العنوان سلامة القلوب من مبادئ الإسلام
الكاتب أبو طالب زيان
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مارس-1971
مشاهدات 65
نشر في العدد 53
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 30-مارس-1971
بقلم: أبوطالب زيان
من نافلة الكلام، أن أثبت في هذا المكان، مبدأ ضروريًا من مبادئ الإسلام، وركنًا من أركانه، وأدافع عنه، أو أسوق الحجة على رعايته، وفضله، ذلك هو مبدأ نظر الإنسان إلى نفسه، ومعرفته بجسمه وروحه، وقلبه.
فالذي لا شك فيه، أن الإسلام دعانا إلى النظر في الجسم، والمحافظة على سلامته، ودعانا كذلك، إلى النظر في الروح، وإن كنا نقف منها في حيرة وحذر، ودعانا إلى النظر في القلب، وطالبنا برعايته وتعهده، والسهر على صلاحه، وحثنا على تنقيته من الشوائب وعلاجه مما قد يعلق به من الأدران، أو الميل إلى غير ما يحب المسلم، أو يجنح إليه ذو غرض.
وقلب المسلم تنتابه الأمراض وتعصف به الأحداث، كما تنتاب جسمه، وتعصف بكيانه وإن كانت الأحداث والأمراض تختلف شدة وضعفًا، طردًا وعكسًا.
فالإسلام في حكمته، لم يدع المسلم، يمسك قلبه بيده أو يتركه في مهب العواصف، يركن به أنى شاء، أو يضعه حيث لا يريد، يتخبط به في ضلاله أو يعيش معه في جهالة فقد ذكر القرآن الكريم القلب في غير موضع منه، ووضع له المبدأ الأسمى، وما يجب أن يكون عليه بعدما قسم مرضه، وعرض لكل الشبه والشكوك التي تكتنفه وتحيط به: قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ﴾ (البقرة: 10).
وقال جل شأنه: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ﴾ (المدثر: 31).
وقال: ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (النور:49:50).
وقال تعالى في مرض الشهوة: ﴿يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ﴾ (الأحزاب: 32).
أمراض القلب
والأمراض التي تنتاب القلوب كثيرة، لا يحصى عددها، أو يستطيع المسلم أن يسلكها في عداد الأمراض المحصاة، وإن جمع عقله، واستحضر ذاكرته، فما يصيب قلب المسلم هنا لا يصيبه هناك في بقعة أخرى من أرض الإسلام، وما يعدو عليه من علل وأمراض تميت قلبه هناك في أرض مسلمة، لا يماثلها ما يعصف بالمسلم هنا من انصرافه عن التعاليم الإسلامية، أو جريه وراء اللذات العارضة التي تهد كيانه، أو تلوي عوده، أو تدخل بيته وتعيش وإياه على قدم المساواة.
والواقع أن ابن القيم الجوزية، لم يجانبه الصواب، أو يعدو وجه الحق حين قال: إن مرض القلوب مرض شك، ومرض شهوة وغي، ودعا إلى تنقية القلوب، وطهارتها لتخلص إلى الله والعباد فإن النظافة القلبية والطهارة البدنية، كلاهما واحد، لصحة العبادة أولًا، ومعرفة الله ثانيًا في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه.
وما خلوص قلب المؤمن إلا دلالة على مرضاة الله ومحبته وعدم سخطه، ودليل قوي على معرفته لآياته الباهرة، ومعرفة رسوله صلوات الله عليه في أحكامه الواضحة وتعاليمه الراشدة التي تناهت في السمو، وعلت على كل التعاليم.
وليس شك في أن القلب هنا، ليس هو قطعة اللحم الصنوبرية الشكل التي تمثل المضختين الكابستين لجذب الدم من القلب وتوزيعه على الجسم أو العكس، ولكن القلب هنا هو تلك اللطيفة الربانية التي أودعها الله الجسم البشري، وأعدها لتلقي العلوم والمعارف وتوجيه الجوارح إلى ما يناط بها من عمل، أو هي الروح أو النفس أو الفؤاد.
علاج القلوب من أمراضها
غير أن الله لم يترك هذه النفوس دون أن يضع علاجًا لما تتخبط فيه من ضلال، أو تنوء فيه من جهالة، فوضع كلمة: لا إله إلا الله: محمد رسول الله حدًّا فاصلًا لهذه القلوب المشركة، وعلاجًا شافيًا لهذا المرض الذي ينفث سمومه بين الضلال عن الأمة الإسلامية والمنصرفين عن التوحيد، أو الوالغين في دنيا التيه والضلال، ولم يترك مرضًا من الأمراض التي تفشو في العالم العربي والإسلامي، إلا وضع له العلاجات النافعة التي تحد من سريانه، أو تقضي عليه.
