العنوان ملوك الآخرة.. الصفة الثامنة عشرة: الإحساس والتأثر
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 03-يوليو-2010
مشاهدات 75
نشر في العدد 1909
نشر في الصفحة 52
السبت 03-يوليو-2010
تناولنا في المقال السابق الصفة السابعة عشرة لعباد الرحمن ، وهي "ترك اللغو"، ونتحدث في هذا المقال عن الصفة الثامنة عشرة، وهي "الإحساس والتأثر"..
إن من أعظم القيم التي يحثُ عليها ديننا العظيم "الإحساس والتأثر"، فقيمة الإحساس والشعور إذا ما ترسخت في المسلم، فإنها تولد مجموعة من الأخلاق العظيمة التي تعتبر من أكبر المقومات الإنسانية لقيادة العالم، ومن أبرز هذه النتائج المترتبة على قيمة الإحساس: التأثر والرحمة، والشفقة، وقضاء حاجات الأخرين والهمة العالية، والمبادرة، والتضحية والإيثار، والبكاء، والخشوع والعفة.. والكثير الكثير من الأخلاق.
صفة عباد الرحمن
وعباد الرحمن يتميزون بهذه الصفة العظيمة، التي يقول عنها الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ [الفرقان: 73]، يقول الإمام القرطبي: "أي إذا قُرئ عليهم القرآن، ذكروا آخرتهم ومعادهم، ولم يتغافلوا حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع"(۱).
إنهم يمارسون الحياة، لأن الحي هو الذي يحس ويشعر، والأموات لا يحسون ولا يشعرون وكثير من الناس يمارسون دور الأموات، وإن كانوا يدبون على الأرض، ولكنهم أموات في أحاسيسهم ومشاعرهم، ولهذا السبب فهم لا يتأثرون بما يسمعون من كلمات الله ورسوله ، ولا بما يرونه من الأموات والأحداث العظام التي يسوقها الله إليهم ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168]، ولكنهم يصرون على النوم العميق، واللامبالاة، وعدم الإحساس ومزاولة الموت وهم أحياء.
يزيدهم خشوعاً وإقبالاً
وهؤلاء العباد الصالحون من عباد الرحمن يعيشون ويمارسون الحياة بكل نبضها، ويحسون بكل شيء يدب حولهم، وكل ما تقع عليه أبصارهم، ويسمعونه بأسماعهم، وما يخطر على قلوبهم يذكرهم بالله تعالى، وبمعادهم، وما خلقوا من أجله، لذلك، تكون قلوبهم يقظة على الدوام، لأنها متصلة برب العالمين وأكثر ما يثير فيهم الإحساس والمشاعر "التذكير بآيات ربهم" ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ [الفرقان: 73]، فيزيد خشوعهم، وخوفهم من الله تعالى، وتزداد حلاوة الإيمان، ولذة المناجاة وحب الخلوة مع خالق السماوات والأرض، ويزداد شغفهم بسماع المزيد من زاد القلوب، والحرص على التلقي، واحترام وتبجيل المذكرين لهم بالله، يقول الإمام الرازي: "إنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصاً على استماعها، وأقبلوا على المذكرين بها، وهم في انكبابهم عليها سامعون بآذان واعية، ومبصرون بعيون راعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصم والعميان، حيث لا يفهمونها ، ولا يبصرون ما فيها كالمنافقين"(٢).
الصم والعميان
لم يعب الله من ابتلاه بالصمم والعمى، فهذا خلقه هو سبحانه وتعالى، إنما عاب على من يمارس الصمم والعمى بإرادته، ليغلق أبواب الإحساس ومنافذها، وليعطل بذلك مجموعة كبيرة، إذا لم تكن جميع الصفات الحسنة التي حث الشارع عليها ، وليفرق الله من خلالها بين الإنسان والحيوان الذي وإن رأى وسمع، فإنه لا يستطيع إلا فعل ما فطر عليه، وصفة الصم والعمى عند التذكير تقتضي الإعراض عن المذكر، وربما الإساءة إليه، وتحتمل أيضاً: بلادة الحس، وقساوة القلب، وسماكة الران المغطي على أماكن الإحساس في القلب ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) ﴾ [المطففين: 13، 14]، يقول الإمام القرطبي نقلاً عن ابن عطية: "فكأن المستمع للذكر قائم ،القناة، قويم الأمر، فإذا أعرض وضل، كان ذلك خرورا ، وهو السقوط على غير نظام وترتيب"(۳).
وهذا الصنف من الناس الذين يمارسون العمى والصم أكثر ما يحزن الدعاة إلى الله من عباد الرحمن، ويؤذيهم وهم يرونهم يتجهون بإرادتهم إلى نار جهنم، وهذا ما شكى منه الأنبياء عليهم السلام، ومنهم سيدنا نوح عليه السلام عندما قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴾ [نوح: 7]، فهم يضعون أصابعهم، ويبالغون في إدخالها داخل آذانهم، لكي لا يسمعوا حرفاً واحداً مما يقوله الداعية الذي يريد الخير لهم، وكذلك فإنهم لا يتحملون رؤيته، فلعل رؤيته تذكرهم وتوقظ الشعور لديهم، لذلك يغطون وجوههم حتى يحكموا إغلاق جميع المنافذ للإحساس.
يقول سيد قطب يرحمه الله: "وفي التعبير تعريض بالمشركين الذين ينكبون على آلهتهم، وعقائدهم وأباطيلهم كالصم والعميان لا يسمعون ولا يبصرون، ولا يتطلعون إلى هدى أو نور، وحركة الانكبات على الوجوه بلا سمع ولا بصر ولا تدبر، حركة تصور الغفلة والانطماس، التعصب الأعمى"(٤).
جزاؤهم يوم القيامة
هؤلاء الذين يمارسون دور العميان والصم بإرادتهم، لتجنب سماع كلمات الحق، يعاقبهم الله يوم القيامة بحشرهم عمياً وصما، وعندما يحتجون ويتساءلون عن ذلك، يذكرهم الرب بما كانوا يزاولونه في الدنيا من التعامي وصم الآذان عن رؤية وسماع الحق، فكذلك كانت العقوبة في الآخرة متلائمة مع ذلك الدور الذي كانوا يقومون به أثناء وجودهم في الدنيا. يقول تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) ﴾ [طه: 124، 126].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: 97].
الهوامش
(۱) القرطبي محمد : تفسير القرطبي / ٧ /٤٧٩٧ ، طبعة دار الثقافة.
(۲) التفسير الكبير، ٢٤ / ١١٤ ، طبعة دار إحياء التراث العربي.
(۳) تفسير القرطبي، مرجع سابق ٤٧٩٧/٧. (٤) سيد قطب في ظلال القرآن ٢٥٨٠/٥، ط. دار الشروق.