; القصاص فريضة لا يحل لأحد المطالبة بتأجيل نفاذه | مجلة المجتمع

العنوان القصاص فريضة لا يحل لأحد المطالبة بتأجيل نفاذه

الكاتب عبد الرحيم عبد الخلاق

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1972

مشاهدات 51

نشر في العدد 119

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 26-سبتمبر-1972

رد على الأستاذ عبد الحليم خفاجة بقلم الأستاذ عبد الرحيم عبد الخلاق في عدد مجلة «المجتمع» رقم ١١٥ الذي صدر بتاريخ 29/8/1972 صفحة ١٦ تحت عنوان «الإعدام كلمة غريبة على الحس الإسلاميّ» تناول أخي الأستاذ عبد الحليم خفاجه زميل الصبا ورفيق الدرب.. موضوع القصاص في الشريعة الإسلاميّة وما أسمته القوانين الوضعيَّة بعقوبة الإعدام جاء فيه. ـ لا تقوم هذه العقوبات عمومًا والإعدام «القصاص» بصفة خاصّة إلّا بعد أن يرتفع عن الناس عذر الجهل، والفقر، والشرور الخارجيَّة؟؟!! التي تبدّد الطاقات البشريّة في منازلات متعدّدة..!! وذلك بعد أن قَّرر سيادته أن «الإعدام شأن بقيَّة العقوبات الإسلاميَّة مجرد حراسة غير منظورة حول المجتمع المسلم، ولا محل لوجودها إلّا بعد أن يقوم المجتمع أوَّلًا على أصلية: - 1 - العقيدة اليقينية التي تعطي التفسيرات الحقَّة للوجود والحياة والإنسان. 2 - التشريعات التي تفتح آفاقًا جديدة في العلاقات والقيم، ولا تخلّف وراءها محتاجًا أو مهضومًا، وتحقّق تقدّم الجماعة من خلال نشاط الفرد..! إلى أن ختم مقدّمة مقاله بقوله: «ومن ثمّ فلا محل في مثل هذه البيئات للكلام عن الحدود أو العقوبات الإسلاميّة، ولا عن الإعدام بصفة خاصّة»..! ـ ولمَّا كان الأستاذ عبد الحليم من رجال القانون، ومن أبناء الدعوة الإسلاميَّة، ممَّا يُضفي على كلامه وأفكاره وآرائه نوعًا من الخطورة إذا ما جانبت الصواب، وخاصّة إذا ما أخذت طريقها إلى الناس أيضًا عن طريق الكتابة في الصحف الدوريَّة أو السيَّارة.! لذلك رأيت لزامًا عليّ أن أسلِّط الضوء الكاشف من مصادر الشريعة الغراء على هذه الآراء إحقاقًا للحقّ، وأداء لأمانة الرسالة.. أملًا أن يتضّح الأمر له ولمن اقتنع بفكره أو أصابته أثاره... داعيًا المولى عزَّ وجلَّ أن يرينا الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتّباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.. اللهم آمين. ـ لقد أراد الأستاذ عبد الحليم من خلال الفقرات التي نشرها في مقاله أن يدعم فكرة تعطيل الحدود الإسلاميَّة بصفة عامَّة والقصاص بصفة خاصَّة، ويعطي أصحاب هذه الفكرة سندًا ومبرِّرًا تجاه المطالبين بإقامتها، بأنَّ المجتمع المعاصر بعيد عن المجتمع الإسلاميّ الذي لم يقم بعد! وأنّ «القصاص» كعقوبة إسلاميّة لا تنفّذ ولا يحكم بها إلّا من خلال تشريعات الدولة الإسلاميّة فقط...! وفلسفها أيضًا بأنَّها حراسة غير منظورة حول المجتمع المسلم «فقط»! أولًا: كم كان بودّي أن يرجع الأستاذ عبد الحليم قبل أن يبدي هذه الآراء إلى كتاب الله.. ليعلم أنَّ إقامة الحدود فريضة من فرائضه، ولا يحلّ لمسلم أن يظاهر المنادين بتعطيلها وعدم نفاذها مهما كانت الدوافع والبواعث فالله تعالى يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ ﴾ (البقرة: 178) «وكتب» بمعنى «فرض» كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ (البقرة: 183) فمثلها كمثل فرائض الإسلام الأخرى من صلاة وصيام وزكاة وحجّ.. إلخ يقيم أمرها المؤمنون فيما بينهم ويدعون إلى إقامتها وحثّ الناس جميعًا حاكمين ومحكومين على إنفاذها وبيان سخط الله من عدم تطبيقها، وأن يقوموا لذلك مثنى وفرادى.. تكامل المجتمع المسلم بكل مقوّماته أم لم يتكامل..! وإلَّا فماذا أبقيت یا أستاذ عبد الحليم للذين يدعون بأنَّ الصلاة والزكاة.. ليستا مفروضة عليهم الآن لعدم وجود إمام للمسلمين ينفذ الشريعة بكلِّ حذافيرها؟! وبمفهوم المخالفة هذه أيضًا لا يتم الزواج والطلاق حسب أوامر الشريعة الإسلاميّة لأنّها ليست مطبقة في جميع جوانب الحياة؟! وبهذا المنطق أيضًا لا إثم على الزناة والسكيرين لأنَّ الحماية الإسلاميَّة غير قائمة؟! ـ لا أظنّ أنَّ منطق الحماس لإقامة المجتمع المسلم ينتهي بك إلى هذا القول من مخالفة صريحة لأمر الله في كتابه وما أورده مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «القصاص كتاب الله»، ولذلك كان وجود عقوبة القصاص ملازمًا لوجود الكيان الإنسانيّ لا لوجود المجتمع المسلم وهو جزء من الكيان الإنسانيّ العام! وإقامتها إقامة لعدالة الله في الأرض بين الناس مهما كانت شخصية القائم بتنفيذها !. وقد قال الإمام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية صفحة ١٤٨ «فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس من الدماء». ـ فالقصاص حراسة منظورة! للنفس البشريّة إنفاذًا لحقها في الحياة، الواجب لها من لدن الله عز وجل بغض النظـر عن لونها أو دينها أو جنسهـا أو وطنها أو مركزها الاجتماعيّ.. ولذلك جعل الله سبحانه عذاب من سن القتل عذابًا لم يجعله لأحد من خلقه .. فقد أخرج البخاري ومسلم «ليس من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها» ـ أي نفس وليست النفس المؤمنة فحسب! - وقد أوضح ذلك بتفصيل الشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة حـ ١٠ ص ٩ إلى أن قال: القتل هدم لبناء إرادة الله، وسلب لحياة المجني عليه، ويستوي في التحريم قتل المسلم والذمّيّ وقاتل نفسه مستدلًا بقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا» أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو. وأستطيع أن أقول لك يا أستاذ عبد الحليم أنَّ إيراد «النفس» مجرَّدة من وصفها «مؤمنة» في هذه الآيات الكريمة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الإسراء: 33) ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الفرقان: 68) ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (المائدة: 32) مقصود من الله سبحانه وتعالى بأنَّها النفس الإنسانيَّة، وأنَّ «القصاص» هو حراسة لها عمومًا، فضلًا عن أنَّه حقِّها، فضلًا عن توكيده وتعظيمه للنفس المؤمنة خاصّة ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32). إذن «القصاص» فريضة من فرائض الله لا يحلّ لمسلم أن يعطّلها أو ينادي بتعطيلها أو يظاهر على ذلك مهما كانت المجتمعات فاسقة أو منحلّة أو لم تتكامل فيها مقوّماتها الإسلاميّة في جميع نواحي الحياة.. وحسبك أن تعلم أن إقامة حد واحد من حدود الله قد يرفع الله به سخطه عن الأمّة جميعها.. وأن صاحب المنار قال: «الحياة هي المطلوبة بالذات، وأنّ القصاص وسيلة من وسائلها» وأنّ الإنسان بصفته إنسان معصوم الدم إلّا المهدرون، وأنّ خطبة الرسول صلّى الله عليه وسلم في حجّة الوداع التي قرّر فيها حرمة الدماء كان الخطاب فيها للناس أجمعين، وأنّ هذه العقوبة مقررة في جميع الشرائع الإلهيّة المتقدّمة، وأنّ القصاص حقّ النفس دون تفرقة بين نفس ونفس. ثانيًا: أمّا قولك بعدم قيام عقوبة القصاص إلّا بعد أن يرتفع عن الناس عذر الجهل، والفقر، والشرور الخارجيّة..! فهو قول باطل لا سند له من قانون شرعيّ أو وضعيّ اللّهم إلّا انسياقّا وراء النظرية التي تدّعي بأنّ المجتمع مسؤول عن إجرام المجرم لترفع عنه جرمه، وتخفّف عنه عقوبته..! 1 - فالشريعة الإسلاميّة لا تجعل للأعذار مهما كانت فرصة تباح بها الدماء أو يخفّف بها الجزاء سواء كانت كفرًا أو إلحادًا أو جهلًا وفقرًا.. إلخ ۲ - وليس هناك إكراه «أدبيّ أو مادّيّ» معترف به شرعًا على الراجح يبيح قتل إنسان آخر إذ الأولى أن يموت شهيدًا. 3- بل والأذن بالقتل من المقتول لا يبيح القتل ولا يسقط العقوبة وقد أوضح ذلك العلامة الشهيد عبد القادر عودة في كتابه التشريع الجنائيّ. الجزء الثاني ص ٨٤ ، ١٣١، وتناوله بالتفصيل في موضوع «الإكراه» إلى أن قال «والقول بأنه ملجأ غير صحيح، لأنَّه يستطيع أن يمتنع عن القتل ولكنه لم يفعل إبقاء على نفسه». 4 - والذي يدفع المجرم بصفة عامة للقتل والجرح هو تنازع البقاء وحب التغلب والاستعلاء ص ٦٦٤. 5 - وقد جاء في فقه السنة ص 83 وليس للبواعث التي دفعت الجاني لارتكاب جريمته أثر ما على مسؤوليته ولا عقوبته في الشريعة. فإذا ارتكب الفعل بقصد الإضرار بالمجني عليه أو لباعث غير شريف، فإنَّ ذلك لا يزيد في مسؤوليته أو عقوبته شيئًا، كما أنّ ارتكاب الفعل لباعث شريف لا يخفّف من مسؤوليّة الجاني أو عقوبته شيئًا. 6 - بل إنّ «الشافعيّ» يقول بقتل المأمور دون الآمر ويقول «مالك» والحنابلة يقتلان - أي الجاني ومحرضه ويقول الأحناف: «وإن أكرهه بقتل على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه ، ويصبر حتى يقتل فإنَّ قتله كان آثمًا والقصاص على المكره». ـ أين هذا يا أستاذ عبد الحليم من إكراه المجتمع والظروف الاقتصاديّة أو انحلال العقدة الإيمانيّة؟! أو الجهل والفقر؟! ثالثًا: والذي أودّ أن أختم به ردّي العاجل هو أنّ وجود المجتمع المسلم مهما كانت قوّته ومثاليّته لا يمكن أن يمنع الجريمة وإن قلّل منها.. ومن ثمَّ فقد أصبح لزامًا على كلّ مسلم أوتي فرصة لإقامة العدالة في الأرض أن يغتنمها.. وإلَّا ناله إثم الظلم الواقع بسبب عدم إقامتها. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب: 4).
الرابط المختصر :