العنوان كلمات لها صدى: قومية الإسلام
الكاتب الشيخ حسن البنا
تاريخ النشر السبت 02-يوليو-2005
مشاهدات 63
نشر في العدد 1658
نشر في الصفحة 46
السبت 02-يوليو-2005
هناك كلمات تظل -رغم تباعد الزمان- ذات صدى طيب فتنفذ إلى أعماق الواقع وتعالج علله.. ومنها الكلمات التي خطها الشيخ حسن البنا يرحمه الله قبل سبعة وخمسين عامًا، تمثل نموذجًا على ذلك.
يظن الذين لا يعلمون مبادئ الإسلام ويأخذون بما يرون من مظاهر أهله أنه دين ذلة وخمول وضعف واستكانة وأنه يتنافى مع العزة القومية والكرامة الوطنية.
فأحب أن أقول لهؤلاء على رسلكم فإن الإسلام دين عزة وكرامة ومنعة وشرف وإن دينا يقول كتابه القدسي: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: ۸)، ويقول رسوله الأمين r. من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس مني، الجدير بأن يسمى دين العزة والكرامة غير مدافع وإن دينًا يضع. إلى جانب التسامح والعفو عند اقتضائهما القصاص والعدل فيقول كتابه الكريم: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: ٣٤)، وفي موضع ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ﴾ (البقرة: ١٩٤)، في موضع آخر، لدين تام التشريع كامل النظام قويم المبادئ كافل لحاجات الأمم وإن الرسول الذي كان يقول لأصحابه في وصاة أحدهم، صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك وقل الحق ولو على نفسك.. هو الرسول ﷺ الذي انشده نابغة بن جعدة قوله:
وَلَا خَيرَ فِي حِلمٍ إِذا لم يِكُن لَهُ *** بوادِرُ تَحمي صَفَوَهُ أّن يُكَدرَّا
فقال: صدقت لا يَفْضُضِ الله فاك، حتى إذا سمع قوله:
بلَغْنا السماءَ مجدُنا وجدودُنا *** وإنّا لنرجو فوق ذلك مظْهَرا
لم ينكر عليه هذا التسامي بالكرامة والاعتداد بالشرف والرفعة، بل هش له وبش وقال في لهجة المسرور المتهلل فأين المظهر يا أبا ليلي؟ فقال الجنة يا رسول الله ﷺ فقال إن شاء الله
أفلا فليعلم أولئك الذين فهموا الإسلام على غير وجهه، أن الإسلام دين الإنسانية الخالد ودستور البشرية الكامل وصفوة الصفوة من القوانين والنظم التي يتوقف عليها سعادة البشر.
ولا أزيدك بالإسلام معرفة *** كل المروءة في الإسلام والحسب
وبعد فنريد أن نتفهم موقف الإسلام من مبدأ القومية الذي يسود أفكار الناس اليوم ونتعرف القومية التي يدعو إليها ويعزز من شأنها.
ها أنت ترى قومًا يفهمون من القومية عصبية الدم وعنصرية الجنس فيجعلون ذلك أساس وحدتهم ورمز جامعتهم، ويحوكون مطالبهم من خيوط هذه الوحدة وتلك الجامعة. ونسوا أن الناس لأدم وآدم من تراب وأنت إذا سموت بالجنس فقد وصلت إلى مصدر الأنواع قبل الاشتقاق فرأيت الكل أكفاء وإن قلت إن البينات الطبيعية والحوادث الكونية جعلت لكل أمة خواصها ومميزاتها العنصرية قلت لك: إن الرقي الفكري والتقدم النفسي وهذا التقلب البادي من الإنسان على عناصر الطبيعة وقواها سيؤدي بالناس إلى تقدير هذه الصلة فيما بينهم وجعلها يومًا من الأيام مبدأ لهم وجامعة تجمعهم، وذلك ما ينادي به علماء الاجتماع الآن وها أنت ترى قومًا آخرين يفهمون من القومية الحدود الجغرافية والرقعة الأرضية فيجعلون ذلك مطمح أنظارهم وقبلة أمالهم وهؤلاء قد تقيدوا بغير قيد، وارتبطوا بغير رباط فما كانت الأرض إلا عرضة للمد والجزر تتسع وتضيق مع الظروف والحادثات.
إن الذين ينادون بالعنصرية الجنسية لا يفيدون العالم شيئًا، وهم في الوقت نفسه يذكون نار الأحقاد والخصومات في وقت يرجو العالم فيه الهدوء والسلام والإسلام لا يقرهم على هذا المذهب من الآراء بل يناديهم كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ۱۳). وإن الذين ينادون بالقومية الجغرافية لا يفيدون العالم شيئًا، وهم في كثير من الظروف ينقضون مبدأهم مع غيرهم من الأمم التي تضعف قوتها عن قوتهم فيحاولون أن يدمجوا حدودها في حدودهم ويجعلوا أرضها من أرضهم، وقد نبههم الإسلام إلى هذا المعنى بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف:١٢٨).واذن على أي شيء يريد الإسلام أن يجتمع الناس وأي شيء يريد أن يكون معقد رابطتهم ورمز جامعتهم ومحور أخوتهم؟ خذ القرآن بيمينك والسنة المطهرة بيسارك، وضع سيرة السلف أمام عينيك ترى من كل ذلك أن للإسلام قومية وجامعة ووحدة ورابطة حول العقيدة والمبدأ.
وبيان ذلك أن الإسلام دين شامل جاء للإنسانية بكل ما تحتاج إليه من النظم والقوانين الكلية، ووصف لها طريق السعادة في بيان ووضوح وأمر الناس جميعًا بفقه هذه القوانين والأحكام والأخذ بها وناداهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٣)، ثم إن الإسلام يجعل أبناءه جميعًا إخوة متحدين متساوين في الحقوق والواجبات متى وصلت إلى قلوبهم هذه العقيدة وأمرهم بأن يكونوا جيشًا متحدًا مهمته إبلاغ الناس هذه المبادئ وتلك التعاليم، وعليهم أن يضحوا بكل شيء حتى النفس والمال وكل عروض الحياة الدنيا في سبيل هذا البلاغ، فذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة:٢٤).
فكل من دخل في هذه العقيدة فهو واحد من الأمة التي يربطها الإسلام ويفرض على كل أفرادها الذياد عنه والأخذ بناصره والمناداة بحقه. وكل قطعة أرض ارتفعت فيها راية الإسلام هي وطن لكل مسلم يحتفظ به ويعمل له ويجاهد في سبيله وعلى المسلمين بعد ذلك واجب آخر.. أن يجاهدوا ليكون الناس جميعًا مسلمين ويكون الدين كله لله ويعملوا لتكون الأرض كلها إسلامية ترفرف عليها راية الإسلام ويدوي في جنباتها مؤذن الإسلام ونسمع في كل نواحيها. الله أكبر ليس هذا عن عصبية لقوم أو نعرة لجنس أو غضبة لأرض، ولكنه جهاد لإنقاذ الإنسانية جميعًا وعمل لتحرير العالم كله من ربقة الأهواء ونير الأعراض التي تورث الحقد والبغضاء وتنتج الخلاف والشقاء ونصرة لمبدأ الحب والأخوة الذي هو سر سعادة الوجود.
هذا الشعور السامي النبيل يدفع إلى خدمة الوطن والعشيرة بكل ما تملك من نفس ومال، لأنك ستخدم العالم كله، وهما أقرب العالم إليك، فهل رأيت أسمى وأقدس من هذه القومية؟
(*) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، السنة الأولى، العدد 29 في 22 فبراير 1934م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل