; وإذن في الناس بالحج.. تأملات في الخطاب الوعظي لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم | مجلة المجتمع

العنوان وإذن في الناس بالحج.. تأملات في الخطاب الوعظي لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم

الكاتب عاطف أبو السعود

تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006

مشاهدات 49

نشر في العدد 1733

نشر في الصفحة 52

السبت 30-ديسمبر-2006

  • عشرة ملامح ميزت هذا الخطاب أهمها: تعدد مواطنه.. استثمار الفرص.. مطابقة القول للعمل.. التأكيد على القواعد الكلية.. والجمع بين الترغيب والترهيب

الحج ركن عظيم من أركان الدين.. يحيا المسلمون جميعًا في رحابه كل عام، وتشرق فيه الأرض بأنوار هذه الشعيرة المباركة.. حيث تتوحد الأمة وتلتقي على عبادة رب واحد، متبعين هدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إمام المرسلين ورحمة الله للعالمين.

وما أكثر ما كتب وصنف حول هذا الركن الركين من أركان الدين وأحكامه، وقد جاءت متفاوتة الحجم والفائدة.. متعددة المحاور والأهداف.. غير أنني في هذا المقال أتوقف عند المنهج الوعظي للنبي صلى الله عليه وسلم من خلال خطبة الوداع الجامعة المانعة التي كانت ولا تزال وثيقة عقدية تربوية اجتماعية إنسانية إلى أن يشاء الله رب العالمين. 

ولا يخفى على أحد أن الوعظ والتذكير من وظائف الأنبياء والدعاة والمصلحين قال الله تعالي مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (سورة النساء: 36).

 وعن أبي نجيح العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب.. وذرفت منها العيون» (۱). 

لا جرم -إذن- أن الوعظ والتخويف من ركائز الداعية، وما ذاك إلا لكونه سبيلًا لمخاطبة قلب العبد: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (سورة ق: 37)، واستدرار عاطفته، ومعينًا له على ترك الزلة والخروج من الغفلة، إذ إنه يلين القلب وينيره، ويزيل عنه الغشاوة والران، ويجعل صاحبه مستحضرًا عظمة ربه، مسارعًا في امتثال أمره واجتناب نهيه.

ومن أجل هذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم عناية خاصة بالتذكير واهتمام ظاهر بالوعظ، فأرشد أمته إلى الخير ورغبها فيه، ونهاها عن الشر، ورهبها منه، وكان يتخول أصحابه -رضوان الله عليهم بالموعظة (٢).

وفي الحج كان صلى الله عليه وسلم مذكر الناس وواعظهم، ومعلمهم ومرشدهم، ومن نظر في وعظه وتأمل في تذكيره صلى الله عليه وسلم اتضحت له عدة أمور أبرزها :

أولًا: كثرة وعظه صلى الله عليه وسلم وتعدد مواطن تذكيره، إذ وعظ الناس واستثار كوامن نفوسهم في عرفات وبين المشاعر ومنى يوم النحر، وأيام التشريق وفي طريق العودة إلى المدينة، وما ذلك منه صلى الله عليه وسلم إلا لكون النفوس في تلك المواضع وهذه المناسبات أكثر تهيؤًا لقبول الوعظ والتأثر به. 

ثانيًا: استثماره صلى الله عليه وسلم الفرص وربطه بين المواقف كقوله صلى الله عليه وسلم حين خطب الناس يوم النحر: «أتدرون أي يوم هذا؟...» (۳).

ثالثًا: تكراره صلى الله عليه وسلم التذكير بالشيء الواحد في أكثر من موطن، كتأكيده على حرمة الدماء والأموال والأعراض في كل من يوم عرفة ويوم النحر وأوسط أيام التشريق.. بل ربما أعاد التذكير بالشيء نفسه في الموطن الواحد أكثر من مرة، كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام.. إلى أن قال الراوي في آخره: «فأعادها مرارًا» (٤).

رابعًا: عدم وجود تناقض أو اختلاف بين ما يقوله صلى الله عليه وسلم وما يفعله، إذ كان أسرع الناس إلى ما يعظهم به، وكان لا يقول ما لا يفعل، حتى لا يقع تحت طائلة قوله تعالى: ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصف: 3)، أو قوله جلا وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة البقرة آية: 44)، وما أصدق قول القائل: 

يا واعظ الناس عما أنت فاعله                      يا من يعد عليه العمر بالنفس

كحامل الثياب الغير يغسلها                          وثوبه غارق في الرجس والدنس

 خامسًا: وضوح وعظه صلى الله عليه وسلم  وبعده عن التكلف والغموض، ونأيه عن الكلمات الشاذة والجمل الغريبة المبهمة.. فكان كلامه صلى الله عليه وسلم ينفذ إلى القلوب فيحييها بالإيمان، كما يحيي الماء الأرض بعد موتها.

سادسًا: اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالتأكيد على المسائل المهمة والقواعد الكلية التي هي مدار نجاة العباد ونجاحهم، وبها صلاح الدين وقوام الدنيا، والبعد عن سفاسف الأمور، وصغائر القضايا التي لا طائل من ورائها. 

سابعًا: عدم اقتصاره صلى الله عليه وسلم على الوعظ بنفسه، بل أمر من ينادي في الناس يعظهم، كما في حديث بشر بن سحيم -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه أن ينادي أيام التشريق: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة...» (٥).

ثامنًا: عدم اقتصاره صلى الله عليه وسلم على الترهيب، بل جمع معه الترغيب في الأجر والتبشير بالثواب كقوله صلى الله عليه وسلم غداة جمع الناس: «إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل ادفعوا باسم الله» (٦).

تاسعًا: عدم اكتفائه صلى الله عليه وسلم في وعظه بالقول، بل تجاوزه إلى الفعل، وذلك عندما أسرع السير في بطن الوادي الذي حل فيه غضب الله تعالى بأصحاب الفيل، وهو وادي محسر، كما جاء في حديث علي -رضي الله عنه- (۷). 

عاشرًا: تناوله صلى الله عليه وسلم قضايا عدة في وعظه وتذكيره للناس منها: التزهيد في الدنيا، والأمر بالتقوى، وبيان أن لا أحد، يحمل جزيرة أحد، والترغيب في حسن الخلق وفعل الخيرات، والتحذير من الغلو، والأمر ببر الوالدين، والوصية بالضعفاء من النساء والأرقاء، والإحسان إليهم، وحثه صلى الله عليه وسلم على اجتناب إيذاء الآخرين، وحثه على التبليغ عنه، وتحذيره من الكذب عليه، وحثه الناس على الاجتهاد في التضرع والمناجاة والدعاء... ودفعهم إلى رجاء المغفرة وتوقع نيل الرحمة... إلخ (٨).

 تلك عشرة كاملة، تعد من أهم ملامح وسمات الخطاب الوعظي للنبي صلى الله عليه وسلم والذي تعد خطبة حجة الوداع نموذجًا أمثل عليه. 

فلا بد -إذن للقادرين على الوعظ والتذكير- من استغلال تلك الجموع المقبلة على الله، عل النفوس تستيقظ من سباتها، والقلوب تفيق من رقادها، فيقوى الإيمان، ويندحر الشيطان، وتكثر الأوبة إلى الله تعالى والانكسار بين يديه فيكونون بذلك سيل هداية ومنارات إرشاد.

الهوامش

(۱) رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح.

(۲) انظر: صحيح البخاري رقم ٧٠.

(۳) البخاري: ١٧٤١.                       

(٤) البخاري: ١٧٣٩.

(٥) صحيح ابن خزيمة، رقم ٢٩٦٠ . وإسناده صحيح. 

(٦) سنن ابن ماجه ،۳۰۲٤، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، رقم ٢٤٥٠.

(۷) جامع الترمذي ،۸۸۵، وقال: حسن صحيح، وحسنه الألباني.

(۸) انظر: حجة الوداع في كتب السيرة وفقه السيرة، كابن هشام والبداية والنهاية... وفقه السيرة للسيوطي والغزالي وغيرهما، وأحوال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، فيصل ابن علي البغدادي، كتاب المنتدى الطبعة الثامنة، ١٤٢٣هـ.

الحج المبرور

من علاماته.. انبعاث النفس إلى الطاعة بعده.. والاستقامة على طريق الهداية

د. زيد بن محمد الرماني 

جعل الله تعالى الكعبة قبلة للمسلمين واختار لها البلد الأمين، وشرفه بأن أقسم به في كتابه فقال سبحانه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (سورة التين: 1: 3)، وجعله آمنًا لا يُسفك فيه دم ولا يروّع فيه مسلم، ولا ينفر له صيد، ولا تلتقط لقطته إلا للتعريف، وجعل الحج المبرور ماحيًا للذنوب والخطايا، موجبًا لدخول الجنة بسلام، كما في حديث: «... والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، وجعل الحج من بين أركان الإسلام فريضة العمر، وأكمل تعالى به الدين، وأتم به النعمة، وأنزل على نبيه صلوات الله عليه وسلامه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: 3).

قال العلماء: الحج المبرور هو المقبول، وهو الذي جاء على الوجه الأكمل باستيفاء الأعمال البدنية والقلبية. 

والحج المبرور الذي لا رفث فيه ولا فسوق أي الذي ليس فيه كلام فاحش ولا خروج عن آداب الشرع وحدوده، له في النفس وإصلاحها أكبر الآثار لما فيه من الانقطاع عن الأهل والوطن، والأعمال الدنيوية، والإقبال على الله تعالى، وإحياء شعائر أعظم المرشدين، والوقوف في مواقف أفضل المرسلين، لا حظ للنفس فيه. 

يقول الشيخ محمد بهجت البيطار: عند ذلك تنبعث النفس إلى حسن الطاعة والاستقامة على طريق الهداية، فيصح أن يُقال: إنها ولدت ولادة جديدة.

من حكم الحج

إن حكم الحج كثيرة، وفي كل واحد من أعمال المناسك تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر، وقد شرف الله البيت الحرام، بالإضافة إلى نفسه، ونصبه مقصدًا لعباده وجعل ما حوله حرمًا لبيته تفخيمًا لأمره، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره، وفي الطواف بالبيت تشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش، الطائفين حوله، وما القصد طواف الجسم فحسب، بل طواف القلب بذكر الرب. 

وفي السعي بين الصفا والمروة إظهار للخلوص في الخدمة، ورجاء للملاحظة بعين الرحمة وفي الوقوف بعرفة وازدحام الخلق وارتفاع الأصوات باختلاف اللغات تذكر لاجتماع الأمم بين يدي الله تعالى يوم القيامة.

 وفي رمي الجمرات طاعة للرحمن وانقياد لأمره وإرغام للشيطان، وقصم لظهره، وفي كل مشعر وكل شعيرة حكم ومقاصد نبيلة.

هذا قليل من كثير، وغيض من فيض من مقاصد الحج وحكمه وفوائده.

 وما أفضل الحج وشد الرحال إلى المسجد الحرام في البلد الحرام موطن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومهبط الوحي، ومطلع النور. 

ما أعظم الحج في عاصمة الإسلام، ومهوى أفئدة نبيه، ومجتمع المسلمين كل عام من جميع أقطار الأرض، يجتمعون ليشهدوا منافع لهم روحية وجسدية، دينية ودنيوية، فضلًا من الله ونعمة، وما أجمل رؤية الحجاج محرمين وملبين، ولله درهم طائفين وعاكفين وراكعين، وساجدين، وساعين، بين الصفا والمروة، ومتعارفين متراحمين في بيت الله عز وجل، يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2122

165

الأربعاء 01-أغسطس-2018

حج المَدين.. صحيح أم باطل؟

نشر في العدد 2122

146

الأربعاء 01-أغسطس-2018

الحج.. وهموم الأمة

نشر في العدد 2181

177

السبت 01-يوليو-2023

الحـج.. ووحـدة الأمــــة