; الكيان الصهيوني: خيارات حكومة العدو القادمة | مجلة المجتمع

العنوان الكيان الصهيوني: خيارات حكومة العدو القادمة

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1988

مشاهدات 64

نشر في العدد 891

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 15-نوفمبر-1988

ما هي ملامح توجهات الحكومة الجديدة للكيان اليهودي؟ وهل ستستمر الأحزاب الحاكمة في نهج التشدد والعنف الذي أوصلها إلى الفوز؟ وما هي الخيارات الفلسطينية الجديدة على ضوء نتائج الانتخابات «الإسرائيلية»؟ وعلى ماذا سيتكتك الطرف الفلسطيني؟ وكيف سيتعامل مع القادم الجديد البغيض إلى قمة حكومة العدو؟! وهل انتهت مسيرة السلام التي راهن عليها الطرف الفلسطيني وأطراف عربية أخرى؟ وهل صحيح أن نتائج الانتخابات دقت ناقوس حرب جديدة؟!

نتائج الانتخابات: نعم «لإسرائيل الكبرى»

حسب نتائج الانتخابات اليهودية فإن كتلة اليمين- كما يسمونها- فازت بـ٤٧ مقعدًا والأحزاب الدينية بـ۱۸ مقعدًا وأحزاب اليسار بـ٥٥ مقعدًا. وفي حالة تشكيل تحالف بين أحزاب اليمين والأحزاب الدينية فسوف يكون لهذا التحالف (٦٥) مقعدًا في الكنيست، والتشكيلان الكبيران متعادلان تقريبًا حيث حصل الليكود على (٤٠) مقعدًا مقابل (۳۹) لحزب العمل... أما بقية النتائج فكانت كما يلي: «تحيا النهضة» (۳) مقاعد، تسومیت مقعدان، موليدت «الوطن» مقعدان، وهذه أحزاب توصف بأنها يمينية، أما الأحزاب الدينية فهي: شاس (٦) مقاعد، الحزب الوطني الديني (٥) مقاعد، أغودات إسرائيل (٥) مقاعد، حركة علم التوراة مقعدان، أما الأحزاب اليسارية فهي المابام (۳) مقاعد، المركز شينوي مقعدان، راتس (٥) مقاعد، الشيوعيون (٤) مقاعد، اللائحة التقدمية من أجل السلام مقعد واحد، الجبهة الديمقراطية العربية مقعد واحد.

والملاحظة الأولى والسريعة على هذه النتائج أن الأحزاب الكبيرة أو الصغيرة التي نادت في حملاتها الانتخابية إلى التشدد وعدم التنازل عن أية بوصة من الأرض زادت أصواتها وربحت... ويلاحظ بشكل عام تصاعد شعبية الأحزاب الدينية في الكيان اليهودي الأمر الذي يعطيها هامشًا كبيرًا في المناورة السياسية وممارسة الضغط على الأحزاب الكبيرة من أجل الحصول على أكبر مكاسب ممكنة.

الانتفاضة هاجسهم:

وتأتي هذه الانتخابات التي اعتبرها الكثير من المراقبين الأهم في تاريخ الانتخابات اليهودية في ظل استمرار وتصاعد انتفاضة الشعب الفلسطيني المجاهد، التي دخلت يوم بدء هذه الانتخابات يومها الـ٣٣١ بكل ما حققته من إنجازات... خاصة على صعيد استنزاف الوجود اليهودي البغيض على الأرض الفلسطينية.

كما أخذت هذه الانتخابات بعدًا خاصًّا بسبب مراهنة بعض الأطراف الفلسطينية على فوز حزب العمل، وما يعنيه ذلك بالنسبة لها من إمكانية رفع الفيتو المرفوع في وجه مشاركتها في المؤتمر الدولي والتسوية السياسية للصراع في المنطقة... وبسبب الشعارات «المعلنة» التي رفعها حزب العمل وتبنيه موضوع السلام، وقد بلغت هذه المراهنات ذروتها أواخر أيام الحملة الانتخابية، حيث حاولت أطراف فلسطينية وعربية فعل «أي شيء» من شأنه ترجيح فرص فوز حزب العمل ويتجاوز الأثر السلبي لفك ارتباط الضفة الغربية... وفي هذا الإطار جاء النداء الذي وجه إلى الناخب «اليهودي» والنداء الذي وجه إلى الناخب العربي من أجل دعم الأحزاب اليسارية المؤيدة لعملية التسوية.

