; المجتمع الأسري (1244) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (1244)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1997

مشاهدات 86

نشر في العدد 1244

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 01-أبريل-1997

 

الانطواء مشكلة اجتماعية.. لها علاج

ظاهرة تنشأ من ظروف اجتماعية معينة، كأن يشعر الطفل بالإحباط أو يتعرض المعاملة قاسية أو يولد بعيب خلقي

تحقيق: إيمان البهنساوي

الانطواء ظاهرة يعاني منها كثير من الأطفال في مقتبل حياتهم، وإن لم يتم التغلب عليها في مهدها قد تصاحبه في الكبر، وبالتالي سوف تؤثر عليه سلبًا في التعايش مع المجتمع، وهي مشكلة اجتماعية تتعدد أسبابها وطرق علاجها فقد أجمع علماء الدين وخبراء علم الاجتماع والنفس والتربية على أن من أسبابها العاهات أو العيوب الخلقية التي قد تصيب الطفل أو قد يولد بها، أو كثرة شجار الأسرة وتفككها أو المعاملة القاسية أو العنيفة التي يلقاها سواء في الأسرة أو المدرسة أو المجتمع، ونظرا لأن الإنسان مدني بطبعه -كما قال ابن خلدون- فإنه يلزم من وجهة نظر الخبراء سرعة معالجة هذه الظاهرة، وعبر هذا التحقيق الذي استطلعنا فيه آراء الخبراء والمعنيين تقدم توصيفًا لأسباب هذه الظاهرة وكيفية التخلص منها.

في البداية يقول د. «أحمد المجدوب» -الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية-: «إن الطفل يولد كالصفحة البيضاء، ثم تقوم عملية التنشئة الاجتماعية بتحديد سلوكه من خلال تعليمه بعض الأمور التي تسهم في تشكيل وصياغة حياته على نحو معين».

ويوضح أن الانطواء أو الانبساط حالة نفسية تنشأ من ظروف اجتماعية معينة، فعندما يشعر الطفل بالإحباط من جراء بعض المعاملات العنيفة أو القاسية فإنه يلجأ إلى الانطواء ولذلك فإن الأم عليها دور مهم للغاية في تعليم الطفل وتوجيهه بالتدريج وبالأخرى إذا كان لها بنت فعليها أن تهتم بتربيتها، وأن تعمل على تأهيلها في جميع مراحل حياتها منذ طفولتها. لأنها سوف تصبح في يوم من الأيام أما تلقى عليها مسؤولية تربية أولادها التربية الصحيحة السليمة.

ومن هنا كان العبء الأساسي على الأم التي يجب أن تكون مدرسة تربوية لأولادها، أن توضح لهم الصواب من الخطأ، وتنقل لهم الخبرات من خلال القصص والحكايات الهادفة، ويكمل هذا الدور جهاز التلفاز، إذ يجب أن يقدم برامج مدروسة وجذابة الهدف منها تصحيح الأخطاء الناتجة عن التنشئة غير السوية.

 وتلعب المدرسة دورًا فاعلًا في هذا الإطار حيث إنه يجب العناية بمجتمع التلاميذ من خلال خلق نوع من المشاركة والتعامل ومراقبة سلوكياتهم لتقويمها، وتعد المدرسة من أخطر المؤسسات التربوية في حياة الطفل، ولذلك فقد تنبهت اليابان إلى ذلك مبكرا، ووفرت خبراء على مستوى عال جدًا للتعامل مع الطفل عبر برامج مخطط لها بشكل علمي سليم، بينهم أخصائيون نفسيون وغيرهم يقومون بمتابعة جميع أحوال وتصرفات الطفل في هذه المرحلة، كما أن الاتحاد السوفييتي سابقًا نجح في إنشاء مدارس رياض الأطفال التي تقوم بمتابعة جميع حركات وتصرفات الطفل لتنمية مواهبه وغرس الأفكار الإبداعية في ذهن الطفل حتى يشب عبقريًا.

● الأسلوب الوسط في التربية

وترى «د. عبلة الكحلاوي» -أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر- أن العامل الوراثي يلعب دورًا كبيرًا في تشكيل طبيعة الطفل، فقد يفرز طفلًا مدنيًا أو آخر انطوائيًا، حيث إن الأسرة المفككة دائمة الشجار تسهم في تكريس ظاهرة الانطواء لدى أطفالها، إذ إن فقدان حنان الأم يجعلهم يؤثرون الانعزال اتقاء آثار الشجار التي تؤثر سلبًا عليهم. 

ولما كان الإسلام هو منهج الوسطية والاعتدال في مختلف نواحي الحياة، فقد طالب الأسرة باتباع الأسلوب الوسط في تربية الأبناء بعيدًا عن الحنان الزائد الذي قد يصل إلى حد الإفراط في التدليل، وكذلك بعيدًا عن الأسلوب التعليمي الذي قد يصل إلى حد القسوة.

والمؤسسات التي تسهم في تنشئة طفل سوي هي الأسرة والمدرسة والمجتمع، إذ إنها جميعًا تكمل بعضها من خلال منهج تربوي يضعه المتخصصون، كما أن وسائل الإعلام منوط بها أن تقدم البرامج التي تهدف إلى خلق طفل مدني.

● القدوة الأسرية

وترى «د. رفيقة» -خبيرة تربوية باليونسكو وعميدة كلية التربية بالبحرين سابقا- أن هناك العديد من العوامل التي تسهم في تشكيل الشخصية الانطوائية حيث تتباين مظاهرها في اتخاذ أسلوب معيشي معين -حسب الفروق الذاتية بين الأفراد- فهناك يتقوقع بعيدًا عن المجتمع، وآخر يتأثر بمظاهر الانحراف السائدة ليرسم لنفسه طريقًا خاصًا يتعامل به مع المجتمع، وهذه العوامل تتمثل في طبيعة الطفل البدنية من حيث السمنة أو النحافة، الأمر الذي يؤدي إلى الانطواء، وكذلك وجود بعض العاهات كالعرج وغيره تجعله يتعرض للاستهزاء والسخرية من قبل أقرانه، مما يشعره بالنقص ويفقده الثقة بنفسه فيلجأ إلى العزلة أو الانحراف.

وأيضًا تعد العوامل النفسية من أهم أسباب الانطواء والتي تتمثل في عدم إشباع الحاجات النفسية الأساسية عند الطفل، وعلى سبيل المثال عدم شعوره بتقدير الآخرين له، أو فقدانه للشعور بالنجاح، أو الحب وإثبات الذات، كذلك إذا تميز عنه أصدقاؤه في بعض الأمور كان يكون أقل ذكاء، يضاف إلى ذلك العلاقات الأسرية غير المستقرة، والتي تسودها العصبية والمشاحنات المستمرة، كما أن عدم العدل في المعاملة بين الأبناء أو تفضيل الولد على البنت يسهم في إيجاد هذه الظاهرة. 

وإذا قامت الأسرة أو المدرسة بتكليف الطفل بمجهود يفوق قدراته العقلية والبدنية، أو تعقد مقارنة بينه وبين أقرانه المتميزين عنه، فإن ذلك يأتي بنتيجة عكسية ويصنع طفلًا منطويا. وتقترح د. رفيقة روشتة علاجية للقضاء على هذه الظاهرة من خلال إحاطة الطفل بالحب وخلق الجو الهادئ والبحث عن اهتماماته وميوله، وتشجيعه وتحفيزه في الأعمال التي ينجح في القيام بها، وتكليفه بأعمال تتلاءم مع استعداداته وقدراته والثناء عليه عندما يتفوق فيها، وإفساح المجال أمامه للاعتماد على نفسه، ومشاركته في صناعة القرارات الخاصة بالأسرة من خلال أخذ رأيه وبعث الثقة في نفسه وإفساح المجال له للانطلاق واللعب، وملء أوقات فراغه بأعمال مفيدة ومناقشته في شؤونه بهدوء وتلبية حاجاته النفسية، كما أن القدوة الأسرية تلعب دورًا مهمًا في تعليم الطفل كيف يتعامل ويندمج مع الآخرين.

ويوضح «د. حامد زهران» -أستاذ علم النفس- أن الشخص الانطوائي انسحابي وغير اجتماعي ويميل إلى الانعزال، ويخشى الاتصال بالمجتمع ويتمركز حول نفسه، جامد التفكير وغير مرن فهو يهتم بالأمور الدقيقة والصغيرة فهو يحب ويحزن ويكره، ولكن بشدة، يميل للعزلة، يتأمل الطبيعة ويزيد اهتمامه بالأشياء غير العادية، ولكنه رغم ذلك يميل للاكتئاب وسهل الاستثارة ومتقلب المزاج، ويميل إلى السرحان وأحلام اليقظة.

توسيع دائرة معارفه وتوضح «د. ملك الطحاوي» -أستاذ علم الاجتماع- أن الانطواء مشكلة اجتماعية قد تصاحب الطفل في معظم مراحل حياته العمرية مشيرة إلى أن التفرقة بين الأبناء والحالات الخلقية لدى الأبناء تشعرهم بالنقص، ومن ثم يترتب على ذلك الانطواء، وقد يسهم في تكريس ظاهرة الانطواء معاملة الأهل والأصدقاء، كما أن المدرسة إذا افتقدت الأسلوب التربوي السليم في التعامل مع الطفل -العقاب إذا كان بطريقة فجة- فسوف يولد لدى الطفل نوعًا من الانطوائية ويصبح غير قادر على المواجهة.

وللتغلب على ظاهرة الانطواء لدى الطفل تقترح د. ملك توسيع دائرة معارفه ومحاولة تثقيفه منذ البداية، ومده باللعب الحديثة، ومراقبة سلوكه، وتوضيح الخطأ والصواب في ممارسته وتحركاته اليومية، والاهتمام بكل تصرف للطفل. ويكون كل ذلك في جو من الهدوء والود والتفاهم.

ويرى «د. السعدي فرهود» -رئيس جامعة الأزهر الأسبق- أن الأم بطبيعتها تميل إلى تدليل أولادها بدافع الحب والحنان، ولذلك فإن التدليل الزائد عن الحد، قد يجعل الطفل ينزوي إلى أمه ويفر من الآخرين، ومن طبيعة الأطفال المرح والحركة. 

حيث يتعود الطفل على الانبساط، وبالتالي يجب عدم نهره أو إرهابه إذا ما أخطأ. والحديث الشريف يؤكد أهمية مداعبة الطفل لمدة سبع سنوات وتأديبه لمدة سبع، وضربه لمدة سبع، وخلاصة الأمر أن دواء هذه المشكلة لدى الأم، لأنها مدرسة الطفل.

 وتوضح «د. عزة كريم» -الخبيرة الاجتماعية- أن الانطواء ينشأ نتيجة استخدام أساليب عنيفة في التعامل مع الطفل. إضافة إلى المواقف الحرجة التي يتعرض لها. الأمر الذي يفقده الثقة بنفسه، ويجعله غير قادر على التعامل مع الآخرين، وعلاج ذلك يقتضي تحديد سبب الظاهرة بدقة لوضع العلاج الناجع لها.

وتبقى في النهاية كلمة 

بعد استطلاع رأى المتخصصين في ظاهرة الانطواء: أسبابها وطرق علاجها، يتضح أن الأم الناجحة بخبراتها ووعيها تستطيع أن تلعب دورًا أساسيًا في علاج هذه الظاهرة، فمهمتها أن تشعر الطفل الحنان الذي لا يصل إلى حد التدليل المفرط، وأن تغرس فيه منذ نعومة أظافره كيفية الاعتماد على النفس والتعايش مع المجتمع السوي الذي لا انحراف فيه، حتى ينشأ الطفل صحيح التصرفات سليم السلوكيات عضوًا فاعلًا في المجتمع.

تنمية ثقة الطفل بنفسه

اتبع الرسول الله صلي الله عليه وسلم طرقًا عدة لتنمية ثقة الطفل بنفسه... تلك الثقة التي تعد بمثابة العمود الفقري للشخصية الناجحة والتي تؤهل المسلم لتبني الجليل من الأعمال ويرشد الأستاذ محمد نور سويد، في كتابه منهج التربية النبوية للطفل إلى الطرق التي كان يتبعها الرسول الله وذلك من خلال:

١- تقوية إرادة الطفل وذلك بتعويده على أمرين اثنين وهما:

أ - تعويده حفظ الأسرار: كما فعل أنس رضي الله عنه، وعبد الله بن جعفر، إذ عندما يتعلم الطفل كتم الأسرار ولا يفضحها فإن إرادته تنمو وتقوى وبالتالي تكبر ثقته بنفسه.

ب - تعويده على الصيام: عندما يصمد أمام الجوع والعطش في الصوم يشعر الطفل بنشوة الظفر والانتصار على النفس وبالتالي فإن إرادته تقوى على مواجهة الحياة مما يزيد من ثقته بنفسه

٢ - تنمية الثقة الاجتماعية:

عندما يقضي الطفل حاجيات المنزل وأوامر الوالدين، ويجالس الكبار ويجتمع مع الصغار فإن ثقته الاجتماعية بنفسه تنمو، إلا أنه يجب أن تكون مجالسة الطفل للكبار مطلقة إذ إن هناك من الأمور والأحاديث مالًا ينبغي للطفل سماعها لأنها تفوق إدراكه، وهذا يرجع لحنكة المربى في مثل هذه المواقف.

 ولابد أيضًا أن يسبق مجالسة الطفل للكبار تعليمه آداب المجلس حتى تأتي مجالسة الكبار بالفائدة المرجوة.

٣- تنمية الثقة العلمية:

وذلك بتعلمه للقرآن ولسنة الرسول الله صلي الله عليه وسلم، وسيرته العظيمة فينشأ الطفل وقد حمل علمًا غزيرًا في صغره فتنمو ثقته العلمية بنفسه لأنه يحمل حقائق العلم بعيدًا عن الخرافات والأساطير.

٤- تنمية الثقة الاقتصادية والتجارية: 

وذلك بتعويد الطفل البيع والشراء والتجول في الأسواق بصحبة والديه وقضاء حاجتهما، ويشاهد النبي كله الطفل عبد الله بن جعفر وهو يبيع بيع الغلمان فدعا له بالبركة، وهكذا نجد حرص رسول الله صلي الله عليه وسلم على تنمية الطفل بنفسه.

أحلام علي

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

379

الثلاثاء 24-مارس-1970

أطفالنا من هم وإلى أين؟

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!