العنوان الهجوم على الحجاب.. نظرة تاريخية في الصحافة الكويتية..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1983
مشاهدات 68
نشر في العدد 617
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 19-أبريل-1983
المفسدون في القرآن
إنها
القضية التي تتكرر دائمًا على مدار العصور، قضية الصراع بين أهل الحق دفاعًا عنه
وبين أهل الفساد دفاعًا عنه، ولأهمية هذه القضية جاءت في صدر القرآن الكريم موضحًا
سبحانه وتعالى طبيعة المفسدين في الأرض عندما قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي
الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: ١١، ١٢).
إنه
انطماس الفطرة؛ حيث إنهم مفسدون وينصحهم أصحاب الحق بالإقلاع عن الفساد، ولكن
يحسبون أنهم مُصلحون، وذلك أن الشيطان زَيَّن لهم أعمالهم فحسبوها
تقدمية حضارية راقية، وذلك ما ذكره الله سبحانه عنهم ﴿أَفَمَن
زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن
يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر: ٨).
الدستور والدين:
جاء
في المادة الثانية من الباب الأول من دستور الكويت «دين الدولة
الإسلام» وجاء في المادة الثانية عشر من الباب الثاني «تصون الدولة
التراث الإسلامي والعربي» وجاء في المادة (۳۰) من قانون المطبوعات والنشر رقم (۳) لسنة ١٩٦١ «أو نشرت أراء تتضمن
سخرية أو تحقيرًا أو تصغيرًا لدين أو لمذهب ديني عوقب رئيس التحرير وكاتب المقال
بالعقوبة المُقررة في قانون الجزاء للجريمة التي ارتكبت».
ومع
توافر هذه المواد ووضوحها، إلا أننا لا نجد تطبيقًا لها وهي بحكم المعدومة، فلذلك
كان الخط البياني للطعن بالدين والاستهزاء في أحكامه من الجَهَلَة والسفهاء، أخذ
بالارتفاع في معظم صحف الكويت، وحتى لا نكون مغالين أو متهمين أحد بدون دليل آثرنا
أن نعرض هذه النقولات من الصحف ذاتها التي شاركت في حملة الهجوم على الحجاب، وذلك
كنموذج فقط، ولن نتطرق لموضوع التهجم على الأحكام الأخرى لأننا سوف لا ننتهي، وسوف
نتناول الموضوع على شكل تاريخ ونأخذ من كل عقد سنة أو أكثر كمثال فقط وليس
على سبيل الحَصْر.
مقدمة
لا
شكّ أن أوائل البعثات في الأربعينيات إلى مصر وغيرها كان لها أكبر الأثَر في تخريج
مجموعة من الصحفيين الذين لمعوا في الكويت عندما رجعوا إلى أرض الوطن بعد انتهاء
دراستهم، وكان لمجلة «البعثة» التي تصدر عن «بيت الكويت» في مصر والذي صدر
العدد الأول منها عام ١٩٤٦، أكبر الأثر في تنشئة مجموعة لا بأس بها من أصحاب
الأقلام، وبعض هؤلاء تأثر بالشعارات التي كانت مرفوعة آنذاك فأراد عند عودته لأرض
الوطن أن ينشر مثل هذه الشعارات في الصحافة الكويتية، وفي الشعارات المطروحة في ذلك
الوقت «تحرير المرأة».
