العنوان «شريان الحياة».. فتحت القلوب قبل فتح الحدود
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر السبت 04-أبريل-2009
مشاهدات 75
نشر في العدد 1846
نشر في الصفحة 20
السبت 04-أبريل-2009
«المجتمع» تواصل نشر يوميات القافلة الأوروبية «المثيرة» لإغاثة غزة
فتحت القافلة بابا في المغرب العربي ظل موصدا منذ عام ١٩٩٤م.. وهذه إشارة ذات معنى ومغزى
عندما تتحرك الشعوب يتبعها القادة.. وقد تحركت الشعوب فهل تؤثر قافلتنا التي عبرت الحدود بين الدول العربية في قادتها؟!
قمع وممارسات الشرطة المصرية فشلت في تحقيق هدفها وزادت أعضاء القافلة تماسكًا وإصرارًا على مواصلة المسيرة
مسعَّرو الحروب في أنحاء العالم، الذين يستخدمون قوة ونفوذ بلدانهم الهائلة من أجل قهر الآخرين، وفرض إرادتهم عليهم، هؤلاء لم يصدقوا أنفسهم وهم يرون قافلتنا تدخل فلسطين، بعد أن قطعت مسافة تزيد على ثمانية آلاف ميل، وبها أكثر من مائة مركبة، وثلاثمائة سائق.. وقد عبر العشرات من نشطاء السلام الحدود في سابقة ذات مغزى، ورغم صغر حجم القافلة النسبي إلا أن معناها ومغزاها كان أعلى وأغلى من كل التقديرات.
قبل آلاف من الأميال التي كانت تفصلنا عن غزة، كان هناك عبور تاريخي للحدود، فقد وافقت كل من المغرب والجزائر على تنحية خلافاتهما جانبًا، وفتح الحدود بينهما لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا من أجل فلسطين، التي فتحت بالفعل بابًا في المغرب العربي كان موصدًا بشدة منذ عام ١٩٩٤م، وهذه إشارة موحية وذات معنى ومغزى.
وإن مهمة السلام التي نقوم بها والطبيعة الإنسانية الحقيقية المميزة لقافلتنا «شريان الحياة - تحيا فلسطين» هي التي أذابت القلوب على الجانبين كي يفتحوا الحدود ويسهلوا لنا مهمتنا المتمثلة فيما استطعنا حمله من معونات ومساعدات لغزة.
فالعلاقات بين الأخوين الجارين لم تشهد أي تحسن ملحوظ منذ إغلاقها، وكان إغلاقًا مكلفًا جدًا من وجهة النظر الاقتصادية والاجتماعية في ضوء التحديات الأمنية التي تواجه منطقة المغرب العربي كما يرى كثير من المحللين.
وكانت الحدود قد أُغلقت بسبب الحرب في الصحراء المغربية، وظلت مغلقة حتى ثمانينيات القرن الماضي، وفي عام ١٩٩٤م أُغلقت مرة أخرى بعد هجوم إرهابي في مدينة «مراكش».. ورغم أن الجزائر - في ذلك الحين - سارعت بالاستنكار والتعازي إلا أن المغرب اتهمت دوائر جزائرية سرية بتوجيه الهجوم، وبعدها فرضت تأشيرات العبور ثم أغلقت الحدود تماما وطرد آلاف من السياح الجزائريين من المغرب.
وحديثًا بدأت المغرب تطلب من الجزائر علنا أن تفتح الحدود، ولكن الجزائر ترفض، وغالبًا لا تعلق على الطلب المغربي بفتح الحدود، ولكن حب كلا الجانبين وتعاطفه مع القضية الفلسطينية جعلهما يتجاوزان خلافاتهما لإظهار التضامن مع الشعب الفلسطيني.. إنها بحق إشارة مدهشة، ولمحة ذات مغزى وتحرك كريم يجب أن نهنئ الدولتين عليه.
وهناك مثال ودرس آخر، وهو أنه عندما تتحرك الشعوب يتبعها القادة، وإنني أتساءل: هل تؤثر قافلتنا الميمونة ذات المعنى والمغزى، والتي عبرت الحدود بين الدول العربية في القادة؟ إننا نأمل ذلك، ونتمناه.
نفوذ صهيوني
وعدت بأن أكتب سجلًا يوميًا لما يحدث في قافلة «شريان الحياة - تحيا فلسطين»، ولكن محاولاتي للمحافظة على وعدي ذهبت أدراج الرياح مند أن وصلنا إلى شمال أفريقيا.. ويبدو أن هناك أجندة واضحة لإبعاد غزة عن الأخبار وعن دائرة الضوء، ولقد فزعت من النفوذ الصهيوني في المغرب؛ إذ إنه نفوذ لا يُحتمل.
وأهم العقبات التي حالت دون تمكّني من متابعة كتاباتي عن القافلة بصورة منتظمة:
أولًا: الكابوس اللوجستي؛ حيث استحال علينا - أثناء السير - إيجاد مقهى إنترنت خلال فترات التوقف.
ثانيًا: مقاهي الإنترنت قليلة ومتباعدة على طرق السفر الطويلة والمفتوحة، وقد حرصت كل من الجزائر والمغرب على إبعادنا عن تلك الطرق.
ثالثًا: باءت كل محاولاتنا لاستخدام الإنترنت بالفشل في تونس، لأن حكومتها هي الحكومة الأقل تسامحًا.
مؤسسة «إنتربال»
عندما وصلنا ليبيا، كان وجودنا مرحبًا به أيما ترحيب من قبل كل من الشعب والحكومة على حد سواء، ويا له من تغيير «دراماتيكي»! وقد تمكنت من استخدام بريدي الإلكتروني وإرسال رسالة من ضواحي «طرابلس» الغرب إلى المدينة الساحلية الثانية «مصراتة».
وبالرغم من بعدنا آلاف الأميال عن الوطن «بريطانيا» فإن الأخبار السارة تسافر بسرعة، فلقد شعرت بسرور بالغ عندما علمت أن الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية «إنتربال» «Interpal»، وهي مؤسسة خيرية بريطانية تمد غزة بالمعونات الإنسانية قد بُرَّئت ساحتها - للمرة الثالثة - من قبل المفوضية البريطانية للإغاثة، من جميع التهم التي حاولت حكومتا الولايات المتحدة و«إسرائيل» إلصاقها بها.. وللأسف لا يزال بنك «ليودز تي أس بي» «Lloyds TSB Bank» يساير السياسة الأمريكية و«الإسرائيلية» في قطع وحرمان «إنتربال» من الخدمات والتسهيلات التي يقدمها.
أخبار سارة
دعونا نعود إلى الأخبار السارة، فإذا ذهبت إلى موقع «إنتربال» فستكتشف الحقائق التالية:
- براءة «إنتربال» من أي تحيز في توزيع المعونات الإنسانية.
- براءتها من تهمة نقل أية معدات غير إغاثية أو القيام بأي عمل غير إغاثي.
- البراءة من أي صلة بأي نشاط أو منظمات يدعونها «إرهابية».
- البراءة من ادعاءات برنامج «بانوراما» الذي تقدمه هيئة الإذاعة البريطانية «B.B.C»
- البراءة من اتهامات الحكومة «الإسرائيلية» لها.
- فشل الحكومة الأمريكية للمرة الثانية في تقديم أي أدلة ذات مصداقية للمفوضية الخيرية ضد «إنتربال».
- أصبحت «إنتربال» مطلقة اليد في العمل الإغاثي من أجل المحتاجين من أبناء فلسطين.
هذه الأخبار تلقاها بالترحيب كل من يعلم أهمية «إنتربال»، وتعهداتها تجاه غزة وفلسطين ككل، ولذلك أعلن أغلبية سائقي القافلة دعمهم لأهل غزة.. وعلى سبيل المثال، صرح الأيرلندي «جون هورسن» من مدينة «تيرون» بأنه سوف يتبرع بشاحنته الضخمة، وكل محتوياتها لـ«إنتربال»، وأكد «إشتياق محمد» عضو المجلس البلدي لمدينة «برمنجهام» أنه سيفعل الشيء نفسه بالنسبة لمركباته.
ولذلك نقول: إذا كنت تريد إظهار دعمك لأهل غزة، وتوجيه صفعة للصهاينة، فافعل مثلما فعل هؤلاء السائقون، وتبرع بما تستطيع لـ«إنتربال» عبر موقعها الإلكتروني، وعنوانه:
www.interpal.org
ونرجوك.. اذهب، وتبرع الآن.
أسوأ أيام وليالي القافلة
عشنا أربعًا وعشرين ساعة، في يوم كان - بحق - أسوأ وأسود الأيام التي مرت بها قافلتنا «شريان الحياة»، منذ أن انطلقنا من العاصمة البريطانية «لندن».
فقد كان أعضاء القافلة هدفًا لموجة عنف منسقة بدأت بالشرطة المصرية، ثم وصلت إلى أوجها عندما أصبحنا هدفا لهجمات غادرة وشريرة من قبل مجرمین محترفين غير معروفين.. وكانت النتيجة انتقال مجموعة من نشطاء السلام - الذين يحملون المساعدات الإنسانية الضحايا العدوان على غزة إلى المستشفيات ليعالجوا من إصابات في الرأس من جرّاء تلك الهجمات الشريرة.. والحمد لله، لم تكن الإصابات خطيرة ولكنها عطلتنا عن الإسراع بإنجاز مهمتنا في إيصال المعونات الإنسانية إلى غزة.
ومما أثار الحزن في قلبي، وزاد الأسى في نفسي أن صور تلك الهجمات البربرية لم تبث لمشاهدي تلفزيون «برس» «Press TV»؛ لأن أحد الأشخاص خرّب سيارة البث الفضائي، وقطع متعمدًا الكابل الذي كان يمكن أن ينقل إلى العالم فضيحة هجماتهم على قافلة الإغاثة المتوجهة إلى قطاع غزة.
ومع ذلك، فإنني أشكر السلطات المصرية، ورب ضارة نافعة، فتلك القوى الظلامية، وتلك الهجمات الشريرة التي حاولت إخراج قافلة الإغاثة عن إطارها وتحويلها عن هدفها لم تفشل فقط في تحقيق أهدافها، ولكنها زادت أعضاء القافلة تماسكا ووحدة وخلقت موجة من اهتمام الإعلام العالمي بقافلتنا «شريان الحياة».
استبداد الشرطة المصرية
اعتقد جازمة أنه يستحيل أن يقطع أكثر من ثلاثمائة إنسان مسافة تزيد على ثمانية آلاف ميل في مهمة قاسية، دون أن يقع بينهم شيء من الشقاق الناتج عن التنافس والإرهاق.. والحقيقة أن بعض الاحتكاكات والمشاحنات قد وقعت بالفعل بين أفراد القافلة، وحدثت مضايقات من بعضنا للبعض الآخر؛ نتيجة العبء الواقع علينا جميعًا.
وجاء التدخل الدموي المصري المدروس والمخطط ليُحدث لنا ما فشلنا في إحداثه لأنفسنا؛ حيث نجح في إعادة لحمتنا وترابطنا وتوحدنا أكثر من ذي قبل، تحت وطأة عصي الشرطة، وحجارة وزجاجات البلطجية الذين تم إطلاقهم علينا.
وبدأت المشكلات عندما طلبت منا الشرطة المصرية - التي كانت تنفذ الأوامر - بأن ننفصل إلى مجموعات صغيرة طبية وغير طبية، وأخبرونا بأن المساعدات الطبية ستمر من معبر «رفح»، وغير الطبية ستمر من خلال نقاط التفتيش «الإسرائيلية»، فلم نقبل ذلك؛ لأننا أعلنا منذ بداية تحرك القافلة: «لا دخول إلا من معبر رفح».. فلا علاقة للعون الإنساني الذي نحمله بــ «تل أبيب»؛ التي يجب عليها التوقف عن إصرارها على أن تكون الحكومة المركزية التي لا يمر شيء إلا من خلالها!!
وعندما أصررنـا عـلـى عـدم تقسيم القافلة، قررت السلطات المصرية أن تجبرنا على الإذعان، شأنها شأن كل الحكومات البوليسية.. ولذلك، عندما بدأ أفراد الشرطة في محاولة تقسيمنا، بدأنا بشكل طبيعي وتلقائي مقاومة سلبية للتقسيم؛ دفاعًا عن أنفسنا.
.. وسالت دماؤنا في العريش!
ويبدو أن الشرطة المصرية غير معتادة على التعامل مع الجمهور الغربي، ولا تعرفه عندما يستشيط غضبًا، ولذلك تراجعت في البداية، ثم أرسلت موجة أخرى من قوات مكافحة الشغب «الأمن المركزي» بخوذاتهم ودروعهم وعصيهم؛ ليحاربوا عشرات من ناشطي السلام العُزّل في إحدى الساحتين اللتين كانت تقف فيهما مركبات القافلة، وكانت نتيجة المعركة انتقال بعض ناشطي السلام للعلاج في مستشفى العريش.. واستطاعت بعض المركبات الهروب إلا أن حواجز الشرطة أوقفتها.
كان هذا انـتـصـارًا ثـانـويـًا، رد عليه البريطانيون بمباراة لكرة القدم، تحت حصار رجال الشرطة المصريين الذين حاولت إقناعهم بأن ينخرطوا معهم في اللعب وضرب الكرة بدلًا من ضرب البشر فأبوا!
وفي الليل، عاد قائد القافلة النائب البريطاني «جورج جالاوي»، الذي كان قد سبقنا بأربعين كيلومترا، بعد أن علم بمعركة العريش، وكان على وشك دخول غزة من منفذ «رفح» الحدودي.
وكان استدعاءً قاسيًا له؛ إذ اضطُر إلى الرجوع تاركًا وراءه وسائل الإعلام العالمية التي تجمعت لتغطية
الحدث في «رفح»، وكانت «إسرائيل» -كالعادة - تمارس هوايتها في قصف أجزاء من قطاع غزة!
.. وتوالت هجمات «البلطجية»!
وفى الوقت الذي وصل فيه أشهر برلماني بريطاني إلى مدينة «العريش» أضيئت الساحتان اللتان استُخدمتا كموقف لمركبات القافلة.. وفجأة غرقتا في الظلام، بعد قطع متعمد للتيار الكهربائي!! وبدأ الهجوم الثاني للبلطجية.. شباب لا تتجاوز أعمارهم العشرين عاما يلقون الحجارة والزجاجات الفارغة على أعضاء القافلة من ناشطي السلام!! وكان أعضاء القافلة قد لاحظوا - قبل انقطاع التيار بثوان معدودة - أن رجالا غير معروفين قد بدؤوا يكتبون شعارات مناهضة الحركة «حماس» على مركبات القافلة!
أما الشرطة - التي أشبعت ناشطي السلام ضربًا - فلم تحرك ساكنًا لإيقاف أولئك البلطجية المعتدين، ووقفت تشاهد العدوان.. وأعيد التيار الكهربائي بعد انتهاء هجمة البلطجية الثانية لتظهر آثار ذلك العدوان الهمجي، فقد سقط عدد من ناشطي السلام على الأرض جرحى مضرجين بدمائهم أو فاقدين للوعي أو مصابين بالإعياء والدوار!
وانقطع التيار الكهربائي مرة أخرى ونحن ننقلهم إلى المستشفى، وعاد البلطجية مرة ثالثة ليمارسوا اعتداءاتهم تحت سمع وبصر الشرطة المصرية التي لم تحرك ساكنًا.. وفي هذه الأثناء، قام «جالاوي» - الذي كان يتميز غيظًا - بإجراء اتصال مع محافظ العريش الذي تعهد له بأن ذلك لن يحدث مرة أخرى وتعهد أيضًا بأن القافلة ستشق طريقها إلى منفذ «رفح» في الساعة السادسة من صباح اليوم التالي.
وبصرف النظر عن كل ما حدث، فإنني أشكر المحافظ شخصيًا، ومن ورائه رجال الشرطة المصرية على جهودهم في توحيد أعضاء القافلة، وجعلهم على قلب رجل واحد.. نشكر الأيدي الخرقاء للشرطة التي صهرت أعضاء القافلة وجعلتهم يناضلون ويقاومون ويستميتون في سبيل تحقيق الهدف ويتمسكون بالمبدأ «لا بديل عن الدخول من منفذ رفح».
وهذا ما حدث بالفعل، رغم ضغوط السلطات «الإسرائيلية»، واستبداد السلطات المصرية.. فعندما يتوحد الناس فلن يُهزموا.. ومحطتنا القادمة - بإذن الله - هي «غزة».
(*) صحفية وناشطة بريطانية مسلمة ينشر بالترتيب مع الكاتبة