العنوان مصر.. الرئيس ينتزع صلاحياته كاملة من الجيش
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2012
مشاهدات 63
نشر في العدد 2011
نشر في الصفحة 14
السبت 14-يوليو-2012
- هدف قرار «مرسي» إعادة البرلمان.. سحب صلاحيات العسكري التشريعية.. إلغاء الإعلان الدستوري المكمل.
- خبراء وسياسيون: قرار الرئيس لا يتحدى المحكمة الدستورية.. ولكنه ينفذ حكمها بإجراء انتخابات جديدة لاحقا.
- مناهضون لحكم الإسلاميين يصطفون مع «العسكري » ضد الديمقراطية ويطالبون الجيش بالانقلاب على الرئيس وحصار قصره!
لم يفهم كثيرون الإشارات التي أرسلها الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي وهو يخطب أمام ميدان التحرير، ثم جامعة القاهرة ثم أمام قادة الجيش، في احتفال تسليم السلطة له عندما قال: «لن أتهاون في أي صلاحية من صلاحيات الرئيس», وقال: «إنه سيعيد المؤسسات المنتخبة»، وعندما شكر القوات المسلحة على حمايتها للديمقراطية وقال، إنه يقبل منها تسلم السلطة يوم ٣٠ يونيو الماضي - الموعد المحدد لتسليم السلطة - ثم دعا الجيش للعودة لثكناته للدفاع عن أمن مصر.
وتصوّر غالبية المراقبين أن الرئيس «مرسي» قد دخل في شهر عسل مع المجلس العسكري، بحيث يحكمان سويًا، ويقتسمان الصلاحيات، ولهذا فاجأهم قراره بعودة البرلمان.
ولكن الحقيقة هي أن الرئيس «مرسي» حافظ على كل وعوده، وانتزع صلاحياته انتزاعًا من المجلس العسكري، بعدما انتهت الفترة الانتقالية فعليًا، وجرى تسليم السلطة وكان عليه من أجل تقليص صلاحيات المجلس العسكري وإعادتها للرئيس المنتخب أن يلغي «الإعلان الدستوري المكمل»، الذي يعطي للعسكر سلطة التشريع، ويسمح لهم بالتحكم في ميزانية مصر بدلا من البرلمان الغائب، وهو ما فعله بإلغاء قرار المجلس العسكري حل البرلمان، ومن ثم إعادة البرلمان مؤقتاً ليمارس سلطة التشريع والرقابة على الموازنة، ما يعني إلغاء الإعلان الدستوري المكمل عمليًا!
قرار مفاجئ: يمكننا القول: إن الرئيس محمد مرسي سحب السلطة التشريعية من الجيش وأعادها للبرلمان، لأن الرئيس قد يكون بحاجة إلى قوانين معينة، أو ضبط الموازنة بما يمكن الحكومة من عملها وتوفير الموارد لتنفيذ خطة الـ (١٠٠) يوم التي وعد بها، لأن البديل هو عجزه عن تنفيذ أي إصلاحات، لتحكم المجلس العسكري في الموازنة والتشريع، ومن ثم إفشال الرئيس وبرنامجه، وإظهاره بمظهر العاجز وغير القادر على تحقيق وعوده.
وقد أثيرت تساؤلات حول مدى علم المجلس العسكري بقرار الرئيس من عدمه وقيل على لسان بعض الخبراء - مثل شادي حميد، مدير الأبحاث بمركز «بروكينجز» الدوحة: إن قرار عودة البرلمان قد يكون بداية لتسوية بين الطرفين على المدى القصير، يحصل فيها الجنرالات على جزء مما يريدونه وهو برلمان جديد في غضون شهور قليلة، ويكون بوسع الإسلاميين تجنب هيمنة الجيش على السلطة التشريعية، بيد أن المؤشرات تشير إلى أن المجلس العسكري قد تفاجأ بالقرار، ولذلك عقد اجتماعًا لمناقشته .
مآلات القرار والعسكر؟
وبرغم أن ما جرى اعتبره كثيرون من القوى الثورية في مصر انتزاعًا لصلاحيات الرئيس المنتخب, وعودة المجلس العسكري لدوره الطبيعي في حماية مصر، فقد اعتبره آخرون «صدامًا مبكرًا» بين الرئاسة والمجلس العسكري، كان متوقعًا، ولكن مستقبلًا وليس بمثل هذه السرعة!
وتساءل آخرون: ما إذا كان الجيش سيرضخ لقرار «مرسي» أم ستذهب مصر بديمقراطيتها الوليدة إلى أزمة دستورية شاملة لو اعترض المجلس العسكري؟!
والحقيقة هي - سواء نسق الرئيس مع المجلس العسكري حول هذا القرار أم لا – أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سلم السلطة التنفيذية لأول رئيس مدني للبلاد بالفعل في 30 يونيو الماضي، واعتراضه على القرارات السياسية للرئيس معناه الانقلاب العسكري الفعلي عليه، والتعدي على الرئيس المنتخب ما يعني الدخول في صدام أكبر مع الشعب نفسه الذي اختاره، ولهذا يسود اعتقاد راجح بأن المجلس العسكري لن يرد بصورة عنيفة، وسيقبل بقرارات الرئيس حفاظا على الشرعية.. برغم هذا سعى بعض مناهضي التيار الإسلامي لتحريض الجيش علنًا وصراحة على الانقلاب على الرئيس، وأن يحاصر قصر الرئاسة، وكانت المفارقة هي أنهم من محاميي أسرة الرئيس السابق «مبارك» ونجليه!!
ف«د. شوقي السيد» - أحد المدافعين عن أبناء الرئيس السابق أمام القضاء - طالب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بمحاصرة قصر الرئاسة لحماية الشرعية القانونية والدستورية التي انتهكها رئيس الجمهورية على حد زعمه مشيراً إلى أن «د .مرسي» لا يملك حق إصدار هذا القرار، كما دعا لمحاصرة مجلس الشعب ومنع النواب من دخوله، نظرًا لفقدانهم الصفة النيابية بمجرد صدور الحكم حرس البرلمان سمح بدخولهم!
أيضا طالب ممدوح حمزة المهندس الاستشاري الليبرالي التوجه الذي كان يهاجم المجلس العسكري سابقاً.. طالب القوات المسلحة بعزل «د . محمد مرسي» رئيس الجمهورية، وتقديمه للمحاكمة فورًا ومنعه من دخول قصر الرئاسة بزعم تعديه على السلطة القضائية، وقال على حسابه الشخصي عبر «تويتر»: «أطالب فورًا القوات المسلحة قائدي الجيوش والأسلحة بعزل الرئيس «محمد مرسي» فوراً، وتقديمه للمحاكمة، لتعديه على السلطة القضائية ومنعه من دخول قصر الرئاسة، إذا أرادوا لمصر أن تبقى دولة».
كما انتقد القرار القطب الناصري د. يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء الأسبق، وأحد محاميي أسرة «مبارك»، معتبًرا أن «نتائجه ستكون سوداء» وتجلب الخراب لمصر!
صدام مفتعل
أيضاً استغلت قوى سياسية وبعض القضاة قرار الرئيس بتصويره على أنه يشكل تحدياً من الرئيس لسيادة دولة القانون وصداماً مع المحكمة الدستورية، وتراجعاً عن قسمه الرئاسي باحترام القانون، وجرى تصوير القرار على أنه إلغاء القرار المحكمة الدستورية الخاصة بعدم دستورية انتخابات البرلمان، بينما الحقيقة أن القرار الجمهوري تضمن ثلاثة بنود أساسية (الأول): سحب - «إلغاء قرار المجلس العسكري «لا المحكمة» بحل البرلمان، وهو قرار إداري، وبالتالي أعاد الوضع لما كان عليه قبل قرار العسكري، وهو استمرار عمل البرلمان وعودته كما أشارت الفقرة الثانية من القرار لحين البحث عن آلية لتصحيح وضعه بعد حكم المحكمة الدستورية.
وهذه الآلية جاءت في الفقرة «ثالثًا» من قرار رئيس الجمهورية بإجراء انتخابات برلمانية جديدة خلال ٦٠ يومًا من موافقة الشعب على الدستور الجديد، وهي فقرة تعني احترام الرئيس لقرار المحكمة الدستورية وتنفيذه لها .
وقد ألمح لهذا ضمنًا المستشار ماهر البحيري رئيس المحكمة الدستورية الجديد عندما قال لقناة « الجزيرة مباشر مصر»: «إن هذا القرار يخص إلغاء قرار رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة بشأن حل المجلس ولم يتعرض لحكم المحكمة الدستورية».
بيد أن المستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق - الذي شارك في إصدار قرار حل البرلمان قبل إحالته للتقاعد - شن هجوما لاذعا على قرار رئيس الجمهورية قائلا : إن قرار الرئيس بعودة البرلمان باطل 100% ولا يستند إلى أي شرعية قانونية أو دستورية، ومخالف للقانون والإعلان الدستوري الصادر من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة عقب توليه مسؤولية إدارة البلاد بعد تنحي الرئيس السابق «حسني مبارك»!
كما هاجمت المستشارة تهاني الجبالي «ناصرية التوجه» نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا قرار رئيس الجمهورية بإعادة عمل البرلمان ووصفته بأنه «يعتبر انتهاكاً لسيادة القانون»، واعتبرته «بداية الحرب بين سلطات البلد»، وأضافت: «نحن الآن دخلنا دائرة تكسير العظام.. وسننتظر لنرى من سوف يكسب في هذه المرحلة؟!»
ولذلك أيضا لم تستطع الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية سوى التعقيب بأن أحكامها وكافة قراراتها نهائية وغير قابلة للطعن بحكم القانون، وأن هذه الأحكام في الدعاوى الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة، ولكنها حرصت في بيان لها - على تأكيد «أنها لیست طرفا في أي صراع سياسي مما عساه أن يثور بين القوى السياسية، ولا شأن لها بما تتخذه هذه القوى من مواقف، أو تتبناه من آراء، وإنما تظل حدود نطاق مهمتها المقدسة».
أما أهم ما كشفت عنه هذه الأزمة فهي أنها فضحت مدعي الثورة ممن وقفوا ضد قرار الرئيس مرسي، وساندوا المجلس العسكري، بل وطالب بعضهم بانقلاب الجيش على الرئيس لكراهية في أنفسهم لتولي رئاسة مصر مرشح إسلامي.