; حاجة البشرية إلى الحكـم بشريعة الله (٢من 4) | مجلة المجتمع

العنوان حاجة البشرية إلى الحكـم بشريعة الله (٢من 4)

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996

مشاهدات 68

نشر في العدد 1212

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 13-أغسطس-1996

الأسباب التي انتهت بالبشرية إلى الواقع الذى نعيشه الآن

● لقد سادت بيننا طائفة من المفاهيم والتصورات الخاطئة وشكلنا سلوكنا في الحياة طبقًا لها؛ كانت النتيجة هذا الواقع المرير الذي يحيياه المسلمون اليوم.

● الإسلام لم يُحرِّم الدنيا على الناس ولم يمنعهم منها.. وإنما وضع ضوابط للتعامل معها.

● إهمال أصول وقواعد المنهج العلمي والإسلامي في التعليم والتعلم فتح الباب أمام التقليد والهوى وأدي إلى التنازع والفرقة.

لا شكَّ أن هناك أسبابًا وبواعث انتهت بالبشرية عمومًا، وبالأمة المسلمة على وجه الخصوص إلى الواقع الذي نعيشه الآن، ويمكن إجمال هذه الأسباب في الإعراض عن حكم الله، والتحاكم إلى المناهج التي هي من صنع البشر.

أما تفصيلًا فإن السبب الذي انتهى بالبشرية إلى ما هي عليه الآن، إنما يرجع إلى تخلي المسلمين عن مركز القيادة والإمامة للبشرية، مع الخلل الذي وقع في بنية هذه الأمة المسلمة على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجماعي. 

إذ إن ذلك التخلي جعل البشر ينطلقون دون أن تكون قوة أمينة تكبح جماحهم وترشدهم إلى ما فيه صلاحهم، وصلاح غيرهم معهم، فوضعوا لأنفسهم المناهج الأرضية أو أفسدوا المناهج السماوية، ولم يلتزموا بما فيها بل تمردوا عليها بسبب تعاليم الكنيسة الجامدة، وتحكم جماعة الرهبان والقساوسة في رقاب الناس، وطغيان الملوك والحكام باسم الدين والكنيسة، وانتهى هذا التمرد بفصل الدين عن الدولة، وكان هذا الواقع الذي ذكرنا آنفًا 

وقد عبر عن ذلك الكاتب الإسلامي المعروف الأستاذ أبو الحسن الندوي من خلال عنوان لكتاب من كتبه هو «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»؟، بل قال صراحة: 

«بانسحاب المسلمين من ميدان الحياة وتنازلهم عن قيادة العالم وإمامة الأمم، وبتفريطهم في الدين والدنيا، وجنايتهم على أنفسهم وعلى بني نوعهم أخذت أوروبا بناصية الأمم، وخلفتهم في قيادة العالم، وتسيير سفينة الحياة والمدنية التي اعتزل ربانها، ويذلك أصبح العالم كلهـ باسمه وشعوبه ومدنياته. قطارًا سريعًا تسير به قاطرة الجاهلية والمادية إلى غايتها، وأصبح المسلمونــ كغيرهم من الأممــ ركابًا لا يملكون من أمرهم شيئًا، وكلما تقدمت أوروبا في القوة والسرعة وكلما ازدادت وسائلها ووسائطها، ازداد هذا القطار البشري سرعة إلى الغاية الجاهلية، حيث النار والدمار والاضطراب والتناحر، والفوضى الاجتماعية والانحطاط الخلقي، والقلق الاقتصادي، والإفلاس الروحي، وها هي أوروبا تستبطئ الآن أسرع قطار، وتريد أن تصل إلى غايتها بسرعة الطائرة، بل بسرعة القوة الذرية»[2]

وأما الأسباب التي انتهت بنا نحن المسلمين إلى الواقع المرير الذي نعيشه الآن فهي: 

السبب الأول: شيوع الجهل، أو على الأقل اختلاط المفاهيم:

فقد سادت بيننا طائفة من المفاهيم والتصورات غير الصحيحة أبدًا، أو الخاطئة وشكلنا سلوكنا في الحياة تبعًا لهذه المفاهيم وتلك التصورات وكانت النتيجة هذا الواقع السيئ أو المرير الذي نحياه نحن المسلمين اليوم، وعلى سبيل المثال لا الحصر لم نعد نفرق بين العلوم العينية والعلوم الكفائية، وحتى لو فرقنا بينهما لم نعد ندري كيف ترتب الأولويات بينهما، وبالمثل لم نعد نفرق بين الواجبات العينية والواجبات الكفائية، وأيهما الأولى بالتقديم على الآخر عند ضيق الإمكانات والوقت، وقلة ذات اليد.

وفهمنا الجهاد بمعناه العرفي وهو الضرب بالسيوف والطعن بالرماح والرمي بالسهام، أو ما يقوم مقام هذا مما ابتكرته المدنية المعاصرة من أسلحة وآلات حربية ولم ننتبه لمعناه الشرعي، وهو بذل أقصى ما في الطاقة والوسع من أجل إعلاء كلمة اللهـ عز وجل. 

وفهمنا الإنفاق في سبيل الله بمعناه العرقي، وهو بذل المال. وأغفلنا المعنى الاصطلاحي وهو بذل البر والمعروف أيًا كانت صورته ابتغاء وجه الله والطمع في جنته ورضوانه. 

وفهمنا الأمانة بمعناها العرفي، وهو حفظ المال، وأداؤه لأهله كما أخذ كاملًا غير منقوص، وأهملنا المعنى الاصطلاحي، وهو كل ما ائتمننا الله- عز وجل– عليه من الدين والدماء، والأموال والأعراض والنسل أو الذرية. 

وفهمنا اليتم بمعناه العرفي، وهو موت الأب قبل وصول الولد سن البلوغ، ونسينا المعنى الاصطلاحي، وهو انقطاع أو غياب العائل أو الراعي سواء أكان الأب حيًّا أو ميتًا.

وفهمنا كفالة اليتيم على أنها دفع المال له فقط ونسينا كفالة اليتيم بمعنى رعايته وتربيته، وتهيئة البيئة أو الجو المناسب له. 

وفهمنا تربية الأولاد على أنها تعليم الأولاد فقط، ونسينا أن تربية الأولاد تعني تهيئتهم وإعدادهم لأداء دورهم ورسالتهم في الأرض عندما يصلون إلى سن التكليف أو البلوغ.

وفهمنا العبادة على أنها تلقين العقيدة فقط، مع إهمال ما عداها من أصول هذا الدين وفروعه، أو فهمناها على أنها التنشئة على أداء الشعائر أو العبادات المخصوصة، وإهمال باقي الإسلام أو على أنها حسن الخلق، مع إهمال حسن النية والإخلاص، وباقي تعاليم الإسلام، أو على أنها النظم

والتشريعات مع إهمال أصل هذه النظم وتلك التشريعات، ألا وهو العقيدة، وما يغنيها ويقويها من العبادات المخصوصة وحسن الخلق، وسائر أعمال البر، أو على أنها الانقطاع في المسجد وإغفال الحياة الدنيا، أو على أنها أخذ هذه الحياة الدنيا منقطعة عن الإسلام. 

وفهمنا الطهارة على أنها التخلص من النجاسات والأوساخ والأقذار الظاهرة حقيقة كانت أو حكمًا، وأهملنا طهارة الباطن مع أنها أساس طهارة الظاهر. 

وفهمنا قيام الليل على أنه الصلاة فقط، ناسين أو متناسين الدعاء والضراعة إلى الله الرؤوف الرحيم.

وفهمنا الزكاة على أنها صدقة الفطر، أو صدقة التطوع ناسين أو متناسين أنها مال مفروض ينقل من يد الأمة المستغنية إلى يدها المحتاجة بشروط مخصوصة ابتغاء وجه الله.

وفهمنا الصيام على أنه طاعة يجب معها تخفيف ساعات العمل اليومي والتقصير في أداء الواجب ناسين أو متناسين أن الصيام طاعة مخصوصة بكيفية معلومة تجب معها زيادة ساعات العمل، وإتقان أداء الواجب مفاهيم كثيرة من صنع الغزو الفكري من ناحية، ومن تقصيرنا– نحن المسلمين ولاسيما العلماء، من ناحية أخرى، وتدور هذه المفاهيم غير الصحيحة أو الخاطئة غالبا حول القرآن الكريم- الحديث النبويـ اللغة العربية– التاريخ الإسلامي- النظم التعليم ومعاهده، وعلى رأس هذه المعاهد الأزهر. 

السبب الثاني: عدم اتباع الضوابط الشرعية في التعامل مع الدنيا:

وذلك أن الإسلام لم يحظر أو لم يحرم الدنيا على الناس، ولم يمنعهم منها، وفي ذلك يقول رب العزة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:32) ولكنه وضع ضوابط التعامل معها، وأهم هذه الضوابط: 

1- أن تكون هذه الدنيا من حلال؛ إذ يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾(البقرة: 168) ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾(المؤمنون:51).

ب ـ وأن تكون هذه الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، بحيث تصفو هذه القلوب ولا يكون لها اهتمام ولا شغل إلا الله سبحانه وتعالى، إذ يقول سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ ( إبراهيم: 3:٢) ﴿وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾(النحل: ١٠٦-107) وإذ يقول ﷺ «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن– أعطي رضي، وإن لم يعط سخط تعس وانتكس، وإن شيك فلا انتقش...»[3] (۲) 

الحديث، وقلما ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه «اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا، من لا يرحمنا»[4].

ج –وأن تؤدي حق الله فيها؛ إذ يقول سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(التوبة: 103) ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: ٢٤-25).

د – وأن تؤخذ باعتدال وتوسط فلا تقتير ولا إسراف، إذ يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: 87-88) ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29).

هـ ــ وأنه لا تنافس فيها، فقد قدر الله الأرزاق والأقوات بحيث لا يفوتك شيء هو لك ولا تجمع أو تحصل على شيء هو لغيرك ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾(فاطر: 2) وقول رسول الله ﷺ: «إذا نظر أحدكم إلى مَنْ فَضَل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه»[5]، وفي رواية: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر الا تزدروا نعمة الله عليكم[6].

وحين لم نراع- نحن المسلمين-هذه الضوابط ونحن نتعامل مع الدنيا أصابتنا هذه الدنيا بعلها وآفاتها فمثلًا حين أكلنا الحرام تكاسلنا عن الطاعات وأعمال البر والمعروف بل على النقيض انطلقت جوارحنا لتكرع من المعاصي والسيئات، وحين جعلنا هذه الدنيا في قلوبنا ركنا إليها واطمأنننا بها وتركنا الجهاد، الأمر الذي أدى إلى ما نحن فيه من ذل وهوان. 

وحين لم نؤد حق الله من هذه الدنيا أصابنا القحط، وأكلنا الجوع، وحين لم نأخذ الدنيا باعتدال كان الشح أو السرف، وكلاهما عرضنا لغضب الله وسخطه، وهكذا أوقعنا عدم اتباع الضوابط الشرعية في التعامل مع الدنيا أوقعنا ذلك في شرك الدنيا وفخها وكان الذل والهوان الذي نحياه نحن المسلمين اليوم.

السبب الثالث: إهمال أصول وقواعد المنهج العلمي الإسلامي في التعليم والتعلم:

وذلك أن هناك أصولًا وقواعد للمنهج العلمي الإسلامي في التعليم! والتعلم أهم هذه الأصول، وتلك القواعد:

1- التأكيد على الدليل ونبذ التقليد، إذ يقول سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111) ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179).

ب– أن مصادر المعرفة الوحي والعقل، ولكل مجاله الذي يعمل فيه. وإدخال كل واحد منهما في مجال عمل الآخر يؤدي إلى خلل وفساد لا نهاية لهما.

ج ـ الغاية من التعليم والتعلم هي الظفر برضوان الله وجنته، إذ يقول ﷺ: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار»[7]«من تعلم علمًا مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»[8]

د- إذا تعارض العلم اليقيني القطعي مع العلم الظني التخميني، ولم يمكن الجمع بينهما، فالعلم القطعي اليقيني مقدم على العلم الظني التخميني، فمثلًا بين الله في كتابه أن أصل الإنسان الطين، إذ يقول سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: 7-9) وهذا بالتأكيد قطعي يقيني، إذ هو خبر من الله الذي يعلم السر وأخفى وقال نفر من الغربيين إن أصل الإنسان قرد، وذلك كلام ظني تخميني، لأنه تصور بشر عاجز قاصر لا يدري ما هو ولا يدري مصلحته وواضح أن هناك تعرضًا ولا يمكن الجمع، فلم يبق إلا ترجيح القطعي اليقيني على الظني التخميني. 

هذه غالبًا هي أصول المنهج العلمي الإسلامي في التعليم والتعلم، وعندما أهملنا هذه الأصول كانت مضار ومفاسد لا حصر لها، فمثلًا ترتب على ترك الدليل اتباع الهوى والتقليد، الأمر الذي أدى إلى التنازع والفرقة، فضلًا عن حلول غضب الله وسخطه وترتب على عدم تحديد مصادر المعرفة بدقة أن أهملت بعض حساب البعض الآخر، فأهمل الوحي على حساب العقل وصار العقل يتدخل في: قضايا ليست من شأنه ولا من اختصاصه كتدخله في البحث عن حقيقة الذات الإلهية، وهل الإنسان مسير أم مخير؟ مجبور مضطر أم حر مختار؟ وكتدخله في تفاصيل اليوم الآخر وهل البعث للمروح أم للجسد أم للروح والجسد معًا؟

 وهل الثواب والعقاب في الآخرة مادي أو معنوي أو مادي ومعنوي معًا؟

والعقل حين تدخل في هذه القضايا شغل بها عن اختصاصه الحقيقي وهو التأمل في النفس والكون لتحصيل الإيمان واليقين، ثم عمارة الأرض وترتب على نسيان الغاية من التعليم والتعلم، وهي الظفر برضوان الله وجنته أن صار العلم سببًا في الإعجاب بالنفس والغرور، والاستعلاء والتكبر، الأمر الذي أدى إلى الفرقة والتمزق ثم وقوعنا فريسة في أيدي أعدائنا، وهكذا صار إهمال أصول وقواعد المنهج العلمي الإسلامي للتعليم والتعلم سببًا من أسباب هذا الواقع السيئ المرير الذي نحياه نحن المسلمين اليوم. 

السبب الرابع: إحياء العصبية الجاهلية:

فقد بنت الجاهلية قبل الإسلام أمرها على أساس من العصبية للجنس، والوطن أو الأرض، وبذلك كان هناك التمايز الطبقي الذي أدى إلى الأحقاد والضغائن ثم التمزق والفرقة ولما جاء الإسلام ألغى ذلك كله وأبدله بالولاء الكامل لله ولرسوله، وللمؤمنين، فقال سبحانه: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة:22)، وفي ظل هذا الولاء الجديد صار العبد أخًا للسيد والمولى أخًا للشريف، والغني أخًا للفقير والقوي أخًا للضعيف، والعربي أخًا للأعجمي من غير فرق.

وإذا كان من فرق فأساسه التقوى وصالح العمل؛ إذ يقول سبحانه ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13).

ومضت الأمور على خير حال: المسلمون القلب الواحد والروح الواحد والفكر الواحد والمشاعر الواحدة والصدور إنما هي عن رأي واحد وإن تعددت الأجساد حتى دخل في الإسلام أقوام لم يتمكن الإسلام من قلوبهم، وآخرون كانت لهم عروش وسلطان قبل الإسلام، وقد زالت هذه العروش، وتحطم ذلك السلطان أمام قوة الإسلام وعز عليهم ذلك فأظهروا الإسلام وأبطنوا بقايا الجاهلية إلى أن حانت الفرصة بتوليهم بعض العمالات والوظائف فأخذوا يقربون بعض من كان على شاكلتهم وإن كانوا ضعفاء، ويحولون دون الأقوياء الأكفاء الصالحين الذين ليسوا على شاكلتهم، فقدم الضعيف وآخر القوي، وكانت الخيانة العظمى لله ولرسوله وللمؤمنين؛ حيث وقعت الخصومة والفرقة، وقل العمل، والإنتاج، وفي ذلك يقول النبي ﷺ «من استعمل على عصابة رجلًا وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين»[9] (۸).

السبب الخامس: عدم رعاية الضوابط الشرعية في التعامل مع الأعداء:

ذلك أن طبيعة الحياة تقتضي أن يكون هناك لون من التعامل مع الأعداء ولم يحظر الإسلام ذلك، وإنما نظمه، وضبطه بضوابط معينة، وخلاصة هذه الضوابط: 

1-البر والعدل مع العدو غير الحربي: أي الذي له عهد وذمة وأمان، كما قال سبحانه: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة الممتحنة: 8].

الإسلام لم يُحرم الدنيا على الناس ولم يمنعهم منها... وإنما وضع ضوابط للتعامل معها: 

 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة: 8]، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ ﴾ [ سورة المائدة: 2].

 ب– عدم موالاة الكافرين بمعنى صحبتهم واتخاذهم أخلاء والإفضاء إليهم بالأسرار حتى وإن كانوا مسالمين، إذ يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (الممتحنة:1).

ج- خلو جزيرة العرب من أي دين أو نحلة إلا من الإسلام باعتبار أنها قلب ديار المسلمين، ومركز الحكومة، فينبغي أن يتوفر لها كل ما يعين على حفظ أسرار المسلمين، ويوفر لهم الأمن والسلامة، إذ يقول- ﷺ: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»[10].

د - الحذر والحيطة في معاملة هؤلاء الأعداء: حتى وإن كانوا مسالمين لأنهم كما أخبر رب العزة عنهم ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (الممتحنة:2) ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف:20)، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة: 109) ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (النساء:89) ... ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ (النساء: 102).

 وإذا كان كذلك فلابد من الحذر والحيطة في معاملتهم، إذ يقول رب العزة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء:71)، ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: 49).. ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء:102) ولما راعي المسلمون الأوائل هذه الضوابط سلمهم الله من شر هؤلاء الأعداء وعزوا وسادوا، وحين أغفلنا نحن مسلمي اليوم هذه الضوابط أصابتنا سموم ونيران هؤلاء الأعداء حيث أوقعوا في صفوفنا الفرقة والتمزق عن طريق الوشايات، وبث الشائعات ثم طردونا من دارنا، وحلوا محلنا، وكان ما لا تحمد عقباه.

السبب السادس: غياب الأسوة والقدوة:

ذلك أن وظيفتنا نحن المسلمين كما قدمنا هي الشهادة على العالمين، أي قيادة العالمين إلى ما فيه خيرهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، ومقتضى ذلك أن نحقق في الأرض: 

أ– الدعوة إلى الخير وإرشاد الناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور.

ب– الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن لا ينفعه النصح، ولا يجدي معه الإرشاد. 

ج– قتال الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا ووسيلتنا إلى ذلك هي الأسوة والقدوة المتمثلة في:

أـ عمارة الأرض والانتفاع بكل ما وضعه الله– عز وجل– تحت أيدينا.

ب– تقوى الله في السر والعلن في كل الظروف، وفي سائر الأحايين.

وقد راعى المسلمون الأوائل هذه الأسوة والقدوة فكسبوا رضوان الله وكان من رضوان الله عليهم أن منحهم هيبة ووقارًا في قلوب أعدائهم، فعملوا لهم ألف حساب وحساب. 

وأهملنا نحن مسلمي اليوم هذه الأسوة والقدوة، فحل علينا غضب الله، وكان من هذا الغضب ذهاب هيبتنا ووقارنا من قلوب عدونا، بل إلقاء الوهن في قلوبنا، الأمر الذي انتهى بنا اليوم إلى ما نحن فيه من ذل وهوان

السبب السابع: إهمال واجب الشهادة على العالمين:

ذلك أن واجب الشهادة على العالمين يقتضي كما قدمنا

أـ أن ندعو العالمين إلى الخير، ونأخذ بأيديهم لنخرجهم من الظلمات إلى النور.

ب- ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر كل من لا يجدي معه نصح، ولا يفلح معه إرشاد. 

ج ـ ونقاتل الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا ولما راعي المسلمون الأوائل هذا الواجب وجعلوه شغلهم الشاغل رضي الله عنهم، ومكن لهم في الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ( النور:55) وحين أهملنا نحن المسلمين اليوم هذا الواجب نزع الله القيادة من أيدينا وسلمها للكافرين، فباتوا يدعوننا إلى الكفر، ويأمروننا بالمنكر، وينهوننا عن المعروف، ويقاتلوننا حتى نكفر بالله أو نموت جزاءً وفاقًا وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:251)، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ ﴾ (الحج: 40) ، وصدق رسول الله- ﷺ إذ يقول: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم عقابًا، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»[11]،«وما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب»[12].

السبب الثامن: القضاء على البقية الباقية من خصائص ومزايا العرب: 

وذلك أن العرب في الأصل جنس من البشر حباه الله بخصائص ومزايا عدة مثل المروءة أو النجدة، وحسن الجوار والشجاعة والكرم والغيرة على الحرمات من الدين والعرض والمال والولد والعشيرة وظلوا يتمتعون بهذه الخصائص، وتلك المزايا حتى سافر نفر من العرب إلى خارج الجزيرة وعادوا يحملون معهم بعض مظاهر الشرك والوثنية وتعلق بها العرب إلا من رحم الله، وتبعًا لذلك فسدت سلوكياتهم، وتصرفاتهم فكان أكل الميتة، وشرب الخمر والزنى وسفك الدماء ونحوها، ورغم هذا بقيت فيهم بقية خير كالغيرة على العرض والشهامة والنجدة وإغاثة الملهوف والجود والكرم وتلك هي التي رشحتهم ليكون منهم رسول الله- ﷺ- ورأينا أثر هذه البقية الباقية من الأخلاق الكريمة في نصرة رسول الله -ﷺ- وحماية الحق الذي جاء به، والنهوض من بعده نشره في العالمين.

والتضحية في سبيله بالغالي والنفيس، وتنبيه الأعداء إلى هذه الخصائص، وتلك المزايا التي انفرد بها العرب عن باقي الناس، فعملوا على هدمها والقضاء عليها، فكان أن عمدوا إلى الابن الأكبر لشيخ القبيلة، والذي هو ولي عهده بحكم النظام الوراثي الوافد إلينا من الأمم الأخرى، دون أن يكون من الإسلام في شيء وربوه على أعينهم، وأحاطوه بالنساء وكؤوس الخمر والندماء، وسقوه مبادئ الجاهلية مع رشفات الخمر، وقبلات النساء وتولى الأمر من بعد أبيه، فما كان منه إلا تنفيذ ما علمه ورباه عليه أساتذته من تنحية الإسلام ولو شيئًا فشيئًا، ثم التمكين للجاهلية على أنقاضه، وأطاعه قومه وأبناء عشيرته في ذلك لأنهم لم يربوا على مبادئ الإسلام الصحيحة التي تقضي بوجوب الطاعة في المعروف، وإنما ربوا على الطاعة العمياء التي لا تمييز فيها بين خير وشر، وحق وباطل، وكانت هذه النتيجة وهذا الواقع الأليم الذي نحياه نحن المسلمين اليوم..

[1]- أستاذ الحديث المساعد بكلية الشريعة جامعة الكويت.

[2]- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين. ص ۳۷۹، ۲۸۰.

[3] -الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الجهاد باب الحراسة في الغزو في سبيل الله 4/41-42 من حديث أبي هريرة مرفوعا به، وينحوه.

[4] - الحديث أخرجه الترمذي في السفن كتاب الدعوات باب منه ٤٩٣/٥ – ٤٩٤ رقم ٢-٢٥ من حديث ابن عمر به وعقب عليه بقوله هذا «حديث حسن غريب».

[5]-الحديث بروايتيه أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الزهد والرقائق باب منه ٤/ ٢٣٧٥ رقم ٢٩٦٣ (۱۸) والترمذي في السنن كتاب اللباس باب ما جاء في توقيع الثوب // ٢١٥، ٢١٦ رقم ١٧٨٠ وكتاب صفة القيامة والرفاق والورع باب منه ٤ ٥٧٤ رقم ٢٥١٣، وابن ماجه في السنن، كتاب الزهد باب القناعة ۱۳۸۷/۲ رقم ٤١٤٢ كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعا. واللفظ لمسلم، وعقب الترمذي على إحدى هاتين الروايتين بقوله: «هذا حديث صحيح».

[6] - نفسه.

[7]-الحديث أخرجه ابن ماجه في السنين المقدمة باب الانتفاع بالعلم والعمل به ١/ ٩٣ رقم ٢٥٤ من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا بهذا اللفظ وعقب عليه البوصيري في مصباح الزجاجة بقوله «رجال إسناده ثقات ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم مرفوعا وموقوفًا».

[8] -الحديث أخرجه ابن ماجه في السنن المقدمة باب الانتفاع بالعلم والعمل به ۱/ ۹۲ ۹۳ رقم ٢٥٣ من حديث أبي هريرة مرفوعا بهذا اللفظ.

[9]-الحديث جزء أورده الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب الخلافة باب حق الرعية والنصح لها ٥/ ٢١١ .٢١٢، من حديث ابن عباس مرفوعا وعقب عليه بقوله: رواه الطبراني وفيه أبو محمد الجزري حمزة، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.

[10]-الحديث أخرجه مالك في الموطأ المدينة رقم ١٩.١٨.

[11]-الحديث أخرجه الترمذي في السنن كتاب الفتن باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٤ ٤٦٨ رقم ٢١٦٩ من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعًا وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسنه وأحمد في المسند ٥/ ۳۸۸ – ۲۸۹، ۳۹۱ من حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه – مرفوعًا.

[12]- الحديث أورده المنذري في الترغيب والترهيب /٤٠٩/١ من المنتقى للقرضاوي، وعقب عليه بقوله: «رواه الطبراني بإسناد حسن».

الرابط المختصر :