العنوان الرقية في الجزائر.. بين الشعوذة والتجارة
الكاتب سمية سعادة
تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2008
مشاهدات 65
نشر في العدد 1790
نشر في الصفحة 56
السبت 23-فبراير-2008
بعض الرقاة فتحوا مكاتب ووظفوا سكرتيرات ونشروا إعلانات بالصحف وخصصوا أرقامًا هاتفية للاسترقاء المباشر
هاجس الجن والعين والسحر الذي يسكن المجتمعات العربية هيأ الجو لهؤلاء المرتزقة
استطاعت الصحوة الإسلامية مع بزوغ فجرها أن تحدث القطيعة مع أدوات عصر تعلق بالخرافات والأباطيل، ووضعت المجتمعات الإسلامية التي شرقتها الأفكار البائدة حينًا وغربتها الأفكار المستوردة حينًا آخر على أهبة مرحلة جديدة تستند إلى خلفية دينية ومعايير شرعية، ولعل من أهم الإنجازات التي حققتها الصحوة الإسلامية أنها هدمت فلول المشعوذين والسحرة في عقول الناس بمعول الرقية الشرعية التي استقطبت كافة الشرائح، وهنا لابد أن نشير إلى أن المجتمعات الإسلامية كانت بحاجة إلى «شماعة» تعلق عليه عثراتها وخيبات أملها أكثر مما هي بحاجة إلى علاج أمراض لم تكن موجودة إلا في أذهان أصحابها.
وانطلاقًا من هذا الاستحسان الذي لاقته الرقية على امتداد الوطن العربي استشعر المشعوذون الخطر على تجارتهم التي سيصيبها الكساد بعد أن ينفض الناس من حولهم، فغيروا لافتات محلاتهم، وتركوا بضاعتهم كما هي، ولم يكن الأمر مختلفًا كثيرًا بالنسبة إلى صنف من الناس بضاعته في الرقية الشرعية حروف الهجاء وقراءات على هوامش الكتب – بتعبير الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله - وهم أناس عاطلون اتخذوا من الرقية وسيلة للربح السريع وتحقيق الشهرة، فلا غرابة أن تنزلق الرقية في مهاوي الدجل والجهل، والجزائر من بين الدول الإسلامية التي أصابتها حمى الرقية «المغشوشة» وضحاياها يعدون بالآلاف خاصة من فئة النساء، وحوادثهم تغطي صفحات الجرائد وبعضها مقيد لدى مخافر الشرطة كما سيأتي ذكره.
ومن الرقية ما قتل: تناولت صحيفة جزائرية حادثة مقتل أخوين «شاب وفتاة» على يد راق أجبرهما على شرب كميات كبيرة من الماء من براميل سعتها جميعاً ۱۷۰ لترًا، الأمر الذي أدى إلى وفاتهما فور وصولهما إلى المستشفى، ويذكر أن هذين الأخوين كانا مصابين بصداع مزمن، وعلى إثر هذه الحادثة لجأت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية إلى منع استغلال أماكن العبادة لأغراض الرقية والحجامة، وقد مس قرار المنع منازل الأئمة حتى لا تحدث تجاوزات خطيرة باسم مؤسسة رسمية تمثل الدولة، وأوضح المستشار الإعلامي لوزارة الشؤون الدينية الجزائرية أن لجنة الفتوى اجتمعت مع المشايخ والعلماء، وتم الاتفاق على إصدار فتوى مفادها أن الإنسان بإمكانه أن يرقي نفسه بنفسه، وأن الرقية مرتبطة بالخشوع وليس بالضرورة أن تكون تحت إشراف إمام مسجد، وفي السياق نفسه أيضًا توفيت امرأة تبلغ من العمر ٥٢ سنة بسبب محاولة راق علاجها من أعراض مرضية، قال بشأنها: إن جنيًا يهوديًا تلبس بها، وصرحت ابنة هذه المرأة أن أمها كانت تعاني من انخفاض الضغط الدموي، وهو الأمر الذي أدى إلى بقائها يومين في المستشفى، وما إن تعافت ورجعت إلى بيتها، طلبت استدعاء راق، وكان لها ما أرادت، غير أنها توفيت بعد لحظات من انفراد الراقي بها – حسب ما جاء على لسان ابنتها.
رقاة أم مشعوذون؟!
ألقى رجال الأمن على مشعوذ في ولاية وهران الواقعة غرب الجزائر وهو من أصل مغربي، كان يمارس كل أنواع الدجل خلف ستار الرقية الشرعية، وقد عثر في منزله أثناء عملية المداهمة على مجموعة من الكتب المستخدمة في عالم السحر والشعوذة، وأوراق صفراء توحي للزائر بالصوفية، كما تم ضبط عشر نسوة قدمن لقضاء حوائجهن بعضها مرتبط بفك السحر وجلب العريس، والاستشفاء من بعض الأمراض المزمنة.
هذا ورصدت إحدى الصحف الجزائرية حادثة غريبة لراق بولاية قسنطينة، شرق الجزائر، اعتمد أسلوبًا جديدًا في الرقية لم يسبقه إليه إنس ولا جان، تمثل في ممارسة الرقية بـ «المألوف»، وهو نوع من الغناء يميز هذه المنطقة، وذكرت الصحيفة أن هناك أكثر من راق يؤيد هذا الأسلوب الغريب ويرى أن استعمال أي نوع آخر من الغناء أفضل بكثير من استعمال القرآن الكريم وذلك في الأغراض غير الدينية!
يهوي على المريض بعمود مكنسة حتى تنكسر على جسده، أو سلك كهرباء من النوع الرفيع، وهو لا يزال يصرخ به: «أخرج عدو الله» وحجتهم في ذلك أن الضرب يقع على الجني وليس على المريض، بل إن بعضهم يلجأ إلى الكي بالنار والصعق بالكهرباء والضغط على الحنجرة، مما يؤدي إلى اختناق المريض وموته، وفي هذا الصدد تذكر ما وقع مع طالبة كانت قد تعرضت للحرق من طرف راق حاول علاجها من حالة إحباط، كما تعرضت فتاة أخرى للضرب بسلك كهرباء، مما سبب لها جروحًا وكدمات، وقد ذكر لنا د. «مبروك – ل» مختص في الأمراض النفسية والعصبية في الجزائر أن عيادته استقبلت حالات الأشخاص تعرضوا لصدمات نفسية نتيجة الضرب المبرح الذي يعتمده بعض الرقاة.
شروط الراقي الشرعي
في حديث مع الأستاذ عبد الحميد رميتة وهو راق جزائري له باع طويل في الرقية عدد لنا شروط الراقي الشرعي، ونذكر منها:
1-الإخلاص لله تبارك وتعالى، ومن دونه لا يوفق الراقي في علاجه للناس وللأسف كم رأينا من شباب متدين بدأ - الرقية بطريقة شرعية، ثم بسبب جفاف الإخلاص أصبح يطلب المال على الرقية – أكثر مما يطلب الأجر من الله، بل إن من - الرقاة من يستعين بالجن الصالحين –على حد قولهم– فضلوا وأضلوا.
٢- العلم بالدين أولًا ثم بالرقية الشرعية مع اطلاع ولو بسيط على الطب العضوي وإلمام بالمبادئ الأساسية لعلم النفس وكذا طب الأعشاب.
- كتمان السر وهو شرط مهم وأساسي.
- ينبغي على الراقي مراعاة القراءة الصحيحة للآيات القرآنية.
ضرورة تنظيم شؤون الرقية
حسب موقع «العربية نت»، فإن بعض الرقاة الجزائريين فتحوا مكاتب ووظفوا سكرتيرات، ووضعوا لوحات إشهارية وإعلانات في الصحف، والأدهى من ذلك أن هناك من فتح أرقامًا هاتفية للاسترقاء المباشر، وهو ما يكلف المتصلين مبالغ كبيرة بالنظر إلى تسعيرة الهاتف الثابت أو المحمول المرتفعة، ومع ذلك يبقى إقبال الناس على الرقية كبيرًا، مما يدل على أن المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج مسكونة بهاجس الجن والعين والسحر الأمر الذي هيأ الجو لهؤلاء «المرتزقة» ليمارسوا رقيتهم بطريقة تملأ جيوبهم. المنتفخة بأموال الراغبين في الشفاء، فمتى يتم تقنين الرقية وتنظيم شؤونها حتى لا تفتح عيوننا ذات صباح على سباك» أو فكهاني، وقد استبدل لافتة محله بـ «راق معتمد»؟!
المصادر
-جريدة الشروق اليومي
- جريدة الخبر