فوضع حدًّا لقتل النفس والزنا والسرقة والحقد والغيبة والنميمة وشرب الخمر ولعب الميسر وغير ذلك، وأوعد بأشد العقاب للمستهترين الذين يخالفون هذه التعاليم، ولا يتبعون أوامره، وإن جاءت رحمته وتمثل عفوه في التوبة والاستغفار والحج المبرور وعدم الرجوع إلى هذه المعاصي التي كفل من صوت الإسلام، وتحد من تعاليمه، وتقوض من بنيانه.
والإسلام الرحيم السمح، لم يترك العلاج كذلك لبعض الأمراض الخفيفة مما يدخله المشرع الحكيم فيما يجوز العفو عنه، أو التكفير له: «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه فكفر عنكم سيئاتكم»، «الصلوات الخمس والجمعة – إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر»، «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
العلاج بالعيادات
ولقد وضح الإسلام هذه المبادئ السامية، ولم يفته وضع مبادئ أخرى أجل شأنا وأعظم أثرًا في حياة المسلمين، فالوضوء للصلاة -فوق أنه نظافة حسية- يتهيأ به الإنسان ليقف بين يدي الله خاشعًا، تاركًا لشواغل الدنيا مستجمعًا لقواه العقلية، متهيئًا للإقبال على الوقوف بين يدي ربه، بادئًا بتفكير جديد.
على أن الصلاة تحمل الإنسان على عمل كل خير وتبعده عن كل ضلالات، وهي وقفة ربانية روحانية، ومناجاة خالصة من العبد لربه في خشوع وذلة وانكسار وتجرد، فتتولد عنده المراقبة والخوف والبعد عن كل ما يغضب الله، فضلًا عن التهذيب الخلقي وتربية ملكة الصبر والأمانة وقوة الإدراك، التي تتولد عند المؤمن من ممارسته الصوم، واعتياده على استقباله وتوديعه.
والواقع أن المشاق التي يلاقيها الإنسان وهو في طريقه إلى الحج، لتؤكد له التوبة والبراءة من ذنوبه، إذ هو أخلص، فضلًا عن تمثل المؤمن وهو في حجه المساواة واختلاطه بسواد المسلمين الأعظم، لا فرق بينهم في قليل أو كثير، في أرض الله وبين يدي الله.
وركن الإسلام- وهو الزكاة- من بين الأركان التي يجب الحرص عليها، والعمل على الدعوة إليها، ولا سيما في هذا العصر الذي يتصل بعضه ببعض الاتجاهات والرغبات وتبادل المصالح، وبخاصة ونحن أحوج ما نكون في هذه الآونة إلى البذل والتضحية والعطف، والوقوف صفا واحدًا، أمام تحديات القوى في جميع أنحاء الأرض حتى يظهر العالم الإسلامي على حقيقته، ويخافه كل من يريد به الشر، أو يبغي له الانفصال والفكاك، ابتغاء انهياره وبعثرته، حتى لا يقوى أمام أي قوة، أو يصمد أمام أي جبروت!!
تصفية القلوب بغيتنا
ولا ريب، أن تصفية القلوب وتخليصها مما علق أو يعلق بها في هذا العصر الذي تتناوش العالم العربي فيه عوامل شتى من الجذب والشد، أو ما يحاك حوله من الدسائس والمؤامرات، لهي بغية كل مسلم يحرص على أن تكون بلاد المسلمين، كتلة واحدة، لا ينفع فيها سلاح الدس، أو تمشي فيها كلمة الواشي، أو يسود بين أبنائها مال الباغي الذي يريد الوقيعة ويطربه الانحلال.
إن الدخيل والغاصب لن يجد مكانًا يقيم فيه إذا كنا حريصين على السيادة، ذائدين عنها، يلم الشمل واجتماع الكلمة، وتنقية الضمائر، وصفاء القلوب، مستمسكين بكلام الله، ودستور رسوله الأكرم: محمد بن عبد الله، الذي جعل منا زاده، ومن الإيمان قوة، ومن المسلمين الأوَّلين سيوفًا، ترهب أعداء الله، الذين دفنت بينهم الوقيعة ومات الدس ومضى الإسلام، تحدوه الرغبة في السلام والوئام، وجمع الكلمة.
عندئذٍ عجز الشرك، عن مجابهة قوى الإيمان، وأقبلت النفوس بعدما تهيأت القلوب إلى الاعتراف بالحق، والإذعان للمبدأ والانضواء تحت لواء السلام والإسلام.
أيها الناس.. تعالوا إلى كلمة سواء:
ألَّا نختلف فيدخل بيننا الدخيل والغاصب، وألا نتأثر بالدعايات الفجة، فتتبلور نفوسنا، وينهار كياننا، وأن نمضي قدمًا على قلب خالص وفي طريق واحد، وعلى مبدأ واحد، نحمل شعار الإسلام، ونمشي على هدى دستور الله وتوصيات رسوله الأعظم: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ﴾ (التوبة: 105).
أبو طالب زيان
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل