العنوان الجزائر بعد 6 سنوات من الانقلاب على الديمقراطية .. وقفة للتقييم
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1998
مشاهدات 77
نشر في العدد 1285
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 20-يناير-1998
الجزائر
بعد ٦ سنوات من الانقلاب على الديمقراطية.. وقفة للتقييم
جبهة الإنقاذ.. ما عليها!
● ظنت جبهة الإنقاذ أن ما وصلت إليه الحريات في الجزائر مكسب شعبي لن تستطيع السلطة التراجع عنه.. وكان هذا من تقديراتها الخاطئة
● انقلاب ١١ يناير على أغلبية جبهة الإنقاذ كان يمكن أن يحدث على أغلبية أي حزب آخر يشترك مع الجبهة في مبدأ محاسبة المسؤولين عن الفساد
بقلم: محمد أبو صفوان(*)
منذ ثماني سنوات وبالتحديد سنة ۱۹۸۹م، كانت الأحداث تتقدم بسرعة مذهلة تجاه الانفتاح السياسي والحريات العامة في الجزائر بشكل يثير اندهاش الأصدقاء والخصوم على حد سواء، وبقدر استبشار وفرحة كل ضحايا الاستبداد في الجزائر وخارجها بهذه المبادرة الجريئة، كان استياء واحتجاج أعداء الحرية ودعاة الاستبداد من الداخل والخارج أيضا على شجاعة نظام حكم الشاذلي بن جديد آنذاك ، وتتمثل هذه الشجاعة في تحوير الدستور - من طرف برلمان الحزب الواحد حزب التحرير الوطني - نحو التعددية غير المشروطة أو محددة الأصناف، وذلك طبعًا بعد الاستفتاء الشعبي الذي جاء عقب أحداث أکتوبر ۱۹۸۸م الأليمة.
ولقد فسرت هذه الخطوة الجريئة آنذاك بـ:
-فشل نظام الحزب الواحد وخروجه ضعيفًا بعد أحداث أكتوبر ۱۹۸۸م.
استخلاص العبرة من الأحداث المذكورة، والذي أدى لأول مرة بعد خروج المستعمر إلى تصادم دام مباشر بين الجيش جيش التحرير والمواطنين، سقط خلاله مئات الضحايا بين قتلى وجرحي مناورة من طرف النظام المعرفة القوى المؤثرة على الساحة لمحاصرتها وضربها إذا ما لزم الأمر وقد أدى هذا التأويل إلى تردد البعض، مقابلًا التحول بالحذر الشديد والشكوك في صدق النوايا الحقيقية للنظام.إلا أن هذا الأخير ظل ثابتًا آنذاك، رافضًا كل تدخل في شؤونه الداخلية من أي جهة كانت قريبة أو بعيدة، وبدأت الأحزاب تتشكل بسرعة، ولأول مرة في تاريخ دول المغرب العربي الحديث تظفر حركة ذات مرجعية إسلامية على تأشيرة قانونية للعمل السياسي العلني رغم معارضة بعض الأجنحة في النظام المعادية للهوية وتحفظ بعض الضباط السامين في الأمن والجيش. واستبشرت كل الحركات الإسلامية في العالم العربي خاصة كل الرافضين للاستبداد مهما كان نوعه بهذا الانتصار للحرية في الجزائر، وظن الجميع أن ملف العداء أو التحفظ بين الأنظمة
_________________________
(*) كاتب تونسي مقيم في باريس.