أولًا- الخمسينيات:
١- ١٩٥٣- و«الرائد»
هي أول مجلة تتجرأ وتنقد الحجاب في محاولة منها لنشر شعار «تحرير
المرأة» وذلك عندما نشرت مضمون الندوة التي حاولت فيها بعض فتيات الكويت، واللاتي
قد درست بعضهن في الخارج التمرد على عادات الكويت وتقاليده ورفض لبس الحجاب، وكانت
الندوة تحت اسم «ندوة المحجبات»، فتحدثت الرائد معلقة على هذه الندوة سنة
١٩٥٣ «لأول مرة في تاريخ الكويت، بل في تاريخ جزيرة العرب كله، على ما نعلم تجتمع
في ندوة خاصة آنسات كريمات من بيوتات كريمة فيتحدثن بصراحة وحِكمة عما يختلج في
نفوسهن الأبية من خواطر، ويعرضن لمسألة السفور والحجاب عرضًا يغبطهن عليه كل مثقف
في هذا البلد و«الرائد» حين تسجل هذا الحدث الخطير على صفحاتها فإنها تحيي
هذه الجرأة المحمودة من فتياتنا الكريمات وتؤكد مرة أخرى كما أكدت مرات عديدة،
أنها ستظل حربًا لا هوادة فيها على كل رجعية تحول دون انتشار نور العِلم والمعرفة
فإلى الأمام يا فتيات الكويت»(۱).
وواضح
من العبارات رائحة اليسار، ومنذ متى كان يخطط في انتزاع الحجاب من المرأة
الكويتية، في زمن لم تكن المرأة الكويتية تعرف شيئًا سِوى العبادة، حتى إنه كان
يضرب بها الأمثال في الدول المجاورة لمبالغتها في الحجاب..
٢ – ١٩٥٥.. صدرت مجلة الإيمان عام ١٩٥٣ من النادي الثقافي القومي، ثم صدرت نشرة
عنها سُميت باسم «صدى الإيمان» وكانت مقالات الهجوم على الحجاب فيها أوضح
وأجرأ من مجلة الرائد، ومن المقالات التي كتبت في ذلك مقال «تأييد السفور»
ومقال «ساعدونا يا رجال» بقلم إحداهن -والمقالات في عدد مارس ١٩٥٥.
ثانيًا- الستينيات:
وتختلف
هذه المرحلة عما سبق بالتركيز في الهجوم على الحجاب.
١- سنة
١٩٦١..
حتى
تلك السنة لم تكن الفتاة الكويتية بعد قد دخلت في المجال العملي، فكيف يستطيع
المفسدون نزع حجابها وهي بعد مازالت في البيوت، فأوحى لهم الشيطان التركيز على
ثلاثة أمور هي: (العلم، العمل، الاختلاط)، فقاموا في مقالاتهم يركزون تركيزًا
دقيقًا على هذه الأمور منذ ذلك الحين إلى زماننا هذا، حتى نجحوا منذ بداية الستينيات
ومنتصف السبعينيات بأن يجعلوا معظم فتيات الكويت مُتبرجات وذلك ما
كانوا يريدون..
ففي
سنة ١٩٦١ كتبت جريدة «الهدف» مقالًا تحت عنوان «مستقبل الكويت لابد أن
يكون لأبنائه الشباب والبنات معًا» لكاتب غير كويتي -جاء فيه:
«ولكننا علمنا الفتاة الكويتية لتلزم بيت أبيها أو بيت الزوجية لتبقى ربة من ربات
الخدور لتسري عن زوجها كما كانت تفعل شهرزاد مع مليكها شهریار» ثم يقول بخبث: «لماذا
نبيح العمل لفتاة غير كويتية ونمنعه عن فتاة كويتية، لنجب على هذا السؤال بصراحة؟»
ثم يقول: «أمر من اثنين إما أننا لا نثق في خلق الفتاة الكويتية ونثق في
غيرها، أو أن تكون غير الكويتية على خلق أو على نقيضه والمزيد من النقيض لا
يهمنا لأنها ليست منا ونخاف على بناتنا أن يسرن على هذا النقيض.
عذران
وكل من العذرين أقبح من ذنب، إذ كيف لا نثق في خلق الفتاة الكويتية وما هي إلا بنت
أحدنا أو أخته أو بنت عمومة أو خؤولة». ويكمل المقال مشجعًا وحاثًا أولى الأمر
بالسماح للفتاة الكويتية بالعمل والاختلاط.
٢- سنة
١٩٦٢..
وفي
صحيفة الوطن في صفحة «نصفنا الناعم» وتحت عنوان «ما الفرق؟» جاء فيه: «الحياة
التي تمارسها الفتاة الكويتية والسيدة الكويتية هنا في الكويت تختلف كل الاختلاف
عن الحياة التي تمارسها في لبنان أو دمشق أو غيرهما حين تذهب للاصطياف في فصل
الصيف، ففي لبنان أو دمشق لا يمكن أن تميز بين الفتاة الكويتية وبين أرقى الفتيات
في أناقة المظهر؛ إنها هناك تتمسك بأصول الإتيكيت كأكثر مما تتمسك به الفتاة
العصرية الراقية، إنها هناك تنطلق على سجيتها تفرح وتمرح وتغشى المحلات والأسواق
والمُنتزهات مع محافظتها التامة على قواعد السلوك وتعاليم الأخلاق، ثم يقول: «فلماذا
لا تنطلق هنا على سجيتها؟ لماذا تبدو الفتاة الكويتية هنا وكأن سلسلة غليظة من
الحديد تشد قدميها؟ إن من أبرز وجوه نهضة الكويت أن تبدو الفتاة الكويتية هنا كما
تبدو تمامًا في الخارج عندما تُغادر البلد لقضاء فصل الصيف»(۲).
وقد
رسم على الصفحة فتاة تلبس العباءة، وفي نفس الصفحة صور لثلاث نساء مُتبرجات
بموديلات فساتين للصيف، كتب فوق الصور: «أزياء للصيف مُحتشمة».
٣- سنة
١٩٦٥ «احذروا العباءة»:
وكان
ذلك في مقابلة مع أحدهم في مجلة «أسرتي» تحت مانشيت كبير كتب في منتصف
الصفحة «احذروا العباءة» قال ذلك المثقف: «أود أن أعبر عن إيماني المطلق
بالمساواة بين الرجل والمرأة وبدون حدود» ثم قال «أما بالنسبة لحق الانتخاب
فستثور صعوبة عملية في التطبيق ذلك أن ارتداء بعض النسوة للعباءة حتى الآن يجعل من
الممكن التلاعُب لصالح المرشحين وذلك بأن تستغل هذه العباءة لتصوت المرأة المحجبة
أكثر من مرة بل مرات عديدة» ثم قال: «لو تيسر لي أن ألغي جميع التقاليد
البالية بقانون لما ترددت في سن هذا القانون، فنحن بالفعل في حاجة إلى ثورة
للقضاء على تقاليدنا البالية ومن الخطأ التعويل على الزمن»(٤).
٤ - سنة ١٩٦٨..
وفي
هذه السنة هطل سيل من المقالات في الصحافة الكويتية بشأن الاختلاط كثر
فيه السب والشتائم لمعارضي الاختلاط، وفي أحد المقابلات التي أجرتها مجلة
الطليعة مع إحدى الفتيات اللاتي يؤيدن الاختلاط قالت «أنا أرى في الاختلاط
حقاً من حقوقنا، وأرى أنه يصقل كلا من الفتى والفتاة ويغذي تجاربهما العلمية». ثم
قالت: «لست أدري لماذا يخافون الاختلاط ولماذا يعتبرون دعوتنا هذه دعوة
للفجور! إننا عندما نطالب بالاختلاط نطالب به لأنه ضرورة من ضروريات الحياة
الجامعية تمامًا كضرورة الأساتذة والمراجع»(٥).
وفي
مقال آخر في نفس المجلة بعنوان «الاختلاط بجامعة الحريم وجامعة الرجال» وكتب
في مانشيت آخر بجانبه «هل من الضرورة أن يكون الشيطان ثالثًا كلما التقى طالب
بزميلته» ومما جاء في المقال: «يقال إن موضوع الجامعة قد استغل من فئة تريد
أن تثبت وجودها السياسي، حيث قامت بالعمل على فرض منع الاختلاط مدعية أن الدين
يُحرم الاختلاط ومستغلة الحديث الشريف: «ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان
الشيطان ثالثهما» ومستغلة التقاليد المتخلفة التي كانت راسخة في مجتمعنا»(٦).
ثالثًا- السبعينيات:
١- سنة
١٩٧١..
جاء
في صحيفة «الهدف» وفي زاوية «خواطر للبصير» تحت عنوان «ثم هزمهم الزمن»
جاء فيه: «وليس من شك أن التعليم المشترك سيتغلب إن لم يكن في هذه الأيام ففي
الأيام المُقبلة، فنحن نعرف أن معركة حامية جرت بين الذين يقولون بالحجاب والذين
يقولون بالسفور، وأن الذين يقولون بالحجاب قد كفروا الذين يقولون بالسفور وأن
الغلبة قد كانت في مبدأ الأمر للذين يقولون بتحجب المرأة ومنعها من الخروج، لكن
الأمور قد تغيرت، ثم كان الانتصار للقائلين بالسفور» ثم يقول: «وحيث مثلما
حدث في معركة الحجاب والسفور انتصر المتخلفون فكريًا أول الأمر ثم هزمهم الزمن فيما
بعد».
وجاء
في عدد آخر لنفس الصحيفة كاريكاتير فيه رجل دين بيده اليمنى أوراق اللعب ومن حوله
فتيات عاريات بالمايوه وعلى المائدة زجاجة الخمر وإحداهن تسقيه خمرًا والأخرى
تعطيه قطعة من اللحم وهو يقول: «لا بلاش لحم الخنزير أحسن حرام»! وفي
نفس الصفحة مقال عن الاختلاط جاء فيه «إن الاختلاط أمر آت إن عاجلًا أو
آجلًا، فعجلة التقدم لا يمكن أن تسير إلى الوراء، وفي الوقت الذي يخترق
فيه الإنسان الآفاق الكونية ليصل إلى القمر دون تفرقة بين رجل وامرأة لا يمكن أن
يكون موضوع الاختلاط شعارًا لمعركة أرادتها الفئات الرجعية الدينية في
الكويت وخططت لها»(۷).
الهجوم
بالكاريكاتير على الحجاب:
وفي
نفس هذا العقد رسم ناجي العلى كاريكاتيرًا في السياسة من عدة صور عن المحجبات
يستهزأ بالحجاب واللحية، وعندها ثارت ثائرة الشعب وقامت الاحتجاجات من كل مكان؛
مما اضطر القائمين على الصحيفة لترحيله عن الكويت، ثم عاد بعد مدة قصيرة ليزاول
عمله بصحيفة أخرى، وهكذا يستهزئ ويلعب بمشاعر المسلمين!
رابعًا- الثمانينيات:
ولا
أريد أن أتحدث عن هذه الفترة فمازالت المقالات حية بين أيدي الناس وأتركهم كمثال
ليروا زاوية الله بالخير لمدة سنة مُنصرمة، وسيلاحظ مدى الهجوم الساخن
والاستهزاء الواضح بالحجاب.
قضية مهمَّة:
نقول
إن هذه القضية من أهم القضايا ولا يوجد أهم من قضية الاستهزاء بأحكام الدين؛
لذلك يحاول خصوم الحجاب أن يصوروا للناس أن قضية الحجاب قضية فرعية لا يجب
الاهتمام بها، وأن الكلام عنها تضييع لوقت المسلمين وإشغالهم بأمور فرعية وهذا
خطأ، ولابُدَّ لمجلس الأمة من إثارة هذه القضية خاصة عندما زادت الجرأة عما كانت
عليه بالسابق. دون أن يروا -أولئك المفسدون- رادعًا، ومن أمن العقوبة تمادى
بالجريمة، والله الموفق.
(١) الرائد
عدد نوفمبر ١٩٥٣.
(۲) الهدف- عدد ٣٨ بتاريخ
٦/ ١٢/ ١٩٦١.
(۳) الوطن- ٢٦/ ٦ / ٦٢ ص ١٢ .
(٤) أسرتي
٢٣/ ٧/ ١٩٦٢.
(٥) الطليعة
العدد ٢٥٣ سنة ١٩٦٨.
(٦) الطليعة
العدد ٢٥٧ سنة ١٩٦٨.
(۷) الهدف العدد ٥١٨، ٢٥/ نوفمبر ۱۹۷۱.