الثلاثاء 22-أغسطس-1978
قراءة القرآن في شهر رمضان لا تتوقف طوال الشهر، وتمتد إلى ما بعد شهر الصوم، ولكنها في هذا الشهر تكون أكثر من أي شهر آخر وهذا فضل من الله تعالى، ونعمة كبرى وخير وفيض وسعادة لا يحسها إلا من تعلق قلبه بتلاوة القرآن الكريم.
ومن عادتي في هذا الشهر أن أقرأ ما تيسر من القرآن، وأقرأ أيضًا في بعض الكتب الدينية والصحف الإسلامية التي تزود الإنسان بما يحب أن يفتح عقله عليها، ويغلق دونها أبواب المعرفة المختلفة، حتى يصبح الشهر الفضيل العظيم عبادة كله، ولا يكون النهر الذي اغترف منه غير النهر النقي الإسلامي، ولتتعدد الأنهار بعد شهر رمضان، وما أكثرها وفتحت صحيفة من تلك الصحف الدينية، وأخذت ألتهمها التهامًا.
وكان بصري ينتقل من مكان إلى مكان بشوق ولهفة، فهذا عن النبي عليه السلام، وذلك مقال عن أمانة الكلمة وهو مقال دقيق عميق، يحث على أن يكون الكلام قليلًا ونافعًا، ولا ننطق إلا بالصدق لأننا سنحاسب يوم القيامة على كل كلمة تخرج من بين الشفاه، ولا ننسى قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70)
فرغت من قراءة ذلك المقال وقد ملأني الخوف من لساني. يجب أن أمسكه عن الانطلاق، وفزعت من خطورة الكلمة، ورفعت بصري وأرسلته إلى مكان آخر من الصحيفة فالتقى بقصة مختصرة تحكي ما حدث بين سعيد والوليد، شرعت في قراءتها، جرت أحداثها أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان. وأعجبتني شخصية سعيد القوية المؤمنة، فقلت له:
- أنت حفيد عبد الرحمن بن عوف هذا الصحابي الجليل.
- قال سعيد: لا يعرفني كثير من المسلمين اسمي هو سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وكنت قاضيًا على المدينة.
- فهمت أن الوليد بن عبد الملك ولى سعيد بن إبراهيم قضاء المدينة ومعنى هذا أنك توليت أمرًا خطيرًا، ولذلك عرفت حق الله فيه فلم تضعف أمام إغراء الدنيا ولم تجبن أمام جبروت الحاكم ومن هنا وقع بينك وبين الوليد ما وقع وكل الناس في عصرنا في القرن العشرين يتقربون إلى الحكام طمعًا في المال وفي المنصب، ولكنك لم تطمع فسموت فوق كل شيء وعلوت فوق أي شيء ولو كان هذا الشيء هو الولاية نفسها فأنت لا تخشى أن يستردها الوليد منك مع أن الناس تحرص كل الحرص علي أن تحمي ما تأخذ من الحكام وتدافع عنه بشيء من الكذب والنفاق. كنت يا سعيد تعرف الله وترعاه فلم يكن في قلبك ذرة من الخوف من الوليد أو غيره.
قال سعيد بن إبراهيم:
- أراد الوليد بن عبد الملك أن يذهب إلى الحج وفكر أن تسبقه إلى هناك قبة فخمة يطوف فيها حول الكعبة ويكون معه من أحب من أهله ونسائه؟
قلت بدهشة:
- أصنع له مقصورة ليحج فيها؟ إنها بدعة من همس الشيطان أكان الوليد متكبرًا متجبرًا؟
- وكان معروفًا بالغلظة والقوة أمر أن تحمل القبة على الإبل من الشام، ووجه معها قائدًا من قواده وعددًا كبيرًا من الفرسان فقدم القائد بالقبة ونصبها في مصلى النبي- صلى الله عليه وسلم-.
قلت بسرعة: من المؤكد أن الناس فزعوا من ذلك.
قال سعيد:
هذا ما حدث واجتمعوا ودار بينهم حديث طويل وسألوا إلى من نفزع في هذا الأمر؟ ثم انتهوا إلى أن يأتوا إلي وجاءني الناس وعلمت بالخبر فأمرتهم أن يحرقوها بالنار.
فقالوا: لا نطيق ذلك فمعها ألف فارس من الشام فدعوت بمولى لي
قلت له:
-على بدرعي فجاءني بدرع جدي عبد الرحمن بن نوف التي شهد بها بدرًا وركبت بغلتي وذهبت إلى حيث توجد فيه، وما تخلف عنى يومئذ قرشي لا أنصاري حتى أتيت القبة وقلت: على بالنار.
وهكذا كان وبلغ الخبر الوليد بن عبد الملك وأرسل إلي يقول: ... القضاء رجلًا وأقدم علينا ففعلت دون خوف أو رهبة ذهبت إلى الشام ومكثت بباب الخليفة... لا يؤذن لي بالدخول حتى نفدت... وأضر بي طول المقام
قلت بإعجاب شديد بسعيد: مكثت كل هذه المدة تنتظر دون تفقد قوتك أو ينخلع قلبك أو طلب العفو والغفران. كم صبرت؟ أنت أقوى من الحاكم نفسه.
قال سعيد بن إبراهيم: ذات عشية وأنا في المسجد جاء فتى سكران.
فقلت من هذا؟
قالوا:
- خاله أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك.
- فقلت على الفور:
- على بالسوط
وقمت أضرب السكران في المسجد ثمانين سوطًا مع علمي التام بأن خاله أمير المؤمنين الذي أنتظر لقاءه وما انتهيت من إقامة الحد حتى ركبت بغلتي ومضيت راجعًا إلى المدينة.
أما الفتي السكران فقد أدخلوه أمير المؤمنين. قال الوليد بوجه تعلوه الدهشة والالم:
- من الذي فعل به ما فعل؟
- قيل له: قاضيك على المدينة يا أمير المؤمنين. قاضيك سعيد بن إبراهيم.
- فقال بغضب: على به
لحقوا بسعيد في الطريق، وأرجعوه حتى دخل على الخليفة.
- فقال له: يا أبا اسحاق ماذا فعلت بابن أختي؟
- فقال سعيد بصوت القاضي القوي:
يا أمير المؤمنين، إنك وليتنا القضاء فرأيت حقًا لله ضائعًا سكران يطوف بالمسجد، وفيه الوفود ووجوه الناس فكرهت أن يرجع الناس عنك بتعطيل الحدود، فأقمت عليه الحد.
فأخذ الخليفة على يد القاضي وقال له:
- جزاك الله خيرًا
وأمر الخليفة له بمال، ولم يذكر له شيئًا من أمر حرق القبة.
هل نسى الخليفة حكاية الحرق ولم يمر عليها وقت طويل؟ ألم يرسل له ليأتي من المدينة إلى الشام وأوقفه ببابه شهرًا كنوع من العقاب؟ ألا يعني ذلك أن الخليفة كان يضمر له شرًا؟ ولكنه نسي ذلك الشيء الذي جاء سعيد من أجله إلى الشام حين وقف أمامه وقفة القاضي القوى العارف ربه، الخائف منه، ولا يخاف من سواه، فتصنع الوليد ابن عبد الملك النسيان، وصرف القاضي دون حساب، بل أمر له بمال مكافأة على قوة إيمانه وشجاعته.
تلك قصة صغيرة، أو ذاك موقف دقيق لسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يرويه التاريخ لنا ويرينا كيف أن السلطة قد تزين لصاحبها أن يرتكب من الأفعال ما لا يصح مثل التكبر في الحرم، ولكن رجلًا مثل سعيد يقف لهذه السلطة وتلك السقطة بقوة إيمانه، ويقضي علی ما همس به الشيطان، ولا تأخذه في الله لومة لائم. ولو لم يكن سعيد بن إبراهيم ذا دين وورع وصلابة في الحق لعجز عن مواجهة الخليفة.
قلت لسعيد بن إبراهيم: ليت الناس في عصرنا يتعلمون منك شجاعة
الموقف والكلمة ولا يخافون على المنصب والثروة.
قال سعيد القاضي العظيم:
- الإيمان بالله هو درع الإنسان الحقيقي.
قلت له: الناس ضعفاء أمام الحكام لأنهم فقراء لا يملكون شيئًا من الإسلام وليست قلوبهم عامرة بالتقوى ليسوا مؤمنين، بل ولا يفهمون معنى الإيمان ولا يحسون به ولا يستسلمون له. ثم طويت الصحيفة بعد أن قرأت آخر جملة فيها وهي: سقطة من الوليد ليس لها إلا سعيد.
ودار في ذهني حوار طويل جعل النوم ليلتها يهرب من جفوني. فرق شاسع كالفرق بين السماء والأرض، ذلك الفرق الذي بين المسلمين الأوائل والمسلمين في العصور المتأخرة حتى صار الإسلام غريبًا. ومتى يعود الإسلام كما كان؟ ومتى يصنع المسلمين القادرين على الحياة الكريمة لم أنم ليلتها حتى حان وقت السحور فأكلت وذهني مشغول بحال الأمة الإسلامية وصليت الفجر ودعوت الله وطلبت الرحمة.