; مقابلة بوليسية يجريها النظام التونسي مع رئيس التحرير | مجلة المجتمع

العنوان مقابلة بوليسية يجريها النظام التونسي مع رئيس التحرير

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1981

مشاهدات 68

نشر في العدد 536

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 14-يوليو-1981

لم أكن أدري أنني وصاحبي الذي معي كنا مراقبين منذ هبوطنا مطار تونس الدولي إلا بعد أن رن جرس الهاتف في غرفتنا في فندق تونس الدولي الكائن في شارع الحبيب بورقيبة.. لقد كانت الساعة التاسعة تقريبا عندما رن جرس الهاتف وكان على الطرف الآخر أحد رجال المباحث التونسية يطلب بأسلوب مهذب نزولنا للذهاب إلى وزارة الداخلية

لم أفاجأ بهذا الأمر.. فنحن الإسلاميين مضطهدون ومطاردون ومراقبون في كل بقاع الأرض ولكن بتفاوت نسبي.. وأنا كبقية الإسلاميين لدي رصيد هائل من الاستعدادات النفسية لمواجهة مثل تلك الظروف وأشد منها.. كما أن فترات حياتي الجامعية في مصر غنتني بالتجربة والممارسة لمثل تلك المواقف.

بدلت ملابسي ونزلت وصاحبي إلى صحن الفندق ليتقدم نحونا شخصان يقوداننا إلى مبنى وزارة الداخلية الكائن في الشارع نفسه ويبعد مسافة خمس دقائق من الفندق سيرا على الأقدام.. ونحن في الطريق سألت أحدهم

-       ما الموضوع؟

-       ستعرف بعد قليل

كانت يدي مشغولة باللعب في حبات المسبحة.. فمسك طرف المسبحة ونظر إلي نظرة اختبارية قائلا: اطمئن.. لا تخاف.

ونظرت إليه بطرف عيني اليمنى وأجبته باستخفاف وفوقية: أما علموك أنه لا يخاف إلا الجبان أو المخطئ.

وبعد دقائق كنا وصلنا إلى مبنى الوزارة ودخلنا مكاتب وخرجنا منها وصعدنا طابقا آخر لنستقر في مكتب أحدهم.. لقد بدا مشغولا في ترتيب أوراق مكتبه.. وبعد لحظات توجه قائلا لنبدأ بأحدكم..

- ما الاسم؟

- إسماعيل خضر خلف الشطي.

- الجنسية؟

- كويتي.

- الأب؟

- خضر خلف الشطي.

- الأم؟

- (...) خلف هلال الشطي.

-العمر؟

-اثنان وثلاثون عاما.

-رومبا «أي ميلاديا»؟

-نعم.

-متزوج؟

-نعم ولي ثلاثة أطفال.

-عملك؟

-أنا أقوم برئاسة تحرير مجلة «المجتمع» الإسلامية الصادرة في الكويت.. أعمل مديرا مساعدا للشؤون العلمية في معهد أكاديمي للتكنولوجيا.

-ما اسم المجلة قلت؟

-المجتمع.

-هل لها علاقة بالمجتمع التونسية التي أوقفت؟

-لا

-وهي دينية؟

- لا.. إسلامية.

- ما الفرق؟

كالفرق بين قولنا مؤتمر القمة الديني بالطائف ومؤتمر القمة الإسلامي بالطائف.. إننا مجلة تعالج قضايا الساعة.. كل قضايا الساعة من منظور إسلامي.. إن المفهوم الشائع للدين عند الناس هو العلاقات بين العبد وربه.. بينما مفهوم الإسلام هو منهاج الحياة بكل نواحيها.

-ما الغرض من زيارتك لتونس؟

-سبحان الله.. ليس من شيم العرب ولا من كرم الضيافة أن أسال عن غرض زيارتي.. أنا ضيف في بلدكم ومن الواجب إكرامي وليس استجوابي.

- لا.. أنت في بلدك الثاني.. ونحن نوجه هذه الأسئلة لحفظ الأمن في البلاد.

- وهل أشكل تهديدا للأمن في البلاد وخطرا على النظام لكي أساءل؟! وهل خالفت قوانين البلاد وكسرت لوائحها لكي أستجوب؟!

-لا ولكنك اتصلت بالمعارضة السياسية في البلد

-إذن قولوا لي بصراحة ماذا تريدون وأنا أخبركم.. فأنا لا يوجد عندي ما أخفيه.

-نريد أن نعرف ما الغرض من زيارتك لتونس؟

-بصفتي رئيس تحرير مجلة وبكوني صحفيا فإنني أقوم بجولة صحفية في المغرب العربي الكبير للتعرف على كثير من الأحوال السياسية والفكرية والاجتماعية وللتعرف على حقيقة الصحوة الإسلامية التي تشهدها هذه المنطقة.. وللالتقاء بجمهور القراء من هذه الأقطار فنحن تصلنا يوميا.. أقول يوميا وليس أسبوعيا.. ما يقارب عشرون رسالة من أقطار المغرب العربي.. ولقد زرت القطر المغربي والقطر الجزائري ولم يصل الأمر إلى درجة التحقيق معي.

-بأي السياسيين اتصلت هنا؟

-بالسيد راشد الغنوشي.

-لماذا الغنوشي بالذات؟

-شيء طبيعي أن أتصل به.. فهو أبرز السياسيين الداعين إلى الإسلام في تونس.. وبكوني من السياسيين الداعين إلى الإسلام فلابد أن أعرف هذا الاسم.

-هل التقيت معه من قبل؟

 - لا.. هذه أول زيارة لي لتونس.. ولم ألتق به في الخارج.

- كيف عرفت عنوانه؟

- عندما كنت في الجزائر سألت عن عنوانه فأخبرني شخص أنني بإمكاني الاتصال بمكتبة دار الراية وعن طريق صاحبها السيد الحبيب المكني أستطيع الحصول على عنوان الأستاذ راشد.. وحقا.. عندما وصلت تونس ذهبت إلى مكتبة دار الراية وقابلت الأخ الحبيب المكني وعرفته بنفسي وأخبرته برغبتي في لقاء الأستاذ راشد.

- ثم ماذا بعد؟

-بعدها أخذني إلى مكتب مجلة المعرفة وهناك انتظرنا فترة من الزمان حتى جاء الأستاذ راشد وتبادلنا التحيات وقد كان لقاؤنا قصيرا جدا.

وإنني حقا متعجب من تحقيقكم معي لمجرد الاتصال بالأستاذ راشد.. المفروض إنكم تخبرون الوافدين إلى بلدكم بأن الاتصال بالأستاذ راشد يعرض المرء للمساءلة ويعتبر خارجا عن القانون.. فلا أظن أن زائرا ما يرغب أن يساءل من الجهات الأمنية.. ثم إن هناك عشرات الصحفيين جاءوا قبلي إلى تونس والتقوا بالأستاذ راشد وأجروا معه لقاءات وتحقيقات صحفية ولم يحقق معهم.. لا أدري لماذا أنا بالذات؟ رغم أنني لم أخالف القانون ولم أخرج عن المألوف وليس عندي ما يخيف أبدا أبدا.. وتصرفكم معي كصحفي كويتي يخالف تماما تصرفنا مع صحفييكم عندما زارونا في الكويت.. لقد هيأت لهم الحكومة كل التسهيلات لأداء مهمتهم والتقوا -آنذاك- بكل الأطراف السياسية وكان ذلك خلال التنافس على مقاعد المجلس النيابي.. إنهم لم يساءلوا ولم يحقق معهم.. إنني أقول لك بصراحة لن أمرر هذه المحادثة.. سأكتب عنها بالتفصيل عندما أعود لبلدي فهي تمثل فضيحة للنظام التونسي.

- طالما أنت خارج تونس فاكتب ما شئت.. فنحن يعنينا حفظ النظام داخل تونس ولا يعنينا ما يكتب خارج تونس.

-ولكنه يعني سفيركم.. فهو سريعا ما يحتج لدى وزارة الخارجية الكويتية وسريعا ما تستجيب وزارة الإعلام عندنا لإرسال إنذار أو تعطيل مجلتنا.

-مخطئ سفيرنا إن احتج.. ولكن دعنا نعود إلى راشد الغنوشي.. ماذا تم بعد؟

- بعد ماذا؟!

- نحن نخبرك إن لم تخبرنا.. ألم تذهبوا بعد ذلك إلى النزل (أي الفندق)؟! ثم صاحبكم المكني إلى أحد المنازل في الأحياء الشعبية؟ 

- نعم هذا حصل.. وقد كنا مدعوين على وليمة

-ماذا حصل هناك؟

- أكلنا الوليمة!

-ألم يكن راشد موجودا؟

- بالطبع!! فهو الذي دعانا إلى الوليمة

-ثم خرجتكم بعد ذلك وأوصلتكم سيارة رقمها (....) إلى المنزل.

- هذا صحيح.. ولكن ما أدري عن رقم السيارة.. على العموم لا داعي لحجز زميلي معي.. فهو لا شأن له في أمور السياسة والصحافة فهو رفيق في السفر.. بل إنه لا يميل لأحاديث السياسة.

-ولكنه كان معك أثناء الوليمة.

- سبحان الله.. وهل كنتم تريدوني أن آكل دونه؟!

- لا.. إنكم جميعا ستخرجان حالا.. استأذنكم لحظة.

لملم أوراقه التي كان يسجل فيها الإجابات ومضى إلى خارج الغرفة حيث لا ندري، واستبقى أحد المخبرين معنا في الغرفة.. وبعد فترة وجيزة دخل علينا باسما.

-يا أساتذة لا تزعلوا فهذه إجراءات عادية لحفظ الأمن.. وهي أسلم طريقة للتوثق من المعلومات.. فاحتراما لكما لم نشأ نعتمد على معلومات المخبرين فآثرنا أن نستقيها منكما.. وهذا لا يعتبر تحقيقا وإلا كنا طلبنا منكما التوقيع على أقوالكما.. الآن يمكنكما أن تغادرا.. مع اعتذارنا الشديد للإزعاج الذي قد نكون سببناه لكما.

-أريد أن أعرف هل مازلت أملك الحق بالاتصال بجميع الأطراف السياسية بلا استثناء؟

- نعم.. بلا استثناء.. تجول في البلاد كما شئت.

- عموما.. ثق أن ما أخبرتك به هو كل ما عندي وهو الحقيقة

-وأنا أحلف لك بالله العظيم أن ما أخبرتنا به هو الحقيقة وهو كل ما عندكم.. فالمعلومات التي أدليت بها تطابق المعلومات التي أدلى بها المخبرون منذ وصولك المطار حتى البارحة.

انتهت المقابلة البوليسية التي أجراها النظام التونسي معي.. وانطلقت إلى الفندق فقد كنت انتظر مكالمة هاتفية من أحد الإخوة الذين تطوعوا بترتيب لقاءات لي مع الأطراف السياسية التونسية.. وظللت طوال اليوم انتظر المكالمة ولم تصلني.

في اليوم التالي اتصل بي أحد الإخوة لموعد سابق.. لقد لجأ إلى إرسال أحد غيره وطلب منا أن نخرج متخفين فالمخبرون ينتظرون خروجنا... اعتذرت له بأسلوب أخوي فأنا لا أرتكب أمرا جنائيا ولا أكسر قانونا لذلك آثرت أن أخرج من الفندق أمام أعينهم وليتتبعوا إن شاءوا.

وعندما التقيت بصاحبنا اعتذر بشدة لعدم اتصال الأخ بنا.. وركبنا السيارة وانطلق في شوارع تونس الضيقة لتضليل المخبرين الذين يتبعوننا.. ودار حوار.

- يا أخي أنتم مراقبون!

- كيف علمت؟ 

 لقد قرعوا الباب علينا وسألونا عنكم فأخبرناهم أنكم غادرتم ولم يصدقوا.

-أصحيح هذا!

- نعم.. ولقد تركوا مخبرين بقرب الباب ثم جاءوا مساء وهددوا بتفتيش الحي فاضطررنا لإخراج النساء من البيوت اللاتي أخذن يولولن.. وحقا حاصروا مجموعة البيوت المجاورة وأخذوا يستجوبون حتى حصلوا على رقم السيارة التي أوصلتكم.

 - ألذلك لم يتصل بنا الأخ الذي رتب لنا لقاءات مع الأطراف السياسية؟

- نعم.. فقد كان في حيرة شديدة.. فهو يعلم تماما أنهم لو عرفوا أنه فعل ذلك لاستدعوه للاستجواب.

-ولكنهم استدعونا نحن اليوم صباحا واستجوبونا.

- أحقا ما تقول؟

-نعم.

-أنتم؟!

-نعم.. المباحث.. نعم.

-أین؟!

-في وزارة الداخلية.. المبنى القريب من الفندق.

- حقا إنهم وقحون.. وهل آذوكم؟

- كانوا مهذبين معنا وعاملونا بلطف.

- ليس كعادتهم.. تعرف أن هذا المبنى يحوي غرفا وصالات للتعذيب رهيبة.

إنك ترى مظهره من الشارع العام كما لو كان مبنى عاديا، ولكنه مبنى كبير يحوي سراديب وأهوالا وعجائب.. لقد سلخوا جلودنا من الضرب والتعذيب.. ومارسوا كل وسائل الإرهاب أثناء اعتقالاتنا.. ولكن ماذا قالوا لكم؟ لقد أخذت أسرد له ما حصل.

وهكذا قضينا زيارتنا لتونس مراقبين وملاحقين.. من يزورنا يتخفى.. ومن يأخذنا من الفندق يضلل المخبرين.. إنها فترات تذكرني بالمباحث المصرية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.. لقد أمضينا أنا وصاحبي زيارتنا لتونس من المطار حتى المطار.. وكان ثالثنا الشيطان.. يطاردنا ويرصدنا.. شياطين الإنس.. شياطين الإرهاب.

الرابط المختصر :