العنوان لماذا التدخل الأمريكي في الخليج؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1980
مشاهدات 84
نشر في العدد 477
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 22-أبريل-1980
•كيسنجر: الميزان العسكري يعمل ضدنا وفي المنطقة سلسلة ثورات محلية.
مع تصاعد أزمة الرهائن الأميركيين في طهران و زيادة التوتر بين إيران والولايات المتحدة من جانب و بین إیران والعراق من جانب آخر ينطرح سؤال مبدئي هو:
هل تتدخل الولايات المتحدة عسكريًا في الخليج بحجة حل أزمة الرهائن؟
و إذا تدخلت فهل هو حقًا هذا السبب وإذا لم يكن كذلك فما هو مغزى التدخل العسكري إذًا؟
وهل هو مرهون كما صرح بريجنسكي باتساع الصراع العراقي- الإيراني؟؟
•هذه الأسئلة تثور بين حين وآخر كلما ذكرت الأنباء تَحَرُّكًا أمريكيًا عسكريًا في المحيط الهندي أو بحر العرب.
و المسؤولون الأمريكيون لا يدعون المراقب يُجْهِد نفسه في البحث عن أدلة و أمارات هذا الوجود العسكري؛ بل هم يصرحون بذلك ويدافعون عنه بحماس.
فعلى إثر تواتر الأنباء عن اقتتال بالمدفعية على الحدود العراقية الإيرانية قال مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي أن بلاده قد تتدخل إذا تعدى القتال الإيراني- العراقي حدوده، و حَذَّر في الوقت نفسه من أن بلاده قد تتخذ إجراءً عسكريًا إذا أُوذيَ أي من الرهائن الأميركيين الخمسين الذين يحتجزهم الطلاب المتلزمون بنهج زعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني.
وفي محاولة لتطمين الأنظمة الحاكمة في منطقة الخليج، قال دايفد نيوسوم وكيل الخارجية الأمريكية: أن الولايات المتحدة لا تقوم بتعزيز وجودها العسكري في المنطقة بغرض التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول!
ولكنه استهجن في نفس الوقت المقارنة بين الوضع في إيران وتَوَقُّع حدوث اضطرابات في منطقة الخليج العربي مُشيدًا بقوة ركائز المجتمع في تلك الدول والمملكة العربية السعودية بشكل خاص!
- تحركات عسكرية أمريكية
وقد ترافقت هذه التصريحات مع أنباء عن توجه السفينة الحربية حاملة الرؤوس النووية «ایزنهاور» مرفأها بولاية فرجينيا إلى بحر العرب.
وذكرت وكالة الأنباء اليابانية أن قاذفات نووية استراتيجية أميركية من نوع «ب- ٥٢» حلقت بشكل دوري فوق منطقة الخليج في شهر يناير الماضي.
والجدير بالذكر أنه قبل وصول هذه المعدات إلى الخليج كان هناك ١٥٠ طائرة تكتيكية و١٤ سفينة حربية متوفرة بصورة مستمرة في الخليج وبحر الغرب، كما اعترف بذلك وزير الدفاع الأميركي هارولد براون..
و ذكرت مصادر يابانية مسؤولة أن أميركا تعتزم إجراء مناورات عسكرية برية و بحرية في البحر الكاريبي و المحيط الهندي في شهر مايو المقبل.
و صَرَّح وزير الدفاع المصري- كمال حسن علي- بأن القوات الجوية الأمريكية والقوات الجوية المصرية ستقوم بإجراء مناورات مشتركة هذا العام.
و الواقع أن الإدارة الأميركية قد باشرت في تنفيذ ما سمي بمبدأ كارتر الذي اعتبر الخليج منطقة حيوية للأمن القومي الأميركي منذ عام ۱۹۷۷، حيث رصدت التخصيصات اللازمة لبناء فرق عسكرية منقولة و مزودة بأحدث الأسلحة التكتيكية و الاستراتيجية سُمِّيَت بفرق التدخل السريع.
- قواعد وتسهيلات
ولكي يكون الوجود العسكري الأميركي فعالًا؛ عمدت الإدارة الأميركية إلى بناء قواعد عسكرية في مناطق حساسة استراتيجيًا، أو الحصول على تسهيلات من بعض الدول لاستخدام موانئها أو قواعدها العسكرية للإقامة أو التزود بالوقود منها، وقد أعلنت كل من الصومال وعمان رسميًا على موافقتها على تقديم التسهيلات اللازمة للقوات البحرية الأمريكية.
و تُعْتَبَر قاعدتي بربرة في الصومال ومصيرة في عمان من أهم النقاط البحرية الاستراتيجية التي تتحكم بمضيق هرمز الذي تمر منه شاحنات النفط إلى مختلف دِوَل العالَم.
وقد ذكرت صحيفة الوطن الكويتية (١٩٨٠/٤/١٢) أنه بفضل جهود مهدي التاجر- سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في لندن- تم وضع الترتيبات اللازمة لتوقيع اتفاق بين الإدارة الأميركية والحكومة المحلية في دبي لمنح الأسطول الأمريكي التسهيلات البحرية والعسكرية المطلوبة.
ولكن إذا صح الخبر فإنه يشك في إمكانية تحقيق ذلك؛ حيث نفت حكومة أبو ظبي ذلك، كما ذكرت الأنباء أن الشيخ زايد يؤيد جميع حكام الإمارات الأخرى عدا حاكم دبي في رفض منح أية تسهيلات لأمريكا.
و تجري الإدارة الأميركية حاليًا محادثات مع كينيا وأستراليا لبناء قاعدتين عسكريتين فيهما، و إذا أضفنا إلى ذلك قاعدة سيناء التي يُجرى بناؤها بالتعاون مع السادات و إسرائيل يتبين كيف أن أميركا تعمل على تطويق منطقة الخليج العربي.
لماذا الوجود العسكري والتهديد بالتدخل؟
ولم تكتف أميركا بتواجد قواتها الخاصة في الخليج وبحر العرب، بل طلبت من حلفائها في أوروبا واليابان مناصرتها و دعمها في ذلك، و يرجع المسؤولون الأمريكان سبب هذا الوجود العسكري إلى تغير الوضع و اختلال الاستقرار في المنطقة بفعل الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه، وقد أعلن كارتر أنه قد يلجأ إلى القوة لفك أزمة الرهائن الأميركيين.
و كان بريجنسكي قد رهن التدخل العسكري باتساع نطاق النزاع العراقي- الإيراني، و لكن هل تُقْدِم أميركا على إشعال نار حرب قد تتضاعف لتصبح حربًا عالمية تأكل الأخضر واليابس من أجل الرهائن الخمسين؟! إن المراقبين يشكون في ذلك.
وإذا صحت الأنباء التي رددتها الصحف أكثر من مرة و أكدتها السياسة (٨٠/٤/١٨) من أن هناك اتفاقًا بين أميركا وحكومة إيران لإطلاق الرهائن مقابل تسليم الشاه، فإن غزو أسباب التدخل الأميركي تبدو إذًا غير منطقية وغير صحيحة. وعلى أية حال فإن الدلائل تشير إلى أن فك أزمة الرهائن سيؤول إلى الناحية السلمية، خاصة وأن الرئيس الإيراني الحسن بني صدر قد صرح أكثر من مرة باعتقاده بخطأ السياسة الإيرانية تجاه أزمة الرهائن.
والمعروف أن الوجود العسكري الأميركي سابق للثورة الإيرانية كما أن التهديدات الأميركية باحتلال منابع النفط تعود إلى عام ١٩٧٤؛ لذلك فإنَّ رَبْط الوجود العسكري بالأوضاع التي خلقتها أزمة الرهائن كما يقول المسؤولون الأمريكان غير صحيحة.
- الأطماع الروسية:
ويضيف الأمريكان إلى أن وجودهم العسكري في منطقة الخليج يهدف إلى حماية استقلال دول المنطقة، و مَنْع تعرضها للغزو السوفياتي، ولإقناع دول هذه المنطقة بذلك يتحدث الأمريكان باستمرار عن الغزو الروسي لأفغانستان، والعلاقات السوفياتية مع بعض دول المنطقة كعدن وأثيوبيا، ودعمه للثوار في ظفار.
والحقيقة أن الإتحاد السوفياتي أصبح فعلًا دولة عظمى تحكمها المصلحة في علاقاتها مع الدول الأخرى. وهناك أدلة كثيرة على أطماعه في الخليج، وما دُمنا هنا لسنا بصدد ذلك فنكتفي بالإشارة إلى افتتاحية البرافدا (۸۰/۲/۲۹) التي كتبها مسؤول إعلامي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي و دعا فيها إلى « إيجاد ضمانات تحت إشراف الأمم المتحدة تؤمن لكافة من يحتاجون أو قد يحتاجون إلى نفط الخليج على قدم المساواة، و أن يضمن حق التزود بالنفط و الوصول إلى الخليج لكافة الدول الراغبة في الإتجار مع الخليج»
و هذه إشارة إلى طمع الروس في نفط الخليج الذي قد يحتاجون إليه في منتصف الثمانينات .
و قد ذكرت مصادر أميركية إلى أن هناك حشودًا روسية على حدود إیران، وأن أكبر سفينة هجوم برمائية سوفياتية «إیفان روجوف» على ظهرها ٤٠٠ من رجال البحرية «المارينز» قد وصلوا إلى المحيط الهندي لأول مرة منذ حوالي أسبوع.
و نحن نرى أن هذه التحركات الروسية، وفي هذا الوقت بالذات تدل على أن أميركا- من منطلق الوفاق- تريد أن تهيئ الجو للاتحاد السوفياتي ليأخذ نصيبه من النفط مستقبلًا.
و نحن قد رأينا في مقالات سابقة أن الغزو الروسي لأفغانستان لا يخرج بعيدًا عن سياسة الوفاق، و المعروف أن الوجود العسكري الأميركي في المحيط الهندي سابق للغزو الروسي لأفغانستان و سابق للوجود العسكري السوفياتي نفسه في المحيط الهندي، ومما يدعم وجهة النظر هذه عدم جدية الإجراءات الأميركية ضد الإتحاد السوفياتي من جهة وضد إیران من جهة ثانية.
- الهدف الاستراتيجي:
و إذًا فليس هناك منطق مقبول يسوغ الوجود العسكري الأميركي في الخليج غير الهدف الأميركي الاستراتيجي، ولكن ما هو هذا الهدف؟
لا شك أن النفط كمادة أساسية للقاعدة الصناعية التي يقوم عليها النظام الرأسمالي الأميركي هي مُرْتَكَز هذه الاستراتيجية.
غير أن هناك أهدافًا أخرى مرتبطة بهذا الهدف. وقد تكلم في الآونة الأخيرة أكثر من مسؤول أميركي شرح هذه الاستراتيجية، مثل مساعد وزير الخارجية هارولد سوندرز، و وزير الخارجية سایروس فانس، و وزير الدفاع هارولد براون، فضلًا عن الرئيس کارتر نفسه، و قد أشار كل هؤلاء إلى أهمية النفط، ليس لأمريكا فحسب بل لحلفائها كذلك.
كما أشاروا إلى «ما أسماه فانس الإمكانية المتاحة للاتحاد السوفياتي للوصول جغرافيًا إلى هذه المنطقة المهمة، ونظن أن هاتين النقطتين غير خافيتين على أحد.
غير أن هناك هدفًا تجدر الإشارة إليه؛ لأنه قد يعتبر مؤشرًا مفيدًا في معرفة أسرار السياسة في دول المنطقة ليس على الصعيد الخارجي بل على الصعيد الداخلي، يعبر عن هذا فانس أمام لجنة العلاقات الخارجية للكونغرس يوم ٨۰/۳/۲۷ قائلا:
«و لكن مصلحتنا في المنطقة تتناول أكثر من النفط، فالسلام والاستقرار في المنطقة هما أمران مهمان جدًا لمستقبل أصدقائنا هناك، و يؤثران على السلام الأوسع مدى، و إن قوتنا و مهارتنا في دعم استقلالهم ستُظْهِر لهم و للأخرين هدفنا في العالم».
و في أثناء اشتعال الثورة الإيرانية عام ۱۹۷۸ صرحت مصادر أميركية وغربية أن الخطر الحقيقي الذي تواجهه السياسة الغربية في الشرق الأوسط عمومًا هو ظهور بوادر تغيير اجتماعي «راديكالي» يتميز حسب ادعائهم بالتعصب الديني، مشيرين بذلك إلى الحركات الإسلامية، و يبدو أن قادة الغرب خاصة أميركا قد أقْنَعَت بعض دول المنطقة بخطورة المد الإسلامي، مما انعكس على سياسة هذه الدول تجاه الحركات الإسلامية.
وقد جدد كيسنجر مخاوف أمیرکا من الثورات المحلية في معرض انتقاده لسياسة كارتر يوم ١٩٨٠/٤/١١ حيث قال:
أننا نواجه فترة خطرة جدًا في السنين الخمس المقبلة في وقت يستمر فيه الميزان العسكري بالعمل ضد مصالحنا، وفي الوقت الذي تبرز فيه سلسلة من الثورات المحلية.
وقد أشارت الدراسة التي نشرتها جريدة القبس الكويتية مترجمة بعنوان «الخليج في أفاق الثمانينات» إلى أن هذه الدول تحتاج إلى إجراء تعديلات إصلاحية لصالح النزعة الإسلامية، وذلك للمحافظة على استقرارها.
و نحن نوافق أميركا بأن الحركات الإسلامية هي الخطر الحقيقي على مصالحها في المنطقة، وهي من أجل ذلك حاولت أن تطرح «إسلامًا أميركيًا» لتطويق حركة الانبعاث الإسلامي و تدجينها. و لكننا ننصح حكام دول الخليج وجميع الحكام في بلاد المسلمين بضرورة الحكم بالشريعة الإسلامية و إطلاق يد الحركات الإسلامية لتأخذ دورها في ذلك.
ونحن إن فعلنا ذلك مع ما أفاء الله علينا من أموال وخيرات سنملك استقرارًا وأمنا و إرادة قوية؛ تقف بصلابة أمام كل أطماع أميركا وأطماع روسيا وكل أطماع العالم. فالله سبحانه يقول: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (سورة محمد: ٧)
فهل نحن يا ترى في هذا الدرب سائرون؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل