العنوان المستشرقون والإسلام
الكاتب الأستاذ محمد قطب
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1977
مشاهدات 83
نشر في العدد 341
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 15-مارس-1977
فأما اللغة العربية فقد صنع بها ما يأتي. أولًا كان الأزهر هو معهد التعليم الذي يخرج العلماء في جميع أبواب العلم.
كان مجال التعليم هو الأزهر وما دام التعليم دينيًا فلن يستقر للاستعمار البريطاني قرار في تلك البلاد، وهذه لیست قولتي إنما هي قولة «جلادستون» رئیس الوزراء البريطاني يوم الاحتلال البريطاني في مصر، إذ قام في مجلس الوزراء رافعًا المصحف الكريم وقال ما دام هذا الكتاب في أيدي المسلمين يتدارسونه ويقبلون على العناية به؛ فلن تقوم لنا قائمة في مصر، فلا بد من العمل على انتزاع هذا الكتاب من عقولهم وقلوبهم.
فخطط «دانلوب» عزل الأزهر عن التعليم، ولكنه لا يريد أن يخطئ خطيئة «نابليون»..
نابليون استفز علماء الأزهر حين كشفوا لعبته أنه جاء لينحي الشريعة الإسلامية، وجاء ليضع بذور الصليبية في مصر، فثار عليه علماء الأزهر فضرب الأزهر بالقنابل من القلعة فثارت ثورة القاهرة.
«كرومر» لا يريد أن يصطدم بالأزهر، لكنه يريد أن ينحيه فليبقه على ما هو عليه، ولكن ينشئ مدارس جديدة المتخرج فيها هو الذي يجد الوظيفة والمتخرج من الأزهر الذي يقضي في التعليم عشرين سنة أو ثلاثين يتخرج فلا يجد مجالًا وحين يكون لك ولد إلى أي مكان تبعثه؟
تبعث به إلى الأزهر ليقضي عمره هناك ثم لا يجد لقمة عيش، أم تذهب به إلى تلك المدارس الجديدة التي يتخرج بها بعد أربع سنوات فيعين موظفًا في الدولة.
في هذه المدرسة التي فتحها «دانلوب» أريد أن أتحدث سريعًا عن هذه المواد الثلاث: اللغة العربية، الدين، التاريخ الإسلامي. مدرس اللغة العربية كان متخرجًا في الأزهر وكانت له الصدارة في بلد عربي ينطق بالعربية. فجاء دانلوب وأراد تأخيره إلى آخر الصف ليقع التأخير على هذه اللغة ويقع التأخير في نهاية الأمر على المصحف المنزل بهذه اللغة، فراح يعطي مدرس اللغة العربية أربعة جنيهات مصرية في الوقت الذي يعطي فيه مدرس الجغرافيا أو التاريخ أو الحساب اثني عشر جنيهًا.
كيف يكون انعكاس هذا الأمر على وضع مدرس اللغة العربية في المجتمع، إنه ولا شك في آخر الصف. حين تكون لك بنت وتريد أن تزوجها وتقدم إليك مدرس في اللغة العربية ومدرس حساب أو تاريخ أو جغرافيا لمن تعطيها؟
وهكذا يتأخر مدرس اللغة العربية اقتصاديًا واجتماعيًا ولا يجد وظيفة في الدولة ويطوى في مطاوي النسيان، بينما يبرز ذلك الفتى الذي تعلم في مدارس «دانلوب» هذا وضع اللغة العربية.
أما حصة الدين، فماذا فعل بها هذا الخبيث؟، وضعها في آخر جدول الدراسة في الحصة السابعة أو السادسة في نهاية اليوم الدراسي والتلاميذ مثقلون بثقل اليوم الدراسي وأعصابهم مرهقة ينتظرون الصيحة الأخيرة صيحة الجرس ووضع الجرس في مدارس مصر جرس كنيسة حين ينطلق ينطلق الأولاد إلى الشارع. وهم في هذه الحالة من التوتر العصبي يأخذون حصة الدين ولمن تعطى حصة الدين؟
لأعجز مدرسي اللغة العربية. هو أولًا مدرس لغة عربية من الذين انصبت عليهم نقمة «دانلوب» تم هو أضعفهم بدنًا يقول نريد أن نريحه فنعطيه حصة الدين فيتمثل الدين في نفس الصبي بالنفور من ثقلة الدرس وصورة المعلم. بينما في مدارس التبشير الموجودة في مصر توضع حصة الدين الحصة الأولى وفي كنيسة المدرسة ويسجن فيها الطالب المسلم الذي يسلمه أهله إلى مدارس التبشير، وهو بحيويته كلها يدخل إلى المدرسة، ويأخذ حصة الدين ويعطيها له أشب وأحب المدرسين والمدرسات، فيحب هذه الحصة ويتعلق بها بينما تلميذ المسلمين ينفر من حصة الدين، وحين يصغر الجدول في نهاية العام يعمل في مصر جدول صيفي فما الذي يلغى من الحصص: حصة الألعاب، حصة الرسم، حصة الأشغال حصة الدين ويسمونها مواد إضافية. فماذا يكون نصيب الدين؟
وحصة التاريخ الإسلامي؛ وفي نظري هي أخبث من هذا أو ذاك يدرسون في التاريخ الإسلامي البعثة وعصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين بكل ما فيه من بهاء وأمجاد لا يتدخلون في ذلك، ولكنهم بعد ذلك يدرسون التاريخ السياسي للإسلام.
وفي التاريخ السياسي للإسلام ما فيه: رجل يقتل أخاه ليأخذ الحكم ورجل يثب إلى الحكم بطريق من الطرق الذي تعلمون وهذه حقائق وقعت في التاريخ الإسلامي، ولكن هل هي الحق الوحيد؟ فلتكن هي خطًا أسود في تاريخ الإسلام فهل الصفحة كلها هي هذا الخط الأسود. كلا إن فيها خطوطًا بيضاء ناصعة، وحين تدرس حقائق التاريخ على صورتها ويأخذ الخط الأسود الذي هو خط الانحراف عندما يأخذ وضعه الطبيعي وحجمه الحقيقي في الصفحة تظل الصفحة بيضاء رغم ذلك لأن فيها من الأمجاد ما لم يجتمع في تاريخ أمة من أمم البشر وما زال قول الله تعالى لهذه الأمة ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. (آل عمران: 110). ما زال منطبقًا عليها حتى بعد انحرافاتها، ولو ذكر التاريخ الإسلامي على حقيقته لخرج التلميذ بحصيلة الأمجاد رغم هذا الخط الأسود في التاريخ السياسي في الإسلام، وتحجب عنه كل الصفحة البيضاء، فبأي تأثير يتخرج من حصة التاريخ؛ يخرج بهذا التأثر اللعين أن الإسلام لم يعش إلا تلك الفترة القصيرة في عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين. ثم انتهى الإسلام فأي شيء تريدون أن تبعثوا أيها المسلمون. تريدون أن تبعثوا تاريخًا انطفأ منذ ثلاثة عشر قرنًا – أنى لكم ذلك.
فماذا تفعلون إذن في الفراغ الذي ينتج حين لا تدرس القيم الإسلامية، حين لا يدرس الأثر الإسلامي في الأرض الإسلامية وأثرها في البشرية كلها؛ حينما يدرس أثر الإسلام في أوروبا وفي حركات النهضة الأوروبية وفي حركات العلم الأوروبية وفي الفلسفات الأوروبية في كل شيء قام به الأوروبيون للإسلام فيه نصيب.
حين يحجب هذا عن ذهن التلميذ؛ يصير هناك فراغ، بأي شيء يملأ هذا الفراغ، يملأ بأوروبا بتمجيد أوروبا، والديمقراطية هي ما صنعته أوروبا والحرية هي ما قدمته أوروبا، التقدم والحضارة ما صنعته أوروبا، التقدم العلمي التقدم المادي التقدم التكنولوجي التقدم الصناعي الأخلاق والرقي كله صنعته أوروبا، والإسلام هو ذلك الذي انتهى منذ ثلاثة عشر قرنًا. فحينما يتخرج التلميذ على هذا المنهج ماذا يبقى في قلبه من أمل في بعث الإسلام من جديد، إنما تكون قصاراه كما يرددونه هم أن يتبع الحضارة الغربية التي يسمونها هم الحضارة المسيحية، وذلك هو القصد من وضع هذه البرامج التي ما تزال سموم منها باقية إلى هذه اللحظة؛ رغم ما تتصوره البلدان العربية الإسلامية من أنها تحررت من سلطان الاستعمار!!
المستشرقون بالذات كجزء من هذا المخطط لهم مهمة أو مهام محددة وقد لا يعلم كثير منكم أن المستشرقين ملحقون بأجهزة الاستخبارات العالمية، هم جزء من أجهزة الاستخبارات هم الجهاز الثقافي لتلك الاستخبارات مهمته أو مهامه محددة هي سبر غور حالة المسلمين، هل ناموا واستناموا أم إنهم يستيقظون، وإذا كانوا مستيقظين فما الحركات التي توقظهم وما مدى نشاط تلك الحركات وما مدى تمكنها من قلوب الشباب، ما مدى استطاعتها تنقية الجو من سموم الاستشراق ومن سموم الاستعمار الصليبي هذه مهمة والمهمة الثانية أن ينصحوا دولهم فيما ينبغي أن يفعلوه لمقاومة حركات البعث الإسلامي في البلاد الإسلامية.
فمهمتهم الدائمة الأولى هي اقتلاع الإسلام من قلوب المسلمين بالتشويش على عقولهم، بشغلهم باستمرار بقضايا معينة. والتشبيه قد لا يكون بعيدًا بالشيطان الذي يقول وهو يتوعد بني آدم إنه سيأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. هكذا يصنع المستشرقون مع المسلمين يهاجمونهم من الأمام ومن الخلف ومن اليمين ومن الشمال حتى يتركوهم دائمًا في دوامة لا يكادون يفيقون مما يلقيه المستشرقون باستمرار من شبهات ومن قضايا يثيرونها. ثم يضيعون جهد المسلمين في تتبع تلك القضايا التي يثيرونها. ثم يلتقطون المبعوثين الذين نرسلهم نحن بأيدينا إلى أوروبا وأمريكا ليتعلموا اللغة العربية والإسلام في السربون وهارفارد وبرنستون!! التي يتمركز فيها ويتكثف طبقات المستشرقين. نبعث بأبنائنا هناك ليتخرجوا وبأيديهم أي شيء أوراق دكتوراه في أي شيء، في الشريعة الإسلامية! دكتوراه في اللغة العربية!! نأخذ ديننا من أفواه أعدائنا والله يقول لنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. (آل عمران: 118). ولا يوجد بيان أفصح من هذا ولا أصرح ولا أحزم «قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ» ولكنا- وهذا التحذير في كتابنا- نبعث بأبنائنا بأيدينا نبعثهم إلى بلاد اليهودية والصليبية ليأخذوا شهادات في اللغة العربية وفي الدين الإسلامي يلتقطون أبناءنا هؤلاء؛ يعجنونهم بعجينة الكفر ليفسدوا قلوبهم وأرواحهم، ولست أقول إن كل من يذهب هناك يعود من غير قلب، كلا إن قلة منهم تعود أشد إيمانًا ولكنها قلة؛ والأكثر من الذين نرسلهم هناك يلتقطون السموم ويعودون يسبوننا أمام تلاميذهم الذين يدرسونهم في المدارس والجامعات.
تلك مهام المستشرقين تدوير أدمغة المسلمين في دوامة لا يخرجون منها وجس نبض أو سبر غور العالم الإسلامي لاكتشاف أي حركة إسلامية والنصح لبلادهم فيما ينبغي أن تفعله لمقاومة حركات البعث الإسلامي. وأقرأوا إن شئتم کتابًا من هذه الكتب وما أكثرها، إنما أهدي إليكم اسمًا واحدًا كتابًا لمستشرق يهودي أمريكي المستشرق اسمه «مورو بيرغر» ما يزال حيًا كان يعمل في هارفارد في مركز الاستشراق الأمريكي ثم رقي؛ والآن لا أعلم إلى أي درجة وصل. كتب كتابه الذي أشير إليه هذا في نهاية عام ١٩٦٢م اسم الكتاب «العالم العربي اليوم» يقول فيه باختصار شديد «هذا الكتاب ترجم في لبنان ترجمة ليست سليمة جدًا، ولكنها تفي بالغرض».
اختار خمسًا من البلاد العربية هي مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق؛ ويزعم في كتابه أنه اختار تلك البلاد لأنها أكثر البلاد العربية تقدمًا ولهذا تصلح نموذجًا لبقية بلدان العالم العربي، وكذب في هذا فلو راجعتم الخارطة لوجدتم هذه بالذات هي البلاد المحيطة «بإسرائيل» مصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق، فاختار لدراسته هذه البلاد بالذات لا لأنها أرقى البلاد العربية ولا أكثرها تقدمًا ولكنه اختص بدراسته وهو يهودي البقعة المجاورة «لإسرائيل» ولو أمعنت النظر في الخارطة مرة أخرى على وجه الدقة لأدركت أن هذه هي «إسرائيل» الكبرى من النيل إلى الفرات فهذه بالذات هي الأرض التي اختارها بالذات ليدرس هذه الدراسة وهي من أدق ما قدم عن العالم العربي من دراسة درسها اقتصاديًا وسياسيًا، وأهم من ذلك كله درسها له من زاوية العقيدة فقد جعل قاعدة دراسته هذا السؤال: الإسلام أين هو قوي وأين هو ضعيف في العالم العربي أو في تلك البقعة من الأرض التي اختارها للدراسة وفي الأماكن التي قوي فيها ما سر قوته وفي الأماكن التي ضعف فيه ما سر ضعفه وانتهى إلى هذه الحقيقة وإن كانت حقًا يراد به باطل: «قال إن الإسلام ما زال قويًا في البادية والريف وإن كان ضعف في المدينة الصناعية المزدحمة بالسكان» هذه حقيقة بصرف النظر عن التدليل الذي أعطاه هو لهذه الحقيقة ولا يهمني التدليل فهو تدليل باطل ولكن هذه حقيقة مشاهدة اليوم أن الإسلام به بقية من قوة في البادية والريف وضعف سلطانه في المدينة الصناعية الآهلة بالسكان. ثم يقول بعد دراسته يشرح لبلاده الطريقة التي يقترحها لاقتلاع جذور الإسلام من الأماكن التي ما يزال له فيها بقية من سلطان، أي في البادية، فيقول «ينبغي تسكين البدو» نعم لأن البدو وهم رحل بلا سينما بلا تلفزيون «ولم تكن اليابان قد صنعت في ذلك الحين التلفزيون «الترانزستور» وكذلك بلا ثقافة حديثة أي ثقافة مسممة يبقى الإسلام في القلوب فلا بد من تسكينهم. ومن يكره تسكين البدو وتحضيرهم، لكنه يبغي من وراء ذلك كما صرح أنه لا بد للمدنية أن تصب حضارتها كلها على الريف والبادية وهو قال إن المدينة الصناعية ضعف فيها الإسلام والحصيلة الحضارية هي التي أضعفت الإسلام، فلا بد أن تنتقل بكاملها إلى الريف والبادية.
كما يقول في كتابه إن المرأة المسلمة المتعلمة، يعني المتعلمة على النظام الغربي على غير أصول إسلامية، يقول «إن المرأة المسلمة المتعلمة هي أبعد أفراد المجتمع عن الإسلام وأقدرهم على جر المجتمع كله بعيدًا عن الإسلام، ثم يصف حكومة من حكومات المنطقة التي اختارها للدراسة وأشاد بها إعجابًا وإطراء. يقول إن حكومة
القاهرة «يقصد الحكم العسكري الذي كان وقت كتابة الكتاب» يقول إن حكومة القاهرة أخرجت المرأة من بيتها إخراجًا ودفعتها إلى الطريق.
ويقول «إن الصراع بين حكومة القاهرة اللادينية- هكذا وصفها في كتابه- وبين الإخوان المسلمين المتعصبين كان صراعًا حتميًا ولا يمكن تأجيله وقد وقع بالفعل. ولحسن الحظ استطاعت حكومة القاهرة أن تقضي على الإخوان المسلمين المتعصبين!!.
ثم يقول بعد ذلك إن الصراع بين الاتجاه الديني الذي كان يمثله الإخوان المسلمون وبين الحركة القومية اللادينية التي كانت تمثلها حكومة القاهرة هو صراع حتمي، ولكن يمكن تأجيله بعض الوقت وأغلب الظن أن الغلبة ستكون للاتجاه القومي اللاديني» وخسئ فيما قال؛ وذهب الذي أشاد به؛ ذهب إلى ربه ليحاسب عما فعل في الأرض من شر وعلى ما حاول من اقتلاع جذور الإسلام من نفوس المسلمين وعلى ما عذب وشرد وقتل. ذهب إلى ربه وخسئ المؤلف؛ فإنه يقول في نهاية كتابه «والكتاب يقع في ٤٦٠ صفحة» في الصفحة قبل الأخيرة يقول «إن الحركة الإصلاحية التي قام بها «أتاتورك» في تركيا- يسميها حركة إصلاحية وهي التي أرادت أن تقتلع الإسلام- إن الحركة الإصلاحية التي قام بها أتاتورك قد أصيبت بنكسة وبرد فعل، فقد عاد بعد أربعين سنة من حكم أتاتورك وحزبه هناك رد فعل الإسلامي في تركيا والسبب في ذلك أن تلك الحركة الإصلاحية لم تلتفت إلى وجوب إحداث التغيير الاجتماعي الذي يسند الحركة الإصلاحية. أما حكومة القاهرة فقد اهتمت بهذه النقطة فأحدثت من التغيير الاجتماعي ما يمنع حدوث رد فعل إسلامي «وما زالت تهتم» وخسئ المؤلف وذهب الذي كان يشيد به؛ وقامت حركة بعث إسلامي جديد في الأرض التي كان يراد أن تقتلع منها جذور الإسلام «تضج القاعة بأصوات المكبرين».
فنحن نهتم بالمستشرقين لا لأنهم علماء ولا لأنهم يثيرون قضايا «عويصة» تحتاج إلى جهد في الرد عليها وتعقبها ولا لأنهم أصحاب منهج في الدراسة. كلا والله. ولقد عشت مع المستشرقين في كتبهم ردحًا غير قصير من عمري وقرأت كثيرًا من كتبهم وما أتفه ما يكتبون.
وأين المنهج العلمي في كتابة من يكتب وهو «مرجليوث» المستشرق الإنجليزي يكتب فيقول إن محمدًا صلى الله عليه وسلم مجهول النسب لأن اسمه محمد بن عبد الله وكانت العرب تطلق على من لا تعرف نسبه لقب ابن عبد الله أهذا علم أهذا تفكير علمي؛ شيء يستحق الالتفات إليه، إنه من التفاهة بحيث لا يلتفت إليه. في قريش في بلاد العرب التي كان همها حفظ الأنساب يقوم محمد- صلى الله عليه وسلم- يسفه أحلامهم ويكفر آباءهم وهم لا يعلمون في نسبه مطعنًا حتى يجيء «مرجليوث» بعد ثلاثة عشر قرنًا لينبه فيقول إنه كان مطعونًا في نسبه.
ثم أين هو العلم فيما يقوله إسحق رابين- المستشرق اليهودي- أن القرآن قد احتوى أخطاء لغوية ونحوية وأن المسلمين على تعاقب الأجيال صححوا بعض تلك الأخطاء وبقي بعضها لم يصحح؛ فهل هذا علم وهل هذه قضايا تستحق أن يلتفت إليها.
وكثير من الشبهات التي يثيرونها لا تزيد عن كونها الشبهات التي كانت تثيرها الجاهلية الأولى؛ وزادوا عليها فيما بعد محاولة التشكيك في التاريخ الإسلامي ومحاولة طمس أمجاد المسلمين. وخطر هذه الشبهات ليس في ذاتها كما قلت وإنما لأنه يجد سبيله إلى قلوب أبنائنا.
وهنا تأتي الإجابة على السؤال الأخير كيف نرد كيدهم؟ هل بتأليف الكتب للرد عليهم والوقوف موقفًا دفاعيًا في ذلك من الإسلام لرد الشبه عنه.. لا. إن وضع الشبهة ثم الرد عليها يعطي هذه الشبهة شرعية وأنا أنتقد منهجي في كتابي «شبهات حول الإسلام» لأنه سلك هذا المسلك.
والذي أراه هو أن نعلم أبناءنا حقائق الإسلام ولا بأس علينا ونحن نعلمهم حقائق الإسلام أن نفند الشبه التي تعرض لنا؛ وبهذا نحفظ جهودنا وطاقاتنا من أن تستفرغ فيما لا طائل منه. ثم إذا شفعنا التعليم بالتربية أي تربية الأبناء على حقائق الإسلام نكون قد استكملنا منهج رد كيد المستشرقين عن هذه الأمة وعن حضارتها؛ ولا ضير علينا بعد ذلك أن نتحدث عن ذلك المستشرق أو ذاك أو نهملهم إهمالًا فلا يستطيعوا أن يؤثروا علينا.. وشكرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل