; إبعاد الصومال عن الإسلام - تجربة فاشلة كالتجربة الكمالية في تركيا | مجلة المجتمع

العنوان إبعاد الصومال عن الإسلام - تجربة فاشلة كالتجربة الكمالية في تركيا

الكاتب محمد المجذوب

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1972

مشاهدات 103

نشر في العدد 129

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 12-ديسمبر-1972

إبعاد الصومال عن الإسلام

تجربة فاشلة كالتجربة الكمالية في تركيا

 بقلم الأستاذ محمد المجذوب

بالأمس القريب كان أمام مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة أكداس من الكوارث التي تجتاح- المسلمين في الشرق والغرب والشمال والجنوب، في بلغاريا وقبرص والفلبين وسيلان وعدا المناطق التي لم يتح لها من يعرض كوارثها المدمرة، وتشاد واريترية، وتنزانية، والصين، وروسية.. واليوم يواجه العالم الإسلامي واحدة من أفجع هذه الكوارث، تنطلق هذه المرة من قلب الصومال العزيز الذي استطاع الحفاظ على دينه ولغته العربية وحرفه العربي الجميل، طوال عهود الاستعمار على اختلاف صوره وسماته، فرنسا وإيطاليا وإنجليزيًا وحبشيًا.. ثم جاء اليوم فريق من أبنائه الذين انتزعوا حق التسلط عليه بقوة الحديد والنار، يحاولون بجرة قلم تحقيق ما عجز أولئك كلهم عن تحقيقه، في هذا المضمار.

إنهم يصادرون معاهدة الإسلامية، التي قدمها إليه أخوة له في الإسلام، ويفرضون عليه الانصراف عن لغة القرآن وعن حرفه العربي إلى لغة وحروف الأمم التي استعبدته وأذلت كرامته وكرامة أخوته من شعوب الإسلام، في حروب صليبية لم يخمد أوارها منذ قرون، وفي دسائس شيوعية شيطانية سلخت ولا تزال تسلخ عشرات الملايين من هؤلاء الأخوة عن دينهم، الذي لم يعرفوا العزة والنور قط إلا في ظله..

لقد انتشر الحرف العربي حيث انتشر الإسلام.. وكما اعتنقت المجموعات البشرية دين الله، - اعتنقت لغة كتابه، واحتضنت حرفه العربي، مستبدلة إياه ورموزها الكتابية، حتى أوشكت هذه أن تصبح من مخلفات التاريخ، وقد أدرك العالم الصليبي، ومن ورائه الماسونية اليهودية، الترابط الوثيق بين الحرف العربي واستمرار الإسلام في تلك الأمم، لذلك رأت، بعد إخفاقها الذريع، في محاولتها تقليص ظل الإسلام عن طريق التبشير والافقار والإرهاب والإغراء، رأت أن تعمد إلى الوشائج التي تشد هذه الأمم إلى لغة العرب، فلم تر أقرب منالًا من الحرف العربي، تشن عليهم الغارات مباشرة، بوساطة المستشرقين من أدوات الاستعمار، أو من الأبواب الخلفية عن طريق عملائها المتخرجين على أيديهم ممن يحملون هوية المسلمين .. وهكذا انطلقت بعض الألسن في عدد من أقطار المسلمين تندد بالحرف العربي، وتتهمه- بالقصور والعسر، وتدعو بكل طاقاتها لإحلال الحرف اللاتيني مكانه.. على حين عمدت سلطات الاستعمار، في المناطق التي لا يملك المسلمون فيها حق المعارضة إلى تنفيذ هذه الخطة الإبليسية بالقوة، فقست الحرف العربي عن لغة التعليم، وفرضت مكانه حرفها، الذي كان من أخطر المعاول الهدامة في وحدة العالم الإسلامي.. ومن هنا كان شيوع الحرف اللاتيني في معظم الأقاليم الإسلامية التي منيت بمحنة الاستعمار، وإندونيسيا وماليزيا والفلبين ومعظم المناطق الإفريقية ... ثم كانت ذروة المأساة يوم فرض عملاء الماسونية العالمية على تركيا المسلمة بسلطان الإرهاب قطع صلتها بلغة القرآن وحروف القرآن..

لقد تمت هذه الجرائم كلها من قبل في غفلة من المسلمين، وبينما كانوا غارقين في أرزائهم التي شغلتهم بها الحملات الصليبية الجديدة، فلم يملكوا أي قدرة على مجابهتها أو معارضتها، بل أن قليلين من مفكريهم هم الذين تفطنوا لهول ذلك العدوان، فأطلقوا ما قدروا عليه من صيحات النذ، ولكن في نطاق جد محدود، لأنهم كانوا مجردين من معظم وسائل الإعلام، فلم يسمح لأصواتهم بالوصول إلى أسماع المسلمين المقصودين بهذا الهجوم الغادر.

لا نكران أن حال المسلمين قد تبدل إلى حد كبير بعد الحرب العالمية الثانية، وكان من أبرز مظاهر هذا التبدل انسحاب الاستعمار العسكري من معظم أقطارها، الأمر الذي كان من حقه أن يتيح لهم الكثير من الانفراج وحرية التحرك لمصلحة دينهم واستعادة وحدتهم، ولكن المواقع أن التخطيط الذي على أساسه حدث هذا الانسحاب أغلق السدود دونهم، وضاعف من التضييق على حرية الكلمة، التي لا وسيلة سواها إلى توعية شعوبهم، وتبصيرهم بما يراد بهم.. وبذلك فتحت ثغرات جديدة في كيانهم الاجتماعي لتقطيع بقية الأواصر التي تصل بعضهم ببعض.. ولعل من أخطر هذه الثغرات تلك الدعوات القومية التي جعلت من الأمة أممًا، ومن الكل الواحد أجزاء مبعثرة لا يكاد أحد منها يحس بآلام الآخرين، حتى تنزل الكارثة بالشعب الإسلامي فلا يصل نبقها إلى جيرانه من أمة الإسلام إلا بعد أن أصبح شيئًا مألوفا لا يثير الاهتمام وهكذا استقبل العالم الإسلامي كارثة فلسطين وكشمير والفلبين وانهيار باكستان، كما تلقى من قبل محنته الكبرى بتدمير الخلافة العظمى..

أجل إن الحواجز القومية التي أقامها التظليل بين أجزاء العالم الإسلامي قد سهلت على أعداء الإسلام افتراس الطاقات الإسلامية واحدة بعد أخرى، دون أن يتوقعوا أي رد فعل لجرائمهم، وقد أسرع في نجاحهم هذا استيلاء أوليائهم من أبناء المسلمين على أزمة السلطة في بلادهم، واعتماد هؤلاء على تشجيع العدو و إمداده إياهم بالعون الذي يمكنهم من رقاب شعوبهم المقهورة، حتى إذا اوغلوا في طاعتهم إلى المدى الذي لا يستطيعون عنه ارتدادا، عمدوا، إلى العبث بهم، واستخدامهم وتخريب ديارهم بأيديهم، كالذي يباشر الانزلاق في المنحدر فلا يملك قدرة على التوقف قبل الوصول إلى القاع ..

هذا التخطيط الجهنمي هو الذي يستحوذ على معظم ديار المسلمين، فيحول دون تلاقيهم، وبالتالي دون تصحيح مسيرتهم.. وقد كان من نتائجه الفاجعة ما نلمسه من تمزق الكلمة، وفتور الحمية، وضعف الوازع الديني، والحيلولة دون إحياء روح الجهاد الإسلامي الذي «ما تركه قوم إلا ضربهم الله بالذل.. واخيرًا ما نراه من انسياق أنظمة حاكمة في بلاد الإسلام وراء الشرق أو الغرب في تبعية ذليلة.. ولو أدت هذه الأنظمة إلى سلخ الأجيال الاسلامية من دونهـا وخصائصها ولغتها جميعًا..»

لا جرم أن كثيرين يستخفون بمحنة الصومال الجديدة، ولعل بعضهم يتوقع منها خيرًا، على اعتبار أنها حركة تحريرية، يراد بها رفع أيدي الأجانب من مبشرين وشيوعيين عن سياسة التعليم، بالاستيلاء على المعاهد الأجنبية المختلفة هناك.. والحق أنه تأمل لا مسوغ له، لأن الصومال بلد مستقل، ووسعه ومن حقه أن يتولى هو توجيه التعليم في نطاق مصلحته، وهذا لن يكلفه أكثر من إصدار قرار بتوجيه تلك المعاهد، واخضاعها إدارته المباشرة.. وقد فعل ذلك فلا اعتراض على ما فعل في حدود هذا التدبير.. ولكن لا بد هنا من التساؤل: هل من حق الحكومة الصومالية، أيا كان لونها إن تعدو على دين الأمة وتهدر حق الإسلام في إنشاء أجيالها على روحه وهديه، أو تضعف من سلطانه بعلمنة التعليم أو مركسته !! ثم هل من حق حكومة الصومال أن تلغى بقرار عسكري تاريخ الثقافة الصومالية وأن تبتر روابطها الروحية بلغة القرآن؟ ...

لقد عانت الصومال عشرات المحن في ظل الكابوس الاستعماري الذي مزق وطنها، وشتت شملها.. ولكنها ظلت تعي من أعماقها أنها مقهورة على تلك الأوضاع غير الطبيعية، فهي تتطلع ابدًا إلى اليوم الذي تتخلص فيه من تلك الأغلال.. أما بعد هذا القرار الذي يسلخها من ماض قد امتزج بلحمها ودمها، يقذفها بالقوة في مهمة مستقبل غريب عن كيانها، بل عدو لوجودها كله.. فذلك عدوان أكبر ألف مرة من احتلال الأرض وتمزيق الجماعة، لأنه احتلال الروح والخلق والفطرة، أشبه بتجربة مغامر يقدم على انتزاع دماغ ليحل مكانه سواه، غير مبال بطبيعة الجسم الحي الرافضة قبول العضو الدخيل..

 إن تجربة العسكرية الصومالية هذه لن تكون أكثر توفيقًا من التجربة الكمالية في تركيا، تلك التي أرادت قطع صلة الشعب التركي بالكيان الإسلامي وإدماجه في الجسم الأوروبي، ثم جاءت النتائج بعد نصف قرن تثبت أن التجربة الكمالية الماسونية لم تفعل شيئًا، سوى أن جردت الشعب التركي من حيويته العظمى، وزجت به في آتون من الرزايا لا يدرك مداها إلا الله..

ثم إن هذه الهجمة الطائشة على إسلام الصومال سيكون من نتائجها القريبة جدًا تحرك طواغيت الحبشة وتشاد وتنزانيا والصومال الفرنسي في الاتجاه نفسه، حتى يعلنوا بدورهم إلغاء التعليم الإسلامي، وحظر استعمال العربية في شئون التعليــم نهائيًا ... وإذا كان الحكام المسلمون يفعلون ذلك في شعوبهم دون أن يقيموا وزنًا لأي اعتبار، فما الذي يمنع أولئك أن يفعلوا مثله في ضحاياهم من المسلمين..

في مطالع الوجود السياسي لدولة باكستان وقف أحد زعمائها يدق ناقوس الخطر، وينذر الناس بما سيجره تعدد لغات المسلمين على الكيان الباكستاني من الأهوال.. وكان على غاية من الحكمة عندما قال للناس إن البنغاليين لن يقبلوا إلى الأبد سيادة لغة الأوردو، ومثلهم الباتانيون والسنديون .. ولا سبيل لتجنب الكارثة إلا بالتزام لغة يرضى بها الجميع، وليس ذلك إلا لغة القرآن الذي هو كتاب الأمة المقدس، فإذا شئتم وحدة باکستان حقًا فاجعلوا العربية لغة التعليم منذ الآن، ولن تأتي على ذلك عشرين سنة حتى تكون لغـة باکستان کلها ..

ولو أن المسئولين الأول عن سياسة باکستان قد استجابوا لهذا النداء الحكيم لاختلفت أحداث التاريخ، ولما تعرض كيان باكستان لذلك الزلزال الذي فجر الخلاف بين الأوردية والبنغالية، ولما عرف غرب باکستان خلافاته الدموية الأخيرة حول الهندية والأوردية..

ولا بد هنا من الاعتراف بمسئولية العرب عن كوارث العربية في العالم الإسلامي، وبخاصة بعد انسحاب الاستعمار العسكري من أقطارهم.. فقد كان في وسع الحكومات العربية أن تعمل الكثير لتثبيت لغتها بين أولئك الأشقاء الذين جعلهم الإسلام حلفاء العرب الطبيعيين، ولكنهم شغلوا عن ذلك الواجب العظيم خلافاتهم الإقليمية وشعاراتهم التقدمية، التي لم تجلب لبلادهم سوى العار والدمار.. والشيء الذي لا يحسن تجاهله بوجه أخص هو أن الكثرة من تلك الأقطار الإسلامية التي أقصيت من الحرف العربي والتي هي في الطريق إلى ذلك، قد اضطرت إلى سلوك تلك السبيل تحت ضغط القهر السياسي أو التخلف المادي، ولو هي قد وجدت العناية اللازمة والعون الضروري من اشقائها مسلمي العرب، لفتحت صدورها لإعادة العربية وتثبيتها بدلًا من تناسيها ومطاردتها، ولما سمحت لإغراءات الاعداء أن تؤثر في روابطها الروحية مع هؤلاء الأشقاء..

والحق أن المفكر المؤمن ليحترق أسفًا حين يرى دول الغرب والشرق تقف المقادير الضخمة من موازناتها على نشر لغاتها في أقطار المسلمين، في حين يهرب العرب من واجبهم نحو لغتهم ودينهم، فلا يكادون يبذلون أي مجهود للترويج للغتهم حتى بين أهلهم وأخوتهم.. ولولا الخطوات التي تقوم بها الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والأزهر في بعض المناطق الإسلامية لتقطعت بقية الوشائج بين العرب وإخوانهم من مسلمي آسية وأفريقية، وازدادت شقة التباعد اتساعًا بين أجزاء الجسم الإسلامي الذي لا حياة له مع التجزؤ.

واخيرًا.. أليس من حق هذا المفكر المؤمن أن يتساءل في قصة موجعة عن السر الذي يجعل بعض حكام المسلمين يحاربون الإسلام، ويحاولون سلخ شعوبهم منه، وهم يرون إلى جيرانهم، وموجهين من حكام الأمم الأخرى، يتفانون في نشر نحلهم التي لم يعرفوا المدنية إلا بعد التخلص من ربقتها..

أجل.. إن أقل ما يحق لنا أن نفعله إزاء كارثة الإسلام في الصومال هو أن نسأل صانعيها ومن سبقهم إلى مثلها في بلاد الإسلام الأخرى: لماذا يرخص عليكم دين أمتكم، وهو الذي قدم للبشرية أروع الفضائل الحضارية، وتغلو النصرانية واليهودية والوثنية عند أهلها، وهي التي عرقلت ولا تزال تعرقل خطوات الإنسانية نحو أمنها ووحدتها؟.

إلا أن المحنة الكبرى في هؤلاء المستبدين غرورهم بأنفسهم، حتى لا يحسبون أنهم أعلم بمصالح العباد من ربهم، وأن إرادتهم القاصرة أحكم من شريعة الله.. فبهذا الغرور يعبثون بمصير شعوبهم عبث الأطفال بكرامة الرجال.. ولله در أمیر الشعراء عندما وصف غرور ذلك العسكري «الدونمي» الذي فتح باب الهجوم على الإسلام بإلغائه الخلافة وتعطيل شريعة القرآن فقال:

إن الغرور سقى «الرئيس» براحه

كيف احتيالك في صريع الراح!!

نقل العقائد والشرائع والقرى

والناس نقل كتائب في الساح!!

وبالله نعوذ من هؤلاء الذين غرهم بالله الغرور وإليه نبرأ مما يقترفون، ومن سكوت المسلمين عن طغيانهم الذي فيه يعمهون.

الرابط المختصر :