العربية الحاكمة والحركات المعاصرة ذات المرجعية الإسلامية سيدفن إلى الأبد بعد تجربة الجزائر باعتبار أن هذه التجربة ستضيف المثال لتجربة الأردن في المشرق في التعامل الديمقراطي والتعايش الحضاري بين الجميع، وستدحض كذلك كل التعلات الباطلة والتي ظلت هذه الحركات ضحيتها طوال عشرات السنين.ومع هذا الانفتاح، تغير وجه الجزائر في الداخل والخارج، وأصبحت التجربة تؤتي أكلها في حرية النقد والتعبير في الصحافة الرسمية منها والمعارضة، وكذلك حرية التجمهر والمسيرات والتظاهرات بشكل لم يسبق له مثيل في البلدان العربية، ولا حتى في بعض البلدان الغربية، دون مبالغة في القول.ونال الإسلاميون حظهم من ذلك، واستطاعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بخطابها - وبعدما سبقت على الساحة - أن تجمع كل الفصائل ذات المرجعية الإسلامية السلفية بأنواعها، جمعية العلماء الجزارة ما عدا التيار الإخواني والذي كان ممثلًا في جمعية الدعوة والإرشاد (حماس بعد ذلك) وحركة النهضة آنذاك والذين لهم رؤية في العمل السياسي تختلف عن تلك التي عند الجبهة -إلا أن هذا الخطاب - وبعد الفوز بأغلبية البلديات والمجالس الجهوية في انتخابات ۱۲ يونيو ۱۹۹۰ تغير نحو الراديكالية شيئًا ما، كما صار استفزازيًّا في بعض الأحيان، مما أعطى الفرصة للخصوم من داخل النظام وخارجه لإذكاء نار الفتنة والدفع إلى الاستفزاز المستمر للسقوط في فخ المواجهة، حتى جاء قانون حمروش للانتخابات العامة في مارس ۱۹۹۱م محددًا تاريخ إجرائها في ۲۷ يونيو من السنة نفسها، وكان هذا القانون محل رفض من كثير من الأحزاب التي في أغلبها ليست لها قاعدة شعبية مثلما تملك الجبهة، وبشيء من النشوة والغرور بالقاعدة الشعبية ركبت قيادة جبهة الإنقاذ تيار المزايدة السياسية، فدعت ودخلت في الإضراب العام ۲۷ مايو ۱۹۹۱م ، والذي كان نقطة تحول على المستوى الوطني - دون أي تقدير آنذاك لوضع البلاد الهش على كل المستويات أو لما قد يحدث من انتكاس سلبي، وردة في وضع الحريات والحال أن عهد الاستبداد السياسي لم يرحل بعد عن الساحة بل لا يزال الحنين إليه من طرف دعاته قويًّا، أولئك الذين أتيحت لهم الفرصة بذلك للعب دور الردة فيما بعد، فلقد كانت الجبهة تنظر للوضع على أنه بسيط وهين، أما العواقب الوخيمة - في تقديرها - إن حدثت، فسوف يتحملها النظام وحده وخاصة رأس هرم السلطة والذي كان ينعت آنذاك من قبلها بـ مسمار جحا متناسية بذلك قيادة أركان الجيش التي هي السلطة الحقيقية في البلاد منذ الاستقلال، كما إن هناك جيشًا يملك دولة وليست دولة تملك جيشًا، بل إن هذا الأخير قد عبر مرارًا آنذاك بأنه لن يبقى مكتوف الأيدي يترقب الأوامر إذا ما أحس بالخطر من أي جهة كانت، وفعلًا لقد رأى في إضراب جبهة الإنقاذ خطرًا. فكانت مأساة يوم 4 يونيو والتي انتهت بإعلان حالة الحصار وسقوط حكومة حمروش، لتتشكل بعد أسبوعين تقريبًا من جديد بقيادة السيد غزالي وبقيت الحالة الأمنية من مشمولات السلطة بين غيرها وهكذا يرى البعض أن السلطة المدنية قد سقطت يوم 4 يونيو مضمونًا وبقيت شكلًا، وأن الانقلاب العسكري تم إقراره مضمونًا في هذا اليوم ونفذ شكلًا يوم 11 يناير ۱۹۹۲م، وقد بدأت معه أشنع وأعنف مأساة عرفها الشعب الجزائري منذ حرب التحرير، وهنا لابد من الوقوف على بعض الأسباب التي أدت إلى ذلك فمنها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي.
لا شك - في تصوري أن قيادة الجبهة قد أوقعت نفسها في أخطاء منها ما كان قبل الإضراب، ومنها ما كان بعده، ومنها ما حصل بعد انقلاب ۱۱ يناير ۱۹۹۲م، والتي تعتبر في أغلبها قاصمة للظهر في العمل السياسي، وذلك حين توكلت ولم تعقل راحلتها، فذهبت بموجب ذلك ضحية خطابها دون الممارسة، هذا فضلًا عن استفادة الخصوم من هذه الأخطاء التي ساعدتهم -ولا شك- على ضرب الجبهة فيما بعد، ولعل من أبرزها:
أخطاء ما قبل الإضراب العام
-الغرور بالزخم الشعبي في الاجتماعات والمسيرات مع الاعتقاد بأن ما وصلت إليه الحريات في البلاد هو مكسب شعبي لن تقدر السلطة على التراجع عنه، باعتبار أن عجلة التاريخ لا تدور إلى الوراء.
-العقلية الاستفزازية والخطاب الفضفاض للجبهة المركز على الشكل أكثر من الواقع، هذا الخطاب الذي كان كثيرًا ما يكون فرصة المحاكمة نواياها من طرف الخصوم ويجعلها وبقية التيار الإسلامي في حرج - كما أسلفنا - أو يدخلهم في جدل عقيم مع بقية الأحزاب على الساحة (مثال لا للحصر: الموقف من تعددية الأحزاب، الديمقراطية، دولة إسلامية من غير انتخاب، نقابة إسلامية)
-الرفع لشعار قيام الدولة الإسلامية، وادعاء إصلاح فساد عشرات السنين في مدة وجيزة. دون مراعاة الواقع والمحيط والتجربة الإسلامية ككل والتي تحتاج إلى جهد جهيد وصبر وبعد نظر.
أخطاء ما بعد الإضراب
-تلويح وتصريح بعض القيادات باستمرار جهاد ثورة ٥٤ في حال محاولة النظام قطع الطريق أمام وصول الجبهة إلى الحكم وقيام الدولة الإسلامية([1]) وهذا قد فسره المتطرفون من جانبهم بأنها الفتوى الشرعية للعمل المسلح عند استحالة الوصول إلى السلطة عبر ديمقراطية الاقتراع، وأعطى لمتطرفي النظام وأعداء المشروع الإسلامي الحجة الكافية لضرب الجبهة واستئصالها ثم تحميلها كل الأضرار الناتجة عن ذلك.
-الدخول في مغامرة الإضراب العام دون مراعاة الواقع وما قد ينجر عنه من سلبيات كما أسلفنا، بل إن هذا القرار لم يكن يحظى حتى بإجماع القيادة آنذاك ، مما أحدث تصدعًا داخل مجلس الشورى([2])
-الخطاب المتشنج أثناء الحملة الانتخابية المقرون بالتصريح بتغيير الدستور ولو أن هذا الشعار قد تراجع عنه السيد حشاني بعد الدور الأول للانتخابات وبعد فوات الأوان وهو ما يعتبره الجيش دائمًا من المقدسات التي هي من مشمولاته حمايتها دون غيره، وكما يفهم ويفسر من بقية الأحزاب على أنه سيكون دستورًا خطيًّا على غرار الدستور الإيراني.
أخطاء ما بعد الانقلاب العسكري
-تبني الجبهة للعمل المسلح ضد النظام دون أدنى تصور لما قد سيؤول إليه وضع أنصارها خاصة والبلاد عامة أو انفراط الزمام من يدها واستحالة وقف الدوامة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى الصمت المخل وعدم التبرؤ منذ البداية من المجموعات المسلحة التي تقترف الجرائم تحت شعار الإسلام، بل ظلت تعتبر هؤلاء إلى أمد قريب مجاهدين في سبيل الله تصريحات السيد أنور هدام الموجود في الخارج ورئيس الكتلة البرلمانية للجبهة المنتخبة في الدور الأول لسنة (۱۹۹۱) حتى بينت لهم الأيام أنهم قتلة مجرمون (وذلك بعد اغتيال السيد محمد السعيد رحمه الله). تصنيف الجبهة للخلاف والمعركة الدائرة بينها وبين النظام على أساس إسلام وكفر، معتبرة أن المؤسسة العسكرية معادية للدين والمشروع الإسلامي ككل، وفي الحقيقة، إذا استثنينا بعض اللائكيين - من ذوى الاتجاه الماركسي والمعادي للإسلام والهوية -داخل السلطة المدنية-، فإن السلطة العسكرية رغم تغربها ليس لها عداء أيديولوجي أو ثقافي شامل للإسلام، وإلا لكانت الحرب على كل مظاهر التدين في المجتمع وإحلال محل ذلك كل أشكال الميوعة والتفسخ، بالإضافة إلى مطاردة كل الحركات ذات المرجعية الإسلامية وغيرها دون تمييز على غرار ما هو موجود في تونس مثلا، وفي هذا السياق ربما يذهب الزعم بالبعض بأن إبقاء العسكر في الجزائر على التعددية وعدم توخي طريقة تجفيف المنابع والحرب الشاملة على التيار الإسلامي رغم أنه مطلب اللائكيين هناك، مرده العمل المسلح ضده، فهذا الرأي حسب تقديري تنقصه الموضوعية، فالسلطة العسكرية التي حكمت البلاد طيلة ٣٠ سنة دون معارضة وانقلبت على الانتخابات بعد ما قد شهدت على نزاهتها، وأقدمت على حل برلمان دون علم أعضائه ثم بعد ذلك تحكم البلاد لمدة 5 سنوات دون مؤسسة تشريعية شرعية، هذه السلطة قد يكون لها من المقدرة والجرأة ما يخول لها فعل أكثر من ذلك دون أي اكتراث لما قد يحدث، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لعل مرونة واعتدال بقية التيار الإسلامي بفهمهم الخاص للواقع، هو الذي جعل الصراع مع حزب سياسي وليس مع الظاهرة.
إذن فالذي حدث يوم 11 يناير ۱۹۹۲م من انقلاب عسكري على أغلبية الجبهة الإسلامية، كان يمكن أن يحدث كذلك على جبهة القوى الاشتراكية . مثلًا - التي قد تشترك مع الجبهة الإسلامية في مبدأ محاسبة المسؤولين عن الفساد طيلة سنوات حكم الحزب الواحد، ولا أدل على ذلك في هذا الصدد من السيد محمد بوضياف الذي جاؤوا به بُعيْد الانقلاب من المنفى زعمًا منهم لإنقاذ البلاد من الفوضى المرتقبة، ولكن ما إن تبين لهم عناد الرجل وعزمه على المحاسبة، وفتح ملف الرشاوى واستغلال النفوذ حتى نظموا له بعد مائة وبضع وستين يوما على مضيه في الحكم مصرعًا مريعًا أمام كل أنظار العالم ليسكت إلى الأبد، ومات بوضياف - ولا أحد يعرف القاتل الحقيقي ما عدا من دبر ونفذ - ثم دفن ودفن معه ملف الرشوة إلى حين وعاد بعد ذلك الأمر إلى الجنرالات مباشرة في تسيير شؤون البلاد، ولن يكون إلا لمن يدور في فلكهم، غاضًا الطرف عن هذا الملف المعقد.
لكن السؤال المطروح هو من المسؤول عن الوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب الجزائري وكلها طوال هذه المدة كلها؟ لا شك أن هناك ثلاثة أطراف رئيسية -في تصوري- ترجع لها المسؤولية في كل ما يحدث أمام الله وأمام العباد وهؤلاء هم:
-قيادات المؤسسة الأمنية والعسكرية الرافضة لأي مبادرة أو وساطة سلمية من أي جهة كانت من داخل البلاد أو خارجها، تحقن دماء الأبرياء خاصة والجزائرية عامة.
-مؤيدو الاستئصال وحمالو الحطب للحرب الأهلية من النخبة الماركسية ذات العداء الأيديولوجي وهوية الجزائر العربية.
-البعض من قيادة جبهة الإنقاذ والذين دفعوا لهذا - بوعي أو بغير وعي - بدءًا بقرار الإضراب العام الذي ساهم في إسقاط السلطة المدنية آنذاك وتغيبها لمدة خمس سنوات، مرورًا بالدعوة من داخل السجن([3]) وخارجه إلى العمل المسلح وتكوين جيش مواز، وانتهاء بعدم الدعوة لإيقاف العمليات، لقطع الطريق أمام ذوي الأنفس المريضة والغايات الرخيصة، وإسقاط القناع عن القتلة والمجرمين الحقيقيين. إن الوضع الحالي ودوامة القتل والتقتيل لا يمكن أن يستفيد منها لا النظام المدني الحالي ولا حتى الجهاز الأمني والعسكري في مجمله، ولا جبهة الإنقاذ قيادة وقاعدة، والتي قد ظهر في خطابها في السنتين الأخيرتين، وبعد الانتخابات الرئاسية النية في إيجاد حل سلمي والحوار مع النظام بعدما كانت ترفضه في السابق، وكذلك نية التنازل عن مطلب السلطة وانتخابات ۱۹۹۱م بل أصبحت الدعوة ملحة لإنقاذ الجزائر من المؤامرات التي تحاك ضدها في الداخل والخارج.أما النظام أو بالأحرى الجهاز العسكري رغم أنه متحصن وبعيد عن المآسي التي يعيشها الشعب الجزائري، فإنه غير مطمئن على ديمومة الوضع لصالحه، وذلك نظرًا لصراع أجنحته على النفوذ، وفشله في الحل الأمني والسيطرة على الوضع طيلة الخمس سنوات الأخيرة، رغم الدعم اللوجستيكي المتطور - بالأضافة إلى اهتزاز صورته في الخارج نتيجة القلق الغربي المتزايد من استمرار الأزمة وتدهور وضع حقوق الإنسان في البلاد، لهذا كانت بعض الاتصالات السرية مع قيادة الجبهة منذ سنة ١٩٩٤م والتي أفضت وقتها إلى إخراج الشيخين من السجن إلى الإقامة الجبرية، وغلق المحتشدات الصحراوية سعيًا منه لإيجاد مخرج للأزمة أمام اتساع رقعة العنف. إذن، فمن المستفيد الحقيقي من الوضع الحالي الجزائري؟
هناك أكثر من طرف في الجزائر وخارجها مستفيد والحل السلمي والنهائي للأزمة سيسقط عنه القناع مع صيرورة وجوده أو مصالحه إلى الفناء، ولعل أهم هذه الأطراف في تقديري هي:
على الصعيد الداخلي:
-المجموعات المسلحة والتي نالت رضا الجبهة في وقت من الأوقات بالسكوت عنها، فهذه المجموعات لن تجد وضعًا ملائمًا لها أكثر من الحالي، أما الحل سواء مع النظام الحالي أو غيره مهما كان، فإنه يعني عندها الموت والتنكيل.
-المتطرفون في الجهاز الأمني والعسكري والنظام المدني من ذوي المصالح الذاتية والمنافع الشخصية أو العداء الأيديولوجي للمشروع الإسلامي من ذوي الميولات الماركسية المتطرفة وهم المؤججون لنار الفتنة منذ الدور الأول لانتخابات ديسمبر ۱۹۹۱م، بدءًا بتشجيعهم للانقلابيين، إلى حثهم بعد ذلك على تسليح المليشيات، واعتراضهم على كل دعوة للحوار والسلم، هؤلاء الذين تسنى لهم بموجب ذلك الوصول إلى بعض المواقع الحساسة وذات الأهمية في الدولة بعدما فشلوا في الوصول إليها عبر صناديق الاقتراع، هذا بالإضافة إلى حزب السيد سعيد سعدي RCD المثير للنزعة البربرية والمعادي لكل ما هو عروبة وإسلام.-طرف آخر لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء وهم قطاع الطرق والمهربون وأثرياء الحرب الذين يرتكبون الجرائم تارة باسم الجهاد وتارة باسم مقاومة التطرف الديني، وأخرى باسم المجتمع المدني، وهذا الطرف هو الأخطر، إذ يمكن أن يكون ممولًا ومسيرًا من أطراف داخلية أو أجنبية لإذكاء نار الفتنة على الدوام لاستحالة المصالحة الوطنية.أما على الصعيد الخارجي: فهناك نظام مجاور هو الأكثر استفادة من الوضع الراهن الجزائري إذ مافتئ يدفع ويشجع النظام هناك -لا حبًّا فيه ولكن لغاية في نفسه - على خنق الحرياتواستئصال أي نفس إسلامي دون تمييز، فكل حل هناك يفضي إلى المصالحة الوطنية وإيقاف حمامات الدم، مع إرساء مبدأ الحريات دون إقصاء أي طرف يعتبر الخطر الحقيقي على كيانه الاستبدادي، هذا فضلًا عن المنافع الاقتصادية والاستفادة من الضجيج الإعلامي العالمي المهتم بوضع الجزائر الملتهب والذي: قد غطى إلى حين على دكتاتورية هذا النظام وانتهاكاته المستمرة لحقوق الإنسان.أما على مستوى الشرق أوسطي: فالمستفيد الكيان الصهيوني ودعاة السلام المغشوش بوضعه الحالي الذي يعطي لهذا الأخير حق الاحتفاظ بالأرض والاستيطان والسيطرة على مقدسات المسلمين والتحكم في إرادة الشعب الفلسطيني، مقابل مملكة صغيرة لقيادة منظمة التحرير للعيش فيها بسلام على أمل قيادة الدولة الفلسطينية المستقلة، فما كان لهذه المسرحية أن تكون بعد حرب الخليج الأولى والثانية إلا بإحداث بعبع آخر في المغرب العربي يشد إليه أنظار العالم. بعد فشلهم في لبنان الذي تصالح أبناؤه مع بعضهم البعض.
تعنت الجبهة والنظام العسكري
إن تعنت الجبهة والنظام العسكري في البداية، ثم صراع الأجنحة داخل هذا الأخير وخاصة بعد صعود الجنرال زروال إلى الرئاسة عبر الانتخاب والذي حسبما يبدو يحاول التحرر شيئًا ما من هيمنة مؤسسة الأمن العسكري وبعض أصحاب النفوذ داخل قيادة الأركان هذا الصراع الذي قد يكون قد بلغ حد التصفية من الجانبين، كل هذه العوامل ساهمت في تأخير بل ربما حتى في عدم التفكير في إيجاد حل عبر مصالحة وطنية تجعل حدًّا للمأساة هناك، إذ يبقى ملف جبهة الإنقاذ هو ملف المزايدة بينهم، فالأقوى هو الذي يمكنه الخوض في هذا الملف دون أن يصيبه تصدع في صفوف أنصاره أو خسارة - نفوذ. وهذا ما قد يكون قام به شق من الأمن العسكري موال لقائد الأركان الجنرال العماري المعروف من دعاة الاستئصال([4]) إذ بدأ اتصالات مع الجناح المسلح لجبهة الإنقاذ منذ شهر يونيو الماضي، والذي حسبما يبدو أفضى إلى تسريح السيدين عبد القادر حشاني، وعباسي مدني والذي قد يكون في إطار الاتفاق لإعلان - هدنة من طرف الجبهة وعلى لسان رئيسها - ورمزها التاريخي، إلا أن تردد السيد عباسي في الإعلان -والذي قد يكون لحسابات سياسية بلا شك- بل استجابته الفورية إلى تدويل الأزمة -وتصريحه بالاستعداد لإيقاف الصراع الدموي- الدائر هناك دفع القيادة العسكرية في النظام أن - تسارع إلى قطع طريق إمكانية تدويل الأزمة والتي - لن تكون بأي حال من الأحوال في صالحها. بعدما أصبحت الشكوك تتزايد عند الرأي العام الغربي خاصة حول تواطؤ عزيق من الجيش وإمكانية ضلوعه في المجازر الأخيرة، فكان لابد عليها أن تحاول إصابة عصفورين بحجر واحد -فسارعت بالاتجاه نحو قائد الجناح المسلح للجبهة. مرزاق وتهميش القيادة السياسية، لإعلان إيقاف العمل المسلح مع بداية شهر أكتوبر (۱۹۹۷م) ([5]) وهو ما اعتبره أحد قيادات الجبهة في الخارج يعتبر عملًا باطلًا ما قام به مدني مرزاق ما لم يكن صادرًا عن القيادات التاريخية للجبهة([6]) - في حين سارعت القيادة السياسية على لسان رابح كبير إلى تبني الإعلان دون تحفظ ، وطالبت بما كان يمكنها أن تطالب به من زمان لقطع الطريق على الذين يشوهون الإسلام، وهنا لابد لنا من وقفة على إعلان السيد مدني القيادة السياسية، وإعلان مدني قائد الجناح المسلح، ففي كليهما الإيجاب لكن مع الفرق.إن إعلان السيد عباسي مدني عن استعداده الإيقاف النزيف يعتبر شيئًا إيجابيًا في حد ذاته ولكنه جاء متأخرًا، فكان الأولى إطفاء الشرارة الأولى منذ سنة ۱۹۹۲م، وليس محاولة إنقاذ ما تبقى من الهشيم الملتهب بنار المحسوبين على الجبهة خاصة والتيار الإسلامي عامة وكذلك بنار الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، هذا إذا سلمنا أنه قادر اليوم حقًا على إيقاف هذا النزيف بوضعه الحالي المتشعب، ثم إن الإعلان عن الاستعداد قد يعني أنه يستطيع، ولا يجوز لمن يستطيع دره مفسدة في الأرض أو حقنًا لدماء الأبرياء أن يتكاسل في درنها مهما تكن من حسابات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد حمل نفسه واتباعه باطلًا - من حيث كان يشعر أو لا يشعر - مسؤولية كل الجرائم الواقعة منذ سنة ۱۹۹۲م، والتي ذهبت الجبهة بموجبها ضحية على كل المستويات، هذا فضلًا عما يؤول من طرف الرأي العام باعتبار أن الذي يعبر عن استعداده الإيقاف النزيف في الحاضر، كان قادرًا على إيقافه في الماضي، بل قد يكون يمسك بخيوط الأزمة منذ البداية.
خطوة جريئة
أما إعلان مدني مرزاق قائد الجناح المسلح الجبهة الإنقاذ، فيعتبر في ظاهره ومن حيث المبدأ ومهما كانت ظروفه، خطوة شجاعة وجريئة سواء كان باتفاق مع القيادة السياسية للجبهة أو بمبادرة فردية، فكل بندقية تسكت هناك هي في حد ذاتها انتصار على أعداء الجزائر الذين يريدونها بركانًا لا يهدأ ودوامة لا تنتهي ودماء لا تحقن وتجربة لا يكتب لها النجاح، هذا فضلًا عما سينجر عنه من كشف وإسقاط القناع عن العصابات المجرمة أيًّا كان مصدرها أو من يقف وراءها. إن مأساة الجزائر اليوم ودوامة العنف، والعنف المضاد لن تكون لها نهاية ما لم يستجب إلى منطق العقل والضمير من بيدهم السلاح، ويترفع بعد ذلك كل فريق عن المصالح الذاتية أو الحزبية الضيقة أو البحث في السبب والمتسبب والمسؤول عن ذلك فيجلسوا جميعًا - إخوة وأبناء وطن واحد دون استثناء أو تحفظ أو وساطات - لحقن الدماء وإنقاذ البلاد من مصير مجهول..
مطلوب تحقيق خارجي في مذابح الجزائر!
بقلم: محمود الخطيب
ليقل لنا أنصار المؤسسة الحاكمة في الجزائر ماذا فعلت حكومتهم حتى اليوم لوقف المجازر التي تتواصل بأبشع صورها منذ ست سنوات؟ هل بقي ما يمكن أن يقال دفاعًا عن نظام اغتصب الشرعية من أصحابها الحقيقيين ليشعل شرارة حرب لم يعرف التاريخ مثيلًا لها في الهمجية والوحشية؟ المذابح ترتكب يوميًّا في الجزائر وبدون توقف، وتتصاعد في شهر رمضان حيث تصوم الجوارح عن المعاصي ومجرد اللغو، لكنها هناك لا تصوم عن ذبح الأطفال والنساء واغتصابهن بعد الإفطار!! ما الذي يجري في بلد المليون شهيد؟ وهل المطلوب مليون قتيل آخر حتى تتحرك الحكومة الجزائرية لعمل شيء معقول أو حتى غير معقول لوقف مهزلة مذابح الفؤوس والبلطات والسيوف التي أوغلت في دماء أطفال حرم الله قتلهم بكل حال ولو كانوا أبناء كفرة مرتدين؟هذه تساؤلات تتوارد تلقائيًّا قبل الولوج في تحليل ما يجري وما هو قائم في ا الساحة الجزائرية، لكنها تساؤلات ستأخذ بعدًا آخر عندما يكشف التحليل وتفضح المعلومة حقيقة دور المؤسسة الحاكمة الجزائرية فيما يحدث لأبناء شعبها سواء بيديها أو بأيدي جماعة مزعومة تدعى الجماعة الإسلامية المسلحة «جيا» تواترت التقارير حول اختراق أجهزة الأمن الجزائرية لها! أصبحت المجازر حدثًا يوميًّا معتادًا في الجزائر، وأصبح القارئ يمر دون مبالاة أو اكتراث على أخبار ذبح العشرات من الأطفال والنساء.وسواء كان بعض المسؤولين في الجزائر طاهر اليد من تلك المذابح أو موغلًا فيها، إلا أنه ليس بريئًا في كلا الحالتين فوظيفة النظام - أي نظام - حفظ دماء شعبه وصيانة أعراضهم وأرواحهم، وفي اللحظة التي يعجز فيها هذا النظام عن أداء هذه الوظيفة ينتفي سبب وجوده وساعتها لابد من رحيله، إنها الوظيفة والمسؤولية التي خافها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال قولته المشهورة لو عثرت بغلة في العراق لخفت أن يسألني ربي لِمَ لمْ تسوِّ لها الطريق يا عمر؟ وفي الجزائر لسنا أمام بغلة عثرت في الطريق، بل أمام آلاف الحالات من ذبح أطفال ونساء تضرب بالفؤوس والبلطات وتجز رؤوسهم بالسكاكين وبدم بارد إن كان في عروق السفاحين دم أصلًا!!في دولة بوذية لا تعرف دينًا ككوريا الجنوبية يقدم رئيس وزرائها المنتخب استقالة حقيقية «لا مسرحية» بسبب انهيار أحد الجسور نتج عنه مقتل 15 مواطنًا علمًا بأن الجسر المذكور لم يتم بناؤه في عهده، لكنه اعتبر نفسه مسؤولا عن الحادث مسؤولية أخلاقية!! لقد ذهب أكثر من ٨٠ ألف مواطن ضحية لأعمال القتل والذبح في الجزائر في السنوات الست الماضية ولم نسمع فيها عن رئيس أو وزير يقدم استقالته اعترافًا بمسؤوليته الأدبية عما يجري.الجدلية السابقة افترضت حسن النية في النظام الجزائري ومع ذلك لم تعفه من مسؤولية التقصير والإهمال في حماية أرواح شعبه وممتلكاتهم وأعراضهم، لكن كيف بنا إذا كان النظام هو الذي يرتكب بشكل مباشر وغير مباشر هذه المذابح البشعة؟وقبل أن يقفز أحدنا إلى مربع الرفض والاستهجان لابد من التذكير ببعض الحقائق التي ربما سيحاول البعض بحسن نية أو بدونها نفيها متسلحين بالديباجة الممجوجة:أنتم بعيدون عن الساحة ولا تعرفون الحقائق على الأرض، وهي عبارة في ظاهرها مقبولة لولا أننا نعيش في عصر الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية والإنترنيت التي جعلت العالم كله يبدو كرة صغيرة، والجزائر دون شك نقطة أصغر على هذه الكرة بل إن أدوات الاتصال الحديثة جعلت العالم الخارجي يعرف أشياء تجري في الجزائر قد لا يعرفها غالبية الشعب داخل الجزائر بسبب سياسة كتم الأنفاس التي ينتهجها النظام والرقابة الصارمة التي يفرضها على التقارير والشهادات التي تصدر عن المراسلين والصحفيين. بیار سانيه الأمين العام لمنظمة العفو الدولية كتب في صحيفة اللوموند في 23/۱۲/۱۹۹۷م يؤكد على تورط الجيش والحكومة المباشر في المذابح التي ترتكب في الجزائر، وتجدر الإشارة إلى أن منظمة العفو الدولية منظمة غير منحازة تعنى بحماية حقوق الإنسان في العالم ولا مصلحة لها في تبرئة أي جماعة إسلامية من أعمال الإرهاب، وقد أكد سانيه ما قاله الكثير من الكتاب والمراقبين عن تورط جيش الحكومة في أعمال الذبح والخطف.
وأشار إلى نقاط يجدر التوقف عندها وهي:
أولًا: إن معظم المذابح الأخيرة وقد وقعت في مناطق ذات تواجد عسكري حكومي يفوق أي منطقة أخرى في الجزائر وبعضها وقع قرب ثكنات الجيش ومخافر قوات الأمن التي كانت تسمع صرخات الاستغاثة من الضحايا لكنها لم تحرك ساكنًا فكيف تظل الجماعات الإرهابية ترتكب مجازرها لساعات ثم تنصرف عائدة دون أن يتعرض لها أحد ودون أن تتدخل قوات الجيش القريبة؟ وما سبب وجود الجيش إذن؟
ثانيًا: إن معظم المذابح وقعت في مناطق كان عدد كبير من سكانها قد صوتوا لصالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وإن عددًا من مؤيدي الجبهة كانوا ضحايا المجازر الأخيرة، إضافة إلى أشخاص قدموا دعمًا صريحًا أو ضمنيًّا للجماعات الإسلامية المسلحة وآخرين رفضوا الانضمام إلى المليشيات التي تتولى الحكومة تسليحها التورط الحكومي في هذه المذابح أكده أيضًا عدد من ضباط الأمن الذين تمكنوا من الفرار خارج البلاد، وقد أدلى بعضهم بشهاداته لتلفزيون الجزيرة والتلفزيون البريطاني وبعض الصحف حيث اعترف أحدهم: لقد سرقنا الأموال والذهب عذبنا الناس، قتلنا.... كما شهد نفس الضابط بأنه شاهد رفاقه في قوات الأمن يعودون ذات ليلة متعبين وثياب بعضهم ملطخة بالدماء فاكتشف في اليوم التالي أن مجزرة قد ارتكبت ضد مدنيين في المكان الذي عادوا منه ومما يثير الريبة أكثر أن الحكومة الجزائرية لم تعلن حتى هذه اللحظة عن اعتقال أي إرهابي من المتورطين في المذابح وكانت تكتفي بالتزام الصمت وترفض أي شكل من أشكال التدخل الخارجي لوقف تلك الأعمال البربرية.المطلوب في الحالة الجزائرية إجراء تحقيق خارجي وليكن عربيًّا أو إسلاميًّا لتحديد هوية المجرم الحقيقي وهو مطلب الأمر الواقع، وإذا كانت الحكومة تدعى براءتها من أعمال القتل والذبح، فإن فريق التحقيق كفيل بإثبات براحتها وإدانة الجماعات المسلحة بغض النظر عن هويتها، أما أن تصر الحكومة على رفض التحقيق تحت مسوغات السيادة الوطنية ولا تقوم في الوقت نفسه بواجبها في حماية مواطنيها. فإن ذلك ما يعمق مشاعر الريبة تجاهها وما يثير الشبهات حولها أكثر.
) 1) آخر خطبة للسيد عباسي مدني قبل اعتقاله في ۱۹۹۱م.
[2]) ) استقالة الشيخ سحنون والفقيه ومراني.
[3]) ) كتاب السيد علي بلحاج صادر سنة ١٩٩٣م.
[4]) ) ٢٤/٩/١٩٩٧ م Le - Figairo
[5]) ) بيان جيش الإنقاذ حسب صحيفة Monde ٢٤/٩/١٩٩٧ م.
) 6) تصريح لإذاعة الشرق بباريس يوم ٢٣/۹/١٩٩٧ م نشرة السادسة مساء.