أو أجزاء من جسدها، أو الثياب المظهرة للمفاتن، أو اللباس الشفاف- هذا كله يدخل في التبرج الذي نهى الله -سبحانه وتعالى- عنه، قال مقاتل: التبرج أنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها، وقرطها، وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج (4).
فلا يجوز للمسلمة التبرج أو وضع المكياج سواء كانت صائمة أو غير صائمة، وإن من علامة إسلامها اتباعها لأوامر ربها، وتنفيذها أحكامه، وعلى كل فالصوم عبادة مستقلة، فإذا صامت المسلمة على هذه الشاكلة، كان صيامها صحيحًا، لكنه منقوص الأجر، وتؤاخذ على تبرجها وإظهار زينتها للأجانب، وفتنتها للرجال، والله أعلم (5).
الغاية من الصوم:
والخلاصة مما تقدم أن الصوم لم يفرض علينا للحرمان والتكدير كما يظن البعض، أو للتسلية والسهرات الرمضانية -كما يسميها البعض الآخر- ولكن فرض الله الصيام على عباده لغاية أسمى وأجل من ذلك، هي أن يتعلم منه المسلم الصبر والثبات والمداومة على الذكر والطاعة، والدعاء والصلاة، والابتهال، وقراءة القرآن والصدقة، والتسامح والعفو والتواضع،
وليس هذا فحسب، وإنما أن يخرج المسلم من رمضان بهذه الخصال ليعيش بها في بقية العام،
فشهر رمضان نفحة من نفحات الله، وهو فرصة يمنحها الله لعباده، ويفتح فيها باب التوبة والمغفرة أكثر من أي شهر آخر، فاحذر -أخي القارئ، وأختي القارئة- من الوقوع في براثن المظاهر السابقة، وتلك النظرة الجزئية الضيقة لهذا الشهر الفضيل، جعلنا الله وإياكم من المقبولين فيه، ومن عتقائه من النار، اللهم آمين.
الهوامش
1. الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين مجالس شهر رمضان ١٣٩٦ هـ. ط أولى، ص ٦٩ - ٧٠
2. فتاوى مختارة فيما يتعلق بشهر رمضان المبارك، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة المساجد، ١٩٨٥م. ص ٤٢
3.الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، مرجع سابق، ص ٧٦
4. عبد العزيز السلمان المناهل الحسان في دروس رمضان ۱۹۷۰م، ص ٦٩
5. عبد العال محمد علي، فتاوى الصائم، ط1، ١٩٨٦م، ص: 24
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل