; الإعجاز العلمي في القرآن الكريم (٢-٢) | مجلة المجتمع

العنوان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم (٢-٢)

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2012

مشاهدات 67

نشر في العدد 2026

نشر في الصفحة 51

السبت 10-نوفمبر-2012

أوضحنا فيما سبق أن القرآن ليس مرادًا به العرب وحدهم، بل البشرية كلها، يفهم من آياته أهل كل عصر بقدر ما آتاهم الله من العلم، فتتجدد حجة الله على الناس بتجدد إعجاز القرآن العلمي من غير تكلف ولا تعسف.

وآية ذلك أن العربي قرأ هذه الآية الكريمة: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ(4)﴾ (القيامة:3-4) في عصر نزول القرآن ففهم منها أنها تدل على أن الله قادر على أن يعيد الإنسان عند البعث بشرًا سويًا بكل أعضاء جسمه وعلى صورتها الأولى، حتى ما دق خلقه من هذه الأعضاء، وهو البنان.

ونقرؤها نحن اليوم على ضوء العلم فنراها تنطوي على ما توصل إليه العلماء من أن بصمات أنامل اليد لا تتشابه عند بني الإنسان فكل فرد له بصمات يتميز بها عن غيره، ويمكن أن تكشف عن شخصيته وإعادة هذه البصمات المختلفة المتمايزة عند الحياة الثانية على ما كانت عليه لكل فرد عند الحياة الأولى شيء لا يعظم على الله سبحانه، ولا شك أن انطواء الآية على هذه الحقيقة العلمية التي لم يكشف عنها العلم إلا حديثا ضرب من ضروب الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وليس في مثل هذا الفهم من تكلف؛ لأن القرآن يفهم عند المحققين من العلماء بحسب الدلالة المباشرة لألفاظه وبحسب الدلالة الدقيقة غير المباشرة، وصدق الله العظيم: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: ٥٣ ).

إنه وعد الله لعباده.. ولقد صدق الله وعده، فكشف عن أشياء من خفايا هذا الكون، ومن خفايا الأنفس على السواء، في خلال أربعة عشر قرنًا تلت هذا الوعد.. ولا يزال يكشف، وعن طريق العلم المادي يتجمع موكب الإيمان من فجاج شتى.. وهناك أفواج وأفواج تتجمع من بعيد عن هذا الطريق.. على الرغم من موجة الإلحاد الطاغية. 

وسيظل طريق الإعجاز العلمي، في بيان آيات الله في الآفاق وفي الأنفس سبيلًا إلى الإيمان.. وذلك وعد الله.. فهل آن لأمة الإسلام أن تتقدم ركب العلم كما كان السلف الصالح، حتى يبصر الشاردون المبعدون في تيه الضلال طريق الإيمان؟ 

ومن دلائل إعجاز القرآن كذلك اشتماله على أخبار أمم وحوادث وقعت في الأزمان الغابرة، ولم يكن للنبي ﷺ علم بها، لا عن معلم ولا عن كتاب.. مثل أخبار الأمم البائدة التي ما زالت آثارها باقية.. ومثل أخبار الأنبياء.. كما أخبره الحق تبارك وتعالى عن نوح وقومه، وما كان من إنجاء الله له، وإغراق الجاحدين. 

وقوله بعد أن ذكر بعض قصص أنباء الرسل وأقوامهم: ﴿ ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (هود:100)، وقوله بعد ذكر قصة يوسف: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف:102).

وقوله بعد أن أخبر عن قصة موسى وكيف كان ابتداء إيحاء الله وتكليمه له: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(46)﴾ (القصص:44-46)، ومنها اشتماله على أمور غيبية وحوادث مستقبلية، أخبر بها، وتحقق وقوعها فيما بعد.. منها قوله تعالى: ﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(5)﴾ (الروم:1-5). 

تلك إشارات إلى بعض معالم القرآن الكريم، الذي قال الحق عنه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52). 

ومن ثم حدث التغيير في حياة البشرية منذ اللحظة الأولى.. وبدأ تحويل سير التاريخ منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان، ويتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه.

 منذ هذه اللحظة المباركة على مفرق التاريخ كله.. ومنذ تحديد هذه الجهة عاش أهل الأرض الذين استقر في أرواحهم هدي القرآن في كنف الله ورعايته المباشرة الظاهرة. عاشوا يتطلعون إلى الحق مباشرة في كل أمرهم، كبيره وصغيره.. يحسون ويتحركون، ويتوقعون أن يتنزل عليهم وحي يحدثهم بما في نفوسهم، ويفصل في مشكلاتهم.

لقد كانت فترة عجيبة حقًا.. استمرت فيها هذه الصلة الظاهرة المباشرة.. فترة لا يتصور حقيقتها إلا الذين عاشوها وأحسوها، وشهدوا بدايتها ونهايتها وذاقوا حلاوة الاتصال، وأحسوا وقع فقدانها حينما انتقل الرسول ﷺ إلى جوار ربه.

ولقد ظلت آثار هذه الفترة تعمل في حياة البشر منذ تلك اللحظة، وهي كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولن يكون عسيرًا أن نبصر معالم المنهج الرباني في الحياة، وإننا لواجدون ذلك من خلال معالم الصورة الواضحة للشخصية الإسلامية التي حملت أمانة التبليغ.

وكلما قامت الأدلة في منهج السير في الحياة وفق المنهج الرباني قامت الحجة على ضرورة الاستمساك بالحق كما حدده القرآن.. علمًا وتقدمًا.. وبصرًا وبصيرة، وفقها وسلوكًا.. ومنهجًا وحكمًا وثقافة وفكرًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل