العنوان المجتمع التربوي- العدد 1910
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 10-يوليو-2010
مشاهدات 57
نشر في العدد 1910
نشر في الصفحة 46
السبت 10-يوليو-2010
إمامة الرسول صلي الله عليه وسلم لكل الأنبياء والمرسلين ... أهم الدروس
دروس من رحلة الإسراء
● الإسراء إيقاظ للهمم في مواجهة الكيان الصهيوني الغاصب الذي رفض الاعتراف بنبوة محمد ولا بإمامته للأنبياء
● معركتنا مع الصهاينة ليست معركة بين محتلين وأرض محتلة بل قضية عقيدة وإيمان
بقلم: أ. د. محمد بديع
المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
ينشر بالترتيب مع موقع إخوان أون لاين - بتصرف
يدور الزمان دورته ليعود شهر رجب على الأمة الإسلامية ليذكرها إن كانت قد نسيت فما بالكم والأحداث ساخنة والدماء سالت على الأرض وعلى سطح السفينة سفينة الحرية في قافلة الحرية في شهر قبل رجب، فإذا جاء رجب وجدنا ما زلنا نذكر أن هذه الدماء سالت من كل الناس من المسلمين والمسيحيين بل ومن اليهود الذين أرادوا كسر الحصار عن أهل غزة، فإذا جاء شهر رجب وجد الأمة - ما زالت في توابع هذا الزلزال الذي هرها من المشرق إلى المغرب.
وحادثة الإسراء والمعراج تمت في ليلة واحدة، ولكنها قد فصلت بدرسين مستقلين درس الإسراء وحده في سورة الإسراء، ودرس المعراج وحده ذهب إلى سورة النجم.
ولهذا أمر مهم يجب على الأمة أن تنتبه إليه، عندما تجد التركيز على درس معين الله عز وجل يريد أن يعلمنا وينبهنا إلى عدم الخلط بين الدروس والعبر بعضها بعضا﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) ﴾َ (يوسف).
عندما يذكر الإسراء وحده فهناك درس خاص ننتبه إليه.. فما الإسراء؟ إسراء برسول الله صلي الله عليه وسلم ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، درس عن الوصلة ما بين المسجدين لهما صلة ولهما مكانة عند رب العزة، ويجب أن تكون لهما هذه المكانة عند المسلمين، حتى إن الركعة في المسجد الحرام بـ ١٠٠ ألف ركعة، والركعة في المسجد الأقصى بـ ٥٠٠ ركعة.
● إمامة الرسول صلى الله عليه وسلم
ولكن الدرس الأهم أن يذهب رسول صلي الله عليه وسلم ليصلي إماما بكل الأنبياء والمرسلين، هذه هي القضية المهمة التي يرسلها كل الأنبياء المرسلين إلى أممهم، ولم يبق منهم إلا بنو إسرائيل ومن جاء من نسلهم، ومن الأمة المسيحية التي بقيت مؤمنة بعيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أن جميع الأنبياء والمرسلين سلموا الراية لمحمد صلي الله عليه وسلم ، بل صلوا خلفه مأمومين قبل أن تفرض الصلاة بشكلها الحالي، إذن لب القضية هو الأصل ليس الشكل، ولكن اللب هو الالتزام الذي أمرهم به الله عز وجل﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾َ (آل عمران : ۸۱)، هؤلاء جميع الأنبياء والمرسلين، قالوا : ﴿أَقْرَرْنَا﴾َ . ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾َ آل عمران، والله عز وجل خير الشاهدين شهيد على كل شيء، بل هذه الأمة لها هذه المكانة، وستشهد على هذه الأمم يوم القيامة لتقول لهم: إن أنبياءكم صلوا خلف رسولنا صلي الله عليه وسلم ، وقد تحمل هو المسؤولية والراية والأمانة وحملنا إياها من بعده؛ لذلك نحن نحمل الراية والأمانة والمسؤولية عن كل الأمم بل عن كل البشرية إلى يوم القيامة حتى يستشهد بنا الأنبياء عندما تكذبهم أممهم ويقولون لنا : نستشهد بكم يا أمة محمد صلي الله عليه وسلم ! إننا قد بلغناهم وقد كذبونا وقد أذونا وقد تنكروا لما حملناهم من الأمانات، وما كلفناهم من التكاليف النازلة من السماء بأمر الله عز وجل فتأتي الأمم لتحتج على شهادتنا : ما الذي أدراكم يا أمة محمد صلي الله عليه وسلم ؟ نقول لهم: قد أنبأنا الله عز وجل وقد أخبرنا رسوله صلي الله عليه وسلم بهذا ، ونحن نؤمن بهذا الغيب؛ لذلك كنا أمة محمد صلي الله عليه وسلم ، أول صفاتها : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) ﴾ (البقرة).
● نموذج باق
هذا النموذج باق إلى نزول عيسى عليه السلام إلى آخر الزمان، سينزل وهو على نفس العهد تابعا لمحمد صلي الله عليه وسلم ، بعدما صلى خلفه مأموما في ليلة الإسراء، وسيعود ليصلي خلف أي إمام من أئمة المسلمين، ينزل ليجده يصلي في المسجد، فيصلي عيسى عليه الصلاة والسلام خلفه مأموما لهذا الإمام، تابعاً لأمة الرسول صلي الليه عليه وسلم ، ولهذا قال لنا ربنا عز وجل: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ (النساء 109)، وقال المفسرون: قبل موت عيسى عليه السلام أو قبل موت كل واحد من أهل الكتاب والمعنى يسع الجميع. نعود إلى المشهد هذا الذي هو منبه لنا عن أمة محمد ودورها، وعن هذه الإمامة المحمد صلي الله عليه وسلم بهذا التشريف الرباني والتكريم وبشهادة جميع الأنبياء والمرسلين على أممهم بأنهم تابعون لمحمد ، مأمومون الإمامة محمد صلي الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين.
● حدث ضخم
سورة الإسراء، تحدثت عن هذا الحدث الضخم الذي قدمنا بعض دروسه وعبره في آية واحدة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء).
وانتهت قصة الإسراء التي سميت السورة باسمها، هل يعقل أن يكون هذا الدرس كله مختصرا في آية؟.. لا .. إن هذه هي البداية هذا هو المفتاح، أما القضية كلها .. إذا ما فتح الباب فهو الصراع صراع الوجود، كما سماها د. عبد الستار سعيد معركة الوجود بين القرآن والتلمود لأنها ليست معركة بين محتلين وأرض محتلة، لا .. إنها قضية عقيدة وإيمان نشأت عندنا من هذا المنشأ، ولا بد أن تستمر على هذا النهج، وليست قضية سياسية ولا مهجرين أو حتى معابر وإن كنا نريد لهذا الظلم أن يرتفع عن إخواننا لكن القضية الأصلية التي تحمل رايتها حتى يحققها الله عز وجل أو نهلك دونها، استعادة أرض فلسطين المقدسة إيمانياً وعقائدياً وليست سياسياً أو جغرافيا.
● خطاب إلى بني إسرائيل
نعود إلى القضية الأصلية عندما انتهت مقدمة سورة الإسراء عن الإسراء، انتقل الحديث كله عن بني إسرائيل.. لماذا؟ بل الخطاب بالقرآن مليء بالخطاب الموجه إلى بني إسرائيل مباشرة، بالرغم من أنهم ليسوا مخاطبين بالقرآن ولكنهم سيسمعون هذا النداء ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة : ٤٠)، يا من تدعون أنكم نسل يعقوب عليه السلام، يا من دنستم اسمه بانتسابكم إليه في كيان مغتصب صهيوني أثم كل صفات الخسة والإجرام فيه
حتى بين عناصرهم هم، رأيتم 100 ألف من اليهود الإشكناز يقومون بالمظاهرات رافضين أن يتعلم أبناء السفرديم (اليهود السفرديم) الشرقيين مع أبنائهم في نفس المدارس، ونفس الفصول .. هذه هي العنصرية البغيضة، حتى بينهم وبين إخوانهم من اليهود، فكيف بهم مع غير إخوانهم؟ أو كيف بهم مع من يحاربونهم من المسلمين والمسيحيين؟، هم يحاربون كل أصحاب الديانات بل حتى دينهم لا يبقون على خير منه بل يستخدمونه في الصراع وفي القتل، ويدعون به ادعاءات باطلة، ينهبون بها ويسرقون بها وينتهكون بها الحرمات ودينهم منهم براء.
إسرائيل نموذج لهذا الاسم، إنه اسم نبينا ونبي الإسلام يعقوب عليه وعلى نبينا السلام، وقد دنسوا هذا الاسم بنسبة هذا الكيان الغاصب إليه وهو منهم براء.
● حقد دفين
نعود إلى القصة الأصلية الإسراء، هو مفتاح الحديث عن بني إسرائيل والحقد الدفين، كما قال لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم : «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين، فأكثروا من قول آمين رواه ابن ماجه عن ابن عباس، بل حقدوا عليكم بأن نزلت علينا آية واحدة، وهي﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ ( المائدة : ٣). آية واحدة حسدونا وحقدوا علينا أن تكون لنا هذه الآية، ولم تنزل عليهم وقالوا : لو نزلت علينا معشر اليهود لجعلنا يوم نزولها عيدا . نعود إلى قضية الإسراء وبني إسرائيل في نفس السورة التي ذمهم فيها الله عز وجل وعاقبهم، وذكر لعنة الأنبياء والمرسلين حتى أنبيائهم ومرسليهم - عليهم، ذكر لنا الجزء المشترك بين جميع الرسالات والنبوات وهي القيم والأخلاقيات والعقائد الثابتة، فجاءت الوصايا العشر في سورة الإسراء»، هي وبقاؤها واستمرارها وحفظ الله عز وجل لها في سور القرآن الكريم دليل قاطع على أن القيم والأخلاقيات الإسلامية ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) ﴾ (الأعلى)، منذ بداية الخلق منذ أن نزلت على أول الأنبياء آدم عليه السلام، قال له الله عز وجل: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (البقرة 38).
وقواعد وسنن لا تتبدل، فنتعلم جميعاً أن درس الإسراء إيقاظ للهمم في مواجهة هذا الكيان الغاصب الذي رفض الاعتراف بنبوة محمد صلي الله عليه وسلم ، ولا بإمامة محمد صلي الله عليه وسلم ولا بمكانته في المسجد الأقصى الذي يشهد له، وسيظل يشهد لنا وله إلى يوم القيامة أن الله عز وجل جعله إماما لجميع الأنبياء والمرسلين في هذا المكان الذي يريدون أن يهدموه؛ ولذلك رب العزة قال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ( الأعراف 167). ونحن على يقين أن الله عز وجل منتقم بأيدينا وأيدي المسلمين، وأيدي الأحرار في العالم، بل وبأيدي هؤلاء المجرمين أنفسهم لأن الله عز وجل قال : ﴿بَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار ﴾(الحشر 2). هذا الكيان الغاصب إلى زوال، وكل الاحتلال إلى زوال، وأمر الله قائم إلى قيام الساعة {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ﴾ (الحج : ٤٠).
===============
رسالة إلى.. إرهابي !!
● النفس الإنسانية مكرمة ومعصومة ولها حرمة عظيمة وقد حرم الله القتل في جميع الشرائع
هل ما تقوم به من قتل وتدمير يحقق مصلحة عامة للأمة ؟
● اعتقال المسلمين وتعذيبهم والتضييق عليهم واحتلال أراضيهم بحجة مكافحة الإرهاب جاء بعد حادث سبتمبر ٢٠٠١م
إيمان مغازي الشرقاوي
لحظة من فضلك.. لا تتعجل في الحكم على الرسالة ولا تخطئ فهم عنوانها .. فلست أقصد بالإرهابي أنه المسلم الملتزم بدينه عقيدة وعملا وخلقا وسلوكا ووسطية واعتدالا ، ولا أعني من يدفع المحتلين عن وطنه ونفسه وبيته وأهله.. فهؤلاء لا ينبغي لأحد أن يسمهم بالإرهاب أو يصفهم به.. وإنما أقصد الإرهابي المتصف بالفساد والظلم والعدوان، وتخويف الناس أو إيذائهم بغير حق أو صد عن سبيل الله أو اعتداء على الأنفس والأموال العامة أو الخاصة بالإفساد ، وهو الإرهاب الذي يردع الآمنين ويأخذ البراء بذنب غيرهم، ولا يبالي ما سفك من دماء ولا ما دمر من مبان ولا ما استحل من حرمات، وهو الإرهاب المنهي عنه والمذموم شرعاً ، ومن ارتكبه فقد ارتكب جرماً يستحق اللوم والعقاب.
وأعني ما قاله علماء المسلمين المعاصرين عند اجتماعهم في الدورة السادسة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي التي عقدتها رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في شهر يناير ۲۰۰۲م الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان دينه ودمه وعقله وماله بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذا المشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أموالهم للخطر، ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر (1).
لذا كانت رسالتي إليه.. أخطها وأرسلها إلى كل إنسان يرهب الآمنين في البر والبحر والجو بالقتل والتهديد والتفجير والإيذاء دون أن يرعى لهم حقا أو حرمة...
إنها إلى من يقتل نفسه ويجعل منها قنبلة موقوتة أو مستودع ذخيرة متحركا : تبيد وتحرق كل ما حولها دون رحمة أو شفقة ليس في ساحة معركة مكشوفة، أو في دفع عدو صائل أو حال دفاع عن نفسه وماله أو بيته وعرضه، بل يصوبها في قلوب البراء من البشر بلا جريرة منهم فيقتلهم جميعا دون أن يهتز قلبه المرأى طفل بينهم أو امرأة أو شيخ عجوز. وإلى كل من كان سبباً في ترويع الآمنين وتخويفهم، فأفسد في الأرض وأهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.
أهديها نصحا إلى من جعل من نفسه على الناس محاسبا ورقيبا، وشاهدا وحاكما وقاضياً وجلاداً، وشائقاً وقاتلا، فتلوثت يداه بالدم الحرام تفجيرا وقرصنة وقتلا وتدميرا وتخويفا وخطفا .
فهي إذا موجهة إلى كل من سلك تلك الطريق، مسلما كان أو غير مسلم، وإن كنت سأخص بها المسلم لما له علي من حق النصيحة، وقد أخطأ الطريق ظنا أن ذلك
من شرع الله عز وجل...
● إنني أخاطب فيك روح الإنسان..
أخاطبك الآن بصفتك إنسانا، وأحاورك كأخ في الإنسانية لك من الصلة ما لك كإنسان، إذ يجمعنا الانتماء لأبي البشر آدم عليه السلام، وتضمنا دنيا واحدة هي هذه الحياة، ويجمعنا سكن واحد هو هذه الأرض التي هي مستقر أجسادنا أحياء وأمواتا ... وأتحدث إليك كمسلم تتخذ دين الإسلام لك ديانة تدين بها أمام الله وتظهر بها أمام الناس.. وأريد منك أن تتوقف لحظات تفكر فيها بروح الحق والإنصاف بعيدا عن هوى النفس وتأثير الغير وتلبيس إبليس ووساوس الشياطين من الإنس والجان...
● الإنسان في ميزان الله عز وجل..
إن الله تعالى حين خلق الإنسان مضغة صغيرة في رحم أمه جعل له حرمة على أهله وذويه، فحرم إيذاءه بأي نوع من أنواع الإيذاء فوهب الأم قلبا حنونا يخشى عليه من أي أذى صغيراً كان أم كبيراً، حتى أنها تتألم وتمرض فتخشى أن تتناول دواء فتؤذيه، كما حرم على والديه الشروع في قتله أو التخلص منه، فمنع إجهاضه وحرمانه من الخروج إلى عالم الأحياء إنسانا مكرما على سائر المخلوقات، فإذا ما ولد كان محرماً على أبويه ممارسة أي نوع من الإيذاء البدني أو النفسي
على هذا الوليد أيضاً، فحرم وأد البنت خشية العار كما كانوا يزعمون، وحرم قتل الولد خشية الفقر الذي كانوا يخافون، وقال لهم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ﴾ (الإسراء : ٣١).. فإذا كان هذا حقه وهو جنين في بطن أمه أو وليد صغير في حجر أبويه، فما ظنك عن حرمة نفسه عندما يكبر، إنها بلا شك تكبر معه يوماً بعد يوم، وتزداد وتضاف إليها حرمات أخرى كحرمة ماله وحرمة عرضه، لكن حرمة النفس تظل أكبر من هذه الحرمات، لذا فإن الآيات البينات تتنزل بتغليظ جريمة قتل النفوس وإزهاق الأرواح بغير حق، فهو سبحانه وتعالى الذي أودعها الإنسان بعد أن سواه ونفخ فيه من روحه ووهبه الحياة إلى أجل مسمى لا يعلمه إلا هو سبحانه؛ إذ لم يطلع عليه أحدا من خلقه، ولم يجعل لأي من البشر حقا في أن يسلب أخاه تلك الحياة الموهوبة من ربه وخالقه، إلا ما كان منها قصاصاً أو حداً لإحقاق الحق كما جاء في قول رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إسلام أو زني بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس (أبو داود)، وذلك ليس لكل أحد أن يقوم به وإلا عمت الفوضى واستشرى القتل بل هو من اختصاص أولي الأمر والمسؤولين الذين خولهم الله تعالى مسؤولية القيام بذلك نيابة عمن يسوسونهم.
● هل تحب أن تكون قاتلاً للناس جميعاً؟
جاءت الشريعة الإسلامية خاتمة وكان من أعظم مقاصدها حفظ النفس، فالنفس الإنسانية مكرمة ومعصومة ولها حرمة عظيمة، لذا فقد حرم الله القتل في جميع الشرائع. وبين لنا قبحه فقال: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة : ٣٢)، وفي المقابل ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ ( المائدة :(٣٢) . قال ابن عباس رضي الله عنهما : وإحياؤها ألا يقتل نفسا حرمها الله فذلك
الذي أحيا الناس جميعا. وقال مجاهد: ومن أحياها أي كف عن قتلها (٢).
● ما عذرك في الإقدام على قتل النفوس ؟
قد تقول ملتمسا لنفسك العذر فيما تقوم به إنك لا تريد قتل مسلم أو غير مسلم وإنما تقصد التخويف والإرهاب ولفت النظر لقضايانا لدفع الظلم عن المظلومين، وتؤكد أن هذا لن يتحقق دون ضحايا ويزين لك الشيطان سوء عملك وتتوهم صحته فتقدم على لعبتك الخطرة .. وتشجع نفسك وتمنيها بالأجر والثواب على هذا الجرم الكبير في حق هؤلاء الضحايا وإرهابهم وتخويفهم فتلعب بالنار فتحترق وتحرق معك أحلام وآمال الكثيرين ممن يكتوون بلهيبها، وسواء عليك
مت أم عشت في نهاية عمليتك الإرهابية تلك فإن آثار جريمتك البشعة لا تنتهي بنهايتك ولا تموت بموتك، بل يدفع ثمنها باهظاً كبيراً كل مسلم بعدك بل وغير المسلم، إذ يتجرع مرارتها الجميع ويعاني من نتائجها الكثيرون فإذا بأبناء قد تيتموا ونساء ترملن وأمهات
صرن ثكلى، وأرض تئن من الخراب الذي حل بها، وفهم للإسلام مشوه من قبل الغير ووصف له بالإرهاب، كل ذلك من أثر سوء فهمك وعدم وعيك وبعدك عن أخذ العلم والفتوى من أفواه أهلها من العلماء، وفقه
الدين على غير حقيقته.. وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم لزوال الدنيا جميعا أهون على الله من دم يسفك بغير حق (الترغيب والترهيب وصححه الألباني فقال صحيح لغيره.
● أي مصلحة في هذه العمليات الإرهابية؟
إنك تدعي وتظن أن ما تقوم به ليس إلا بدافع إسلامك وغيرتك على دينك ودفاعاً عن حرماته، فتعال معي لحظات نتناقش بحيادية تامة دون التحيز لرأي أو التعصب لفكر ... ألا تعلم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح بنص القرآن الكريم؟ ألم تقرأ قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (الأنعام 108)؟ ففي هذه الآية يقول الله تعالى ناهيا لرسوله والمؤمنين عن سب آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين وهو الله لا إله إلا هو (٢).. وفي هذه الآية أيضا ضرب من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسد الذرائع، وفيها دليل على أن المحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين). وهذا ما فقهه شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله حين مر مع بعض أصحابه على قوم من جنود التتار يشربون الخمر ويلهون بأقداحها سکاری مخمورین فأنكر عليهم بعض من معه، فقال له الشيخ: دعهم في سكرهم، فإنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل الأنفس ونهب الأموال (0). فهل ما تقوم به من قتل وتدمير مصلحة في ذاته؟ وهل يحقق المصلحة العامة للأمة؟ كيف وقد تجرأ البعض بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١م المشؤومة على سب النبي صلي الله عليه وسلم والطعن فيه وفي رسالته، وفعلوا ما لم يكن يفعل قبلها من اعتقال المسلمين وتعذيبهم والتضييق عليهم واحتلال أراضيهم بحجة مكافحة الإرهاب، ذلك الباب الذي فتح لهم. ومازالت سلسلة الاستهزاء بالمسلمين والطعن فيهم قائمة إلى الآن..
الهوامش
(1) الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان
الشرع : د. إسماعيل لطفي بن عبد الرحمن جافاكيا، موقع الإسلام دوت كوم...
(۲) تفسير ابن كثير، موقع الإسلام دوت كوم».
(۳) المصدر السابق.
(٤) تفسير القرطبي، موقع الإسلام دوت كوم».
(٥ ) موقع إسلام ويب دوت نت.