لكن يبدو أن المجتمع اليهودي الذي أقلقته الانتفاضة المباركة وجعلته يعيش في هاجس الأمن... شعر بأن خلاصه وأمنه سيكون بيد تكتل الليكود والأحزاب الدينية المتشددة التي تؤكد على ضرورة استمرار احتلال الضفة وغزة وعدم التنازل عن الأرض، والتي تعد بحل سريع وفعال لقمع وسحق انتفاضة شعبنا تحت الاحتلال.

كل الاحتمالات

ورغم أنه لم يتوصل أي من الليكود أو العمل إلى تشكيل الحكومة اليهودية- حتى كتابة هذه السطور- إلا أن الليكود يملك فرصة أكبر من غيره لتشكيل مثل هذه الحكومة خاصة في ظل تحالفه مع الأحزاب الدينية والأحزاب اليمينية.

ومع ذلك فإن الأبواب ما زالت مفتوحة لكل الاحتمالات التي ستحدد شكل حكومة العدو للأربع سنوات القادمة.

لذلك من غير المستبعد أن يتحالف شركاء الأمس مرة ثانية من أجل التخلص من ضغوط الأحزاب الصغيرة... كما أن هناك احتمالًا ضعيفًا بأن ينجح حزب العمل بتشكيل الحكومة في حال رضوخه تمامًا لشروط الأحزاب الدينية وتخليه عن فكرة المؤتمر الدولي التي ظن أنها ستدفعه إلى رأس الحكومة.

وسنكتفي بالحديث عن الاحتمال الأول والثاني محاولين استقراء برنامج وتوجهات حكومة العدو القادمة على هذا الأساس وبالتالي الخيارات المطروحة أمام منظمة التحرير في الحقبة القادمة:

برنامج العائد الجديد

رجوعًا إلى المبادئ والأسس التي يقوم عليها تكتل الليكود في تعامله مع القضية الفلسطينية ومن خلال تصريحات وتوجهات قادة هذا التكتل قبل وأثناء الحملة الانتخابية يمكن القول إن نتائج أية حكومة يشكلها هذا التكتل مع الأحزاب اليمينية والدينية هي:

١- استبعاد فكرة عقد المؤتمر الدولي... والتي تركزت كل التحركات السياسية الفلسطينية والعربية على ضرورة عقده باعتباره- من الناحية الرسمية الفلسطينية والعربية- الحل الوحيد للصراع في الشرق الأوسط... وكان حزب العمل قد أبدى نوعًا من المرونة تجاهه وكذلك الإدارة الأمريكية... وأصبح من المتوقع جدًّا لدى هذه الأطراف بعد فوز العمل أن يقوم بالتمهيد لعقد المؤتمر الدولي... وبمجيء حزب الليكود إلى السلطة فإنه يوجه ضربة قاسية للحالمين بتسوية سلمية عبر المؤتمر الدولي.

۲- تصاعد العنف والقمع اليهودي من أجل القضاء على الانتفاضة المباركة... وهذه المهمة الدموية ستكون أولى مهمات الحكومة القادمة... باعتبارها التحدي الكبير الذي يهدد الكيان اليهودي من أساسه، خاصة أن سمة التشدد والمطالبة بالعنف والقمع ضد السكان العرب هو الذي أعطى الليكود والأحزاب اليمينية والدينية هذا الرصيد الضخم من المؤيدين بسبب تأصل الحقد التوراتي في المجتمع والنفسية اليهودية... علمًا بأن الأحزاب اليهودية التي طالبت بطرد العرب بالقوة من الضفة الغربية والقطاع «الترانسفير» حققت مكاسب واضحة في الانتخابات، وكذلك الحال بالنسبة للأحزاب الدينية التي تتحدث عن أهمية عدم التفريط في الأرض لاعتبارات دينية توراتية... في حين أن حزب تحيا «من أحزاب اليمين» قد خسر أصواتًا لأنه لم يدعُ خلال حملته الانتخابية إلى الطرد الجماعي للفلسطينيين من أرضهم.

٣- استئناف بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة... وهذا ما دعا إليه شامير أثناء حملته الانتخابية وخلال حواراته مع الأحزاب الأخرى لتشكيل الحكومة... لتكون هذه الخطوة إشارة ورسالة مفهومة لدى كل الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية حول توجهات حكومة العدو القادمة وعدم رغبتها بالتنازل عن أي شبر من الأرض.

٤- وستستمر حكومة العدو القادمة في إجراءاتها من أجل حماية الحدود الشمالية، وهذا يعني استمرار ضرب المخيمات الفلسطينية في لبنان وقواعد الفلسطينيين حتى لا يرجع التواجد العسكري الفلسطيني ليشكل خطرًا على الكيان اليهودي مرة أخرى.

٥- وخلاصة القول في موضوع التسوية في حال تشكيل حكومة بين الليكود والأحزاب الصغيرة الأكثر تطرفًا أن الأرجح أن يلتزم الليكود بمبادئه التي رفعها... التنازل عن أي شبر من الأرض وبالتالي بعدم إعطاء أهمية لموضوع مباحثات السلام التي سيغلب عليها الجمود، مع إمكانية إجراء انتخابات بلدية أو أية صور شبيهة من أجل تهدئة الفلسطينيين، كما يمكن أن يوافق لهم على حكم ذاتي محدد ومقيد جدًّا... كما أنه من الوارد عودة الأصوات اليهودية التي تنادى بتسوية القضية الفلسطينية على حساب الأردن واعتبار أن الأردن هو وطن الفلسطينيين.

بشروط الليكود!!

أما في حال تشكيل حكومة ائتلافية بين العمل والليكود فالدلائل تشير إلى أن برنامج مثل هذه الحكومة سيميل إلى التشدد، وسيكون أقرب إلى برنامج الليكود منه إلى برنامج العمل الذي سيجد نفسه مضطرًّا لتقديم تنازلات من أجل إشراكه في الحكومة.. خاصة في ضوء المعلومات الكثيرة حول المشاكل والهزات الحالية داخل حزب العمل إثر إعلان نتائج الانتخابات حيث يدور جدل حاد داخل الحزب بين ما يسمى الحمائم بقيادة عايزر وایزمن والصقور بقيادة إسحق رابين... واحتمال إقالة زعيم الحزب شيمون بيريز المتهم بأنه سبب خسارة الحزب لأكثر من مرة... ومعنى ذلك أنه إذا نشأ تحالف بين الليكود والعمل فسيكون على قاعدة «مشروع إسرائيل الكبرى»، وهذا ما أشار إليه شامير بقوله: إن أي ائتلاف حكومي لليكود مع أي فئة سياسية أخرى ينبغي أن يستند إلى مبدأ «إسرائيل الكبرى»، خاصة وأن نتائج الانتخابات تجعل الليكود في وضع يستطيع أن يملي فيه شروطه.

الليكود... والتسوية

لكن يبقى هناك احتمال أشار إليه الخبراء في شؤون المنطقة مفاده عدم استبعاد قيام تكتل الليكود بالسير في الطريق الذي سعى له حزب العمل... أي القبول بتسوية ضمن مؤتمر دولي للسلام والتنازل عن أجزاء من الأرض لإقامة نوع من السلطة الفلسطينية المرتبطة بالأردن... ويستدل هؤلاء الخبراء على ما ذهبوا إليه بأن الليكود «المتشدد» هو الذي توصل إلى أول اتفاق سلام مع دولة عربية، مشيرين إلى اتفاقية كامب ديفيد مع مصر في عهد رئيس وزراء العدو السابق مناحيم بيغن، لكن هذا الاحتمال ضعيف في ضوء الاتجاه العام الذي يسود المجتمع اليهودي وهو التشدد والعنف، خاصة أن الأحزاب الصغيرة التي يمكن أن يتحالف معها الليكود تتبنى عدم التنازل عن الأرض لأسباب دينية مبدئية، بل وتطالب بتهجير أصحابها... كما أن الجناح المرشح للتحالف مع الليكود من حزب العمل هو الجناح المتشدد بزعامة رابين، حيث اعتبر بعض المراقبين فوز شامیر فوزًا غير مباشر لإسحق رابين في قيادة حزب العمل.

الخيارات الفلسطينية... والاختيار الصعب

والآن ما هي الخيارات الفلسطينية الجديدة؟!

إزاء الوضع الجديد في الكيان اليهودي فإن حسابات جديدة تقفز إلى برنامج الطرف الفلسطيني، الذي عبر قادته عن استيائهم لنتيجة انتخابات العدو لأنها تبدد فرص السلام في المنطقة... ولعل رجوع نبرة التصريحات المتشددة للبعض من أصحاب تصريحات «الواقعية السياسية» والاستعداد للمفاوضات والقبول بشرعية الكيان اليهودي بناء على قرار (۱۸۱) لسنة ١٩٤٧... محاولة للتلميح إلى الخيارات العديدة التي يمكن أن يلجأ إليها الطرف الفلسطيني مع عدم استبعاد أي خيار... ويمكن حصر هذه الخيارات بالتالي:

•الإصرار على المضي في مشوار السلام الذي التزم به الطرف الفلسطيني منذ عام ١٩٧٤، وهذا يقتضي الثبات على نهج التسوية واستمرار محاولات خطب ود الإدارة الأمريكية أو محاولات الظهور بالاعتدال والمرونة من أجل أن يكون هذا الطرف مقبولًا دوليًّا وصهيونيًّا... وحتى الوتيرة السابقة في التنازل لن تكون في الفترة المقبلة كافية أمام المستجدات في حكومة العدو القادمة.

وأقصى ما يمكن أن يحصل عليه الطرف الفلسطيني من كل هذا المولد هو حكم ذاتي مشترك مع الأردن لا يرقى إلى الدولة كاملة السيادة.

والحقيقة أن العدو يحاول ألّا يقطع آمال البعض بالحصول على شيء ويبقى يمنيهم ببعض الأعطيات إن هم قدموا هذا التنازل أو رضوا بذاك الشرط... وهكذا يعصرهم ثم يرميهم دون أن يعطيهم شيئًا ذا قيمة.

خيار الجماهير

•الخيار الآخر الذي يمكن أن يلجأ إليه الطرف الفلسطيني- وما زال في الوقت متسعًا له- هو خيار الجماهير الفلسطينية المجاهدة في فلسطين المحتلة... خيار الجهاد باعتباره الطريق الوحيد للتحرير... وهذا يستدعي ترك خيار السلام الموهوم والأطروحات السياسية والتسويات السلمية الهزيلة... وهذا الخيار يحتاج إلى إعادة الحسابات وترتيب الأوراق على أسس تنظيمية جهادية جديدة، وإعادة النظر بكل العلاقات والتحالفات على أساس إعطاء الأولوية لهذا الخيار، وما يقتضيه ذلك وبصورة عاجلة من العمل على تطوير انتفاضة الأهل في فلسطين المحتلة وتوفير كل مستلزمات ديمومتها وتعاظمها... وردفها بالأعمال العسكرية المنتقاة ضد مصالح اليهود في كل مكان داخل فلسطين وخارجها... وإعادة تنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في الساحة اللبنانية لتكون منطلقًا لأعمال الجهاد ضد الوجود اليهودي في الجنوب اللبناني والتسلل عبر هذه الحدود إلى فلسطين المحتلة... كذلك فإن بإمكان المنظمة أن تنشط على المستوى الرسمي العربي من أجل تهيئته لقبول هذا الخيار والدفع باتجاه انعدال الأوضاع العربية المقلوبة في التعامل مع القضية الفلسطينية، لإعادة القضية كقضية للجماهير العربية والإسلامية التي عُزلت عن شعب فلسطين وقضيته... وبالجملة العودة لممارسة الدور التعبوي لهذه الجماهير لحشدها في المعركة المصيرية القادمة.

وبلا شك أن الخيار الأخير صعب ودونه عقبات عديدة دولية وعربية... لكننا نعتقد أنه الطريق الموصل... ولو طال الزمن وعظمت التضحيات وكثرت المؤامرات... وغيره من الطرق قد توصل... ولكن ليس إلى فلسطين بل إلى القفز عن أي شيء اسمه فلسطين وفلسطينيون.

الطرق الأخرى طرق سريعة ومعبدة ولكن إلى العصر اليهودي البغيض!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل