العنوان الدب الروسي يحرك ذنبه حول منابع النفط الخليجية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1980
مشاهدات 61
نشر في العدد 465
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 15-يناير-1980
على متن إحدى الطائرات التي كانت تعبر الخليج، وفي يوليو عام ۱۹۷۸، كان هناك ثلة من أبناء الخليج يرافقهم سياسي متقاعد منذ أوائل الستينيات، وكان الشباب الخليجيون يأنسون بذكريات ذاك السياسي.. ففيها ما يحلو، كقصة اكتشاف أول بئر للنفط في المنطقة، وحكاية البريطاني الذي زعم أنه يزرع الماء في رمال الخليج ويحصده ذهبًا.. وقصص كثيرة أخرى، وفي ثنايا الحديث سأل السياسي:
هل تعرفون التوقيت الذي تستحكم فيه أزمة الطاقة بالعالم؟؟
وجاءت التعليقات وقتها متشابهة، لكن فاجأ الجميع عندما قال:
«عندما ينتهي الاحتياطي البترولي في جمهوريات الاتحاد السوفيتي، وفي منتصف الثمانينيات القادمة تمامًا!!
كان ذلك السياسي المحنك يحاكم مسألة استحكامه أزمنة الطاقة بالعالم من ناحيتين: الأولى:
منتصف الثمانينيات هو التوقيت التي يصل برنامج الاتحاد السوفيتي في التسلح ذروته.. وبذلك يكون في حالة هي أحوج للطاقة من كل وقت.
الثانية:
منتصف الثمانينيات هو الموعد الذي يبدأ فيه الإنتاج العالمي للنفط بالتراجع، وبذلك يصبح النفط كأحد عناصر الطاقة الأساسية سلعة نادرة..
وأمام هاتين الناحيتين، يخيل للمرء أن الروس الشيوعيين لابد أن يكونوا قد وضعوا جدولًا زمنيًا خاصًا لتجاوز العقبة الكأداء التي يمكن أن تقف في وجه برامجهم في منتصف الثمانينيات.
هنا فقط، يمكن للمرء أن يفسر التحرك السوفياتي في هذا العالم من خلال مقولة الروس التي تقول «القوة في النفط والنفط في القوة».
إذًا.. فما هي الترتيبات التي يمكن أن يضعها الروس لضمان استمرارية برامجهم في سباق العلم والفضاء والتكنولوجيا في الثمانينيات؟!
لقد كتبت «المجتمع» مرارًا عن شهوة الروس إلى النفط، وألحت في كثير من أعدادها مُحذرة الأمة والعالم أجمع من برامج الاتحادالسوفيتي التي يمكن أن تصيب دول العالم بناره.
ففي العدد ٤٠٣ من المجتمع، والصادر بتاريخ ٦ شعبان ۱۳۹۸، كتبت المجلة تحت عنوان «أصابع الدب الروسي».
«فشهوة السوفيات إلى التمركز في نقاط معلومة من العالم باتت معروفة، ورجال الكرملين يعرفون التوقيت الذي يجب أن يعلنوا فيه عن أنفسهم، وقد تكون فرحتهم حانت لتثبيت مرتكزات تساعدهم على الوصول إلى منابع النفط.. وإن السوفيات يخططون للوثبة التالية كما يلي:»
● رسم مثلث بثلاث زوايا تحيط بمنابع النفط وهي كما يلي:
«أفغانستان من الشرق، واليمن من الجنوب، والعراق من الشمال».
- تنشيط القوى اليسارية في بلدان الخليج وتثبيت مرتكزات داخلية تؤمن وقوف الزحف الشيوعي على أرض صلبة في نهاية اللعبة.
مداومة التواجد العسكري في المحيط الهندي، والالتفاف الدائم حول الجزيرة العربية.
إثارة قوافل الضجيج والجعجعة العمالية الاشتراكية في مناطق أخرى متفرقة «تركيا - إیران «حزب ثورة»، حيث سينشغل الآخرون بينما ينقض الشيوعيون وعملاؤهم على النقاط المحددة للتمركز في زوايا المثلث المحيط بمنابع النفط».
هذا ما كتبته «المجتمع» منذ ما يقارب عشرين شهرًا.
ترى.. إلى أية درجة ينطبق هذا القول على واقع الأحداث وعلى منطق التحرك السوفياتي في المناطق المحيطة بمنابع النفط؟
إن كشفًا بسيطًا بالاستعداد العسكري السوفياتي يكشف لنا الخطر الروسي المحدق بمنطقة الخليج وذلك كما يلي:
1- القواعد العسكرية السوفياتية حول الخليج:
يركز السوفيات قواعد بحرية كثيرة في الآونة الأخيرة وذلك في المناطق التي يمكن أن تلف على عنق الجزيرة العربية والخليج بسهولة، فزاوية المثلث العدنية «اليمن
الجنوبي» تعج الآن بقواعد لمختلف الأسلحة السوفيات الهجومية، وقد ذكر في تقرير خاص يكشف المتنافسة حول الخليج العربي، بأن عدد الخبراء السوفيات في اليمن الجنوبي كاد أن يصل إلى عشرين ألف رجل، وعدن هي الدولة العربية الوحيدة التي تعطي السوفيات بشكل علني ما يطلبه من قواعد للعسكرة قرب منابع النفط، هذا فضلًا عن القواعد في سومطرة القريبة من المنطقة وموزامبيق التي جعلها السوفيات من أكبر مراكزهم العسكرية للانطلاق الى المحيط الهندي وبحر العرب والجزيرة.
2- الحشود البحرية السوفياتية:
يبدو أن حرارة النفط تزيد في حرارة الاندفاع نحو، فأثر الأزمة الإيرانية الأمريكية فوجئت المياه الخليجية والبحار المحاذية لها بأساطيل عجيبة النوع تمخر عبابها، فقد دفع السوفيات خلال الشهور الأخيرة إلى المنطقة المحاذية للخليج بوارج بحرية زاد عددها على ٢٥ بارجة، وحصلت فورًا على التسهيلات لتمركز هذه البوارج وقت الحاجة من حكومة اليمن الجنوبي وميناء سومطرة.
كما دفع السوفيات مؤخرًا بحشود أخرى تتضمن حاملة الطائرات العملاقة «مينسك» والتي وصفت بأنها على استعداد فوري للوصول إلى أية نقطة في الشرق الأوسط والخليج. «راجع عدد ۲۹ محرم من المجتمع - ففيه زيادة».
الشهوة إلى النفط:
هنا يمكن لنا أن نسوق أيضًا ما ذكره الدكتور كاي وي فون هاسل ، وهو وزير ألماني غربي سابق، حيث قال:
«إن نقصًا سيصيب الاتحاد السوفياتي حيث تبلغ قوته ذروتها خلال سنوات قليلة، الأمر الذي سيدفع بالسوفيات لتوسيع نفوذهم في الشرق الأوسط والخليج الذي لم يستقر سياسيًا بعد».
ماذا إذًا يتوجب على السوفيات فعله؟.
في مقابلة تلفزيونية مع محطة «إن بي سي» قال الرئيس الأمريكي كارتر:
«إنه يمكن للسوفيات أن يفكروا بغزو الخليج لتأمين السيطرة على منابع النفط، وعلى الولايات المتحدة أن تأخذ وجوب الاستعداد بالاعتبار، وذلك لمواجهة أية مخاطر يمكن أن تتعرض لها مصالح الولايات المتحدة «.ي ب – في 8/1/1980.
وأمامه القول -سواء صحيحًا أم كان من مراوغات العم سام لتبرير نواياه التي تدفعه بزج قوته في المنطقة-، فإن السوفيات لا بد أنهم فكروا بتكتيك معين للوصول إلى النفط.
أفغانستان هي الحلقة الأولى:
نعم.. هناك ما يؤكد بأن العمل العسكري السوفياتي في أفغانستان، هو الحلقة الأولى من حلقات الوصول إلى منابع النفط، وإليك أخي القارئ ما يؤدي إلى هذه الحقيقة:
في وثيقة محضرية أفاد الرئيس السوفياتي برجنيف بأن الشهوة إلى النفط هي أحد الدوافع الأساسية في الغزو السوفياتي لأفغانستان.
ففي مساء الجمعة الموافق 4/1/1980 حضر رجال الكرملين إلى قاعة الاجتماعات بناء على دعوة عاجلة من الأمين العام، وذلك لتدارس الموقف في أفغانستان، وقف الرئيس بريجنيف متكلمًا فقال بعد أن تحدث عن أسباب الانقلاب على حفيظ الله أمين وإعدامه: «نحن نحتاج النفط اعتبارًا من منتصف الثمانينيات، ونحن منذ الآن نستطيع أن نرفع الصوت: لماذا النفط العربي للعالم الغربي وحده»؟؟؟
وقد ختم الرفيق بريجنيف قوله مخاطبًا رفاقه في الكرملين:
«أما القول أيها الرفاق الكرام، بأن وجودنا في أفغانستان يجعلنا على مرمى حجر من آبار النفط العربية، فهذا يستوجب منى استدعاءكم إلى جلسة سرية أخرى»..
ولا ندري إن كان السوفيات أنفسهم الذين سربوا هذه الوثيقة، أو أن الذي سربها هم عناصر يهودية موجودة في الكرملين نفسه..
كيف تكون أفغانستان مَعبرًا إلى منابع النفط؟:
إن المحللين الاستراتيجيين مُصرّون على أن الضربة الأفغانية هي ضربة باتجاه
الخليج النفطي وذلك كما يلي:
أولًا: نقلت وكالة اليونايتد برس في تقريرها من واشنطن أن الانقلاب الذي تبناه السوفيات في أفغانستان ينظر إليه من قبل المحللين لشؤون الخليج على أنه حلقة من حلقات السيطرة على مصادر الطاقة في الخليج العربي، وقد علل أحد المراقبين هذا القول بأن ما يسمى بالصراع على النفط دخل الآن مرحلة جديدة تتميز بالاقتسام أو بما يسمى «وفاق المصالح» ولهذا فإن هؤلاء ينتظرون الآن ضربة أمريكية تكون هي الثمن الذي سيقبضونه من السوفيات لقاء سكوت البيت الأبيض عما جرى في أفغانستان.
ثانيًا: ربط بعض المراقبين للتحرك السوفياتي في أفغانستان بالتقسيم الجغرافي للمنطقة، وقال:
إنه بالرغم من أن أفغانستان لا تطل على الخليج العربي، إلا أن إقامة نظام شديد.
الولاء للسوفيات في كابول يتيح لهم توجيه ضربة إلى المنطقة في الوقت الذي يريدون، يعينهم على ذلك قرب الزاوية الجنوبية الغربية لأفغانستان من الخليج من ناحية، ووجود القوة البحرية حول عنق الخليج من ناحية أخرى.
ثالثًا: وهذا يؤكد الفقرة السابقة، فقد أشار مسؤولون أمريكيون إلى أن المركز الجنوبي الغربي لأفغانستان يبعد بضعة أميال من مضيق هرمز، وهو ممر ضيق يفصل بين إيران والجزيرة العربية، ومن خلاله يمر جزء هائل من البترول الذي يستخدمه الغرب، والمضيق أقرب إلى أفغانستان منه إلى طهران نفسها.
رابعًا: إن قصة سيطرة الشيوعيين أنفسهم على أفغانستان تتعلق بالنفط مباشرة، فقد أشارت التقارير الواردة من بعض العواصم الأوروبية، إلى أن قصة أفغانستان مع الروس بدأت أول ما بدأت عندما أعلن اكتشاف للبترول في أفغانستان بكثرة، وعند هذا الإعلان بدأ الاتحاد السوفياتي قبل حكومة نور محمد تراقي يلوح بأن استخراج البترول في أفغانستان يؤثر على الاحتياطي السوفياتي، كما يؤثر على استخراج النفط من الجمهوريات المحاذية لأفغانستان، وقد عثر على وثائق تشير إلى أن السوفيات اشترطوا على الأفغان بيعهم جميع ما يمكن استخراجه من نفط في الأرض الأفغانية.
وأمام هذه النقاط نؤكد أن التدخل الروسي المباشر في أفغانستان ليس إلا معبرًا للوصول إلى النفط أيًا كان مصدرها، ذلك أن الثورة الإسلامية الأفغانية كانت هي الحائل الوحيد الذي كان ممكنًا أن يقوم في وجه مطامع السوفيات، فقيام حكومة إسلامية في محاذاة السوفيات ستكون أقوى من الجبل الصلد أمام أي زحف سوفياتي مسلم.
السوفيات والتطلع إلى مضيق هرمز:
لعل السوفيات والأمريكان يعرفون تمامًا بأن السيطرة على مضيق هرمز، يعني التحكم المطلق بنفط الخليج الذي يمر من هذا المضيق. لذا فإن السوفيات الآن يحاولون من استراتيجيتهم حول هذا المضيق من خلال مثلث استراتيجي جديد، تكون «عدن» في الجنوب العربي في المرتكز الأساسي أو هي الزاوية المنفرجة التي تتخذ منها القوى السوفياتية المختلفة قوة لعدها ذات الفاعلية السريعة.
أما زاويتا المثلث كما يبدو في مطلع الثمانينيات، هما تنحصران بين الوجود البحري للسوفيات في المحيط الهندي، والتمركز في المنطقة الجنوبية الغربية من أفغانستان، والتي ذكرنا أعلاه أنها أقرب إلى مضيق هرمز من طهران نفسها، وتبدو أهمية مضيق هرمز هذا كما يلي:
1- يمر من المضيق حوالي ٤٠ في المائة من إمدادات البترول إلى العالم الغربي، لذا فإن الغرب يعول على هذا المضيق على أنه حيوي لهم إلى الخليج، ومن الممكن أن يكون المضيق هو عنق الزجاجة للخليج في التصور الدولي أيًا كان.
2- تشرف على الجانب الشرقي للمضيق آبار النفط الإيرانية، والسيطرة على المضيق عسكريًا يعني اللعب بالمنطقة الغربية من إيران، وهي منطقة يسيطر عليها عدم الاستقرار، فضلًا عن وجود عدم استقرار مشابه على الجانب الآخر في عمان، وقد ربطت وكالة الأنباء الفرنسية بين التحرك السوفياتي باتجاه هرمز، وعودة الاضطراب إلى كل من عمان والمنطقة الغربية من إيران، ذلك أن ملاحظة كل تحرك سوفياتي تظل مرتبطة بالتحرك الأيديولوجي داخل المناطق التي يصوب الروس هدفهم إليها. ولا يستبعد بعض المراقبين أن يشتد تحرك بعض الثائرين مجددًا في كل من سلطنة عمان والمنطقة الغربية من إيران.
وفي الختام لا بد أن نشير إلى ما يلي:
● إن فرض السوفييت سيطرتهم على منافذ الخليج والمناطق القريبة منه تستهدف فضلًا عما ذكرناه فرض نوع من السيطرة المتزايدة على الممرات التي تهدد وصول النفط إلى اليابان و بعض دول أوروبا بهدف كسب الورقة التي تضعف من تماسك الحلف الأطلسي من ناحية وتكون قوة دافعة لحلف وارسو سياسيًا
وعسكريًا.
● إن تهديد طرق النفط التي يتمركز السوفيات حولها هي تهديد للتقدم التكنولوجي الغربي الذي يعتمد على النفط الخليجي بنسب لا يستهان بها أبدًا.
● إن السيطرة على المنطقة يعطي سياسة بريجنيف دفعًا قويًا للثبات على رأس الحزب داخل كوادر الاتحاد السوفياتي.
● وإن السيطرة على الخليج هي الورقة التي تجعل السوفيات يخرجون من حلقة الخوف التي يلوح لهم بها حكام البيت الأبيض لدى كل مؤتمر يعقد تحت مظلة الوفاق الدولي واقتسام مناطق النفوذ في العالم.
● وأخيرًا فإن السيطرة على النفط هي السيطرة على العالم أجمع بحسب نظرية السوفيات المادية التي تقول «القوة في النفط والنفط هو القوة» وهنا لا بد لنا من إعادة قول بريجنيف:
«نحن نحتاج النفط اعتبارًا من منتصف الثمانينيات. ونحن منذ الآن نستطيع أن نرفع الصوت:
لماذا النفط العربي للعالم الغربي وحده؟؟».
ترى، هل سيظل الدب الروسيي يحرك ذنبه وتظل أيضًا النظارة تتفرج في مسرحه؟؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل