العنوان الانكسارات البشرية… واستدعاء القرون
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1361
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 03-أغسطس-1999
كثيرًا ما يتأمل الإنسان الانكسارات البشرية في التاريخ، فيسأل نفسه فيقول: من الذي ألَّه الفراعنة؟ ومن الذي عبَّد الناس للأكاسرة والقياصرة؟ ومن الذي جعل الأحجار أربابًا من دون الله؟ فيأتيه الجواب بغير كد للذهن، أو تعب في البحث: إنها الشعوب وصدق الله: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: ٥٤)، حيث كانت انحطاطات الشعوب لا تقف عند حد، أو تنحسر عند تدنٍّ، حينما تمتهن أو تركع أو تذل فتسارع بخطى واسعة إلى الحضيض، وتهرول بانحدار شديد إلى التمرغ في الأوحال، تؤخذ خيراتها فتهلل وتركب ظهورها فتسير، وتجلد أجسادها فتسعد وتمتص دماؤها فتزغرد، وتنبح وتسلب قواها فتهتف بحياة قاتليها.
يا لها من مخلوقات لا تعرف لها طبيعة، ولا تدري لها مسمى أو جنس أو هوية كأنها خلقت ميتة أو ولدت لتستعبد، أو لتكون نوعًا من الحيوان لم يسمَّ بعد، أو قد يسمى بالنسخة المشوهة من البشرية، وهذه النسخ المشوهة والمخلوقات العجيبة يظهر أنها مازالت تكون زخمًا كثيفًا في العالم الثالث إلى اليوم، وتؤلف شعوبًا في كثير من دياره إلى الساعة، أعلم أن الكثيرين يذهبون كسياح إلى تلك البلاد ليشاهدوا هذه المخلوقات التي ظنوها قد انقرضت من زمن ولينظروا إلى تلك الأعاجيب التي حسبوها قد تجاوزها التاريخ عند تجاوزه للعصر الحجري وما قبله، أو تخطاها بعد اندثار العصور الوثنية والجاهلية الأولى.
وقد يجد الناس الفرق شاسعًا بين العصور، والبون كبيرًا بين الشعوب بين من يحاسبون قادتهم، وبين من يتعبدونهم، بين القيادة البشرية، والقيادة التي يجري في عروقها الدم الإلهي، بين الشعوب التي تملك السلطات، وبين السلطات التي تملك الشعوب بين عصور الحريات، وعصور التسبيح والتهليل والنفاق وإطلاق البخور بين عصور كرامات الإنسان وحقوقه وبين قهره واستعباده، وهضم حقوقه وضياع عرقه بين أمم لها أرواح وشعور وأذواق واختيارات وإبداعات وبين أمم لها أجساد بغير أرواح، ولا شعور ولا أذواق أجساد صنمية حجرية، أو بهلوانية كاريكاتيرية خيالية ضبابية، بين أمم تدار بالأجهزة والقوانين والمؤسسات وتعدد السلطات، وتبادل القيادات، وبين أخرى تدار بالأزرار، وتوجه بالريموت كنترول، وتدار عن بعد، أو بالبرمجات والتجليات والإلهامات والعنتريات والعسكريات والدكتاتوريات بين أمم مرفوعة الرأس شامخة الأنف عزيزة الجاه تملك مصائرها، وتعرف حاضرها، وتقدر لمستقبلها، وبين أمم تلثم الأيدي والأرجل، مطأطئة الرأس، وجوهها في أرجلها، ورؤوسها في أحذية غيرها، تصفق بألسنتها، وتركع بعيونها وأنوفها وتلهج بشفاهها، وتكتب بدمائها عرائض تلها ونخاستها وعبوديتها.
كم قدرت الصعاب التي تحملها الأنبياء والرواد والمصلحون الذين جاهدوا طويلًا لإنقاذ تلك البشرية المطحونة، وكافحوا كثيرًا لانتشال هذه الإنسانية المعذبة، وتحملوا عظيمًا في سبيل استخلاصها من براسن جهلها وعبوديتها وتسفلها، ومن مخالب سدنتها وشياطينها وجزاريها.
وكم كان الإسلام عظيمًا حين حرر الدنيا من كل ذلك، وبعث فيها روحًا جديدة بعد هذا الموات الطويل، وصدق الله:﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام: ۱۲۲)، حور النفوس من داخلها فانتصرت على كل شيء على تسفلها، على أبالستها، على جزاريها، فما أصبحت تتمرغ في الأوحال، أو تلثم الأيدي، أو يتسول الحقوق، أو تعبد أحدًا، أو صنمًا، بل تعبد الله وحده، له تسجد، وله تسبح وتخضع وكم كان الرسول r عظيمًا حين علم الكرامة، وساوى بين الناس أحمرهم وأبيضهم، غنيهم وفقيرهم، عبدهم وحرهم، رئيسهم وعامتهم، وجعل الرقي بالصفات الكريمة والأعمال الطيبة والاحتساب لله، والخدمة لعباده، والإصلاح في الأرض ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، وقال r «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»، (رواه مسلم).
البيع الحقيقي يكون للمبادئ والطيبات والمعالي وللأعمال الصالحة، وكل ما يرضي الله سبحانه.
أما الذين يبيعونها للدنيا، يبيعونها للناس يدنسونها في الأوحال، فهذا البيع هو الذي أضاع إنسانية الإنسان وكرامته، وصدق الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: ٢٠٧)، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٩ – ١٠)، ولهذا وبهذه التعاليم القيمة خرجت من رحم الجاهليات مدنيات وشعوب ملات الدنيا عزة وكرامة وأسست لها المبادئ الحقة التي تحفظ لها عزتها وسعادتها وحريتها إلى يوم القيامة، بل وتحفظ كل خلق الله من حيوان وجماد، ونعم.
يقول الحسن بن علي «ابن آدم تغدو وتروح في طلب الأرباح، فليكن همك نفسك، فإنك إن ريحتها لن تربح مثلها أبدًا».
وكان بعض السلف يبكي ويقول: «ليس لي نفسان، إنما لي نفس واحدة، إذا ذهبت لم أجد أخرى»، وقال بعضهم أغالي بنفسي عرفانًا بقيمتها، فلا تذل لأحد إلا لله، ولا تباع بعرض من الحياة الدنيا، ولا تباع بدنيا الناس.
وقال محمد بن الحنفية: «إن الله U جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها وقيل له من أعظم الناس قدرًا، قال: من لم ير الدنيا كلها لنفسه ثمنًا أو خطرًا»..
أي نفوس هذه؟ وأي همم تلك حتى أنشد بعضهم يقول:
أُثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها بشيء من الدنيا فذاك هو العين
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصيبها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن
وحقيقة.. هل نحن اليوم أحفاد الإسلام، وأحفاد هؤلاء العظام الذين علموا الدنيا الكرامة. أم نحن أتباع الجاهليات الغابرة، والعصور السحيقة، والعهود الحجرية؟
أرى أن يراجع كل منا خطوة، ويراجع كل شعب من شعوبنا مسيرته، عله يأخذ العبرة، ويضع رجله على الدرب الصحيح، والله ينادينا كل وقت وحين: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣) صدق الله العظيم، فهل نحن سامعون … نسأل الله ذلك.. نسأل الله ذلك.