العنوان محاكمة أربكان والصمت العربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1981
مشاهدات 57
نشر في العدد 530
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 26-مايو-1981
يوم 24/4/1981 مثُل نجم الدين أربكان زعيم حزب السلامة الوطني هو و٣٣ من إخوانه أعضاء إدارة الحزب أمام محكمة عرفية عسكرية، وقد قرأ المدعي العام العسكري لائحة الاتهام.
أما الجرائم التي جاءت في لائحة الاتهام فهي:
1- العمل على استبدال مبادئ الدولة القانونية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بمبادئ تقوم على أساس الإسلام.
2- قيام عدد من المنظمات الشبابية والطلابية والعمالية والمهنية المرخصة والمرتبطة سرًّا بالحزب والتي تعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية في تركيا.
3- اجتماعات الحزب وهتافاته تكشف أهدافه، ومن هذه الهتافات «محمد قائدنا» «سنحطم الأصنام ونقيم دولة الإسلام»، ومن لافتاته: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ﴾ (المائدة : 44).
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (الإسراء:81)
4- ترديدهم لذكر الله في اجتماعاتهم، وتذكيرهم الأمة بأنها حاربت خلال تاريخها من أجل الإسلام لا من أجل أشخاص أو أبطال!
5- ألقى أربكان كلمة في الحجاج الأتراك في مكة عام ۱۹۷۷ جاء فيها: يجب أن نبحث فيما إذا كنا نطبق القرآن أم لا؟ وهل يحكم حكامنا بالقرآن أم لا؟
6- إصرار أربكان على افتتاح مدارس تعليم القرآن في كل قرية، وإصراره على فتح أيا صوفيا.
7- أحد خريجي كلية الشريعة في جامعة الرياض قال في أحد اجتماعات الحزب: يشرفني أن أشترك في هذا الاجتماع الإسلامي.
8- ذكر «ثمل كرم ملا أوغلو» في خطابه في المعسكر الذي أقامته الندوة العالمية للشباب الإسلامي في «جنه قلعه»: إن ثورات أتاتورك قطعت الصلة بين الشعب التركي وماضيه، وإن إصلاحاته أفسدت قيم الأمة الروحية، وهاجم معاهدة لوزان وتغيير الحروف العربية واستبدال القوانين.. وختم حديثه بأن تركيا اليوم جمهورية ملحدة.
9- أعلن أربكان في إحدى خطبه أنه عندما شارك في السلطة صار كثير من حكام الأقاليم التركية يقيمون الصلاة.
10- طالب الحزب بأن تكون الجمعة يوم العطلة الرسمي، وأن يكون الزواج شرعيًّا.
11- قال أربكان: إن حرية العبادات مسموح بها في روسيا وألمانيا وفي تركيا أيضًا، والعبادات ليست كل الدين.
12- يتهمون الماسونية بإسقاط السلطان عبدالحميد، وأول محفل ماسوني تآمر على الدولة كان في سالونيك، وكان أتاتورك واحدًا منهم، وفي هذا إهانة له.
13- يتهمون حزب الاتحاد والترقي الذي أسقط السلطان عبدالحميد بأنه ماسوني وصهيوني.
14- وُجدت في مكتب أربكان أوراق تثبت مبايعته من قبل أعضاء بارزين في إستانبول، وهذا يعني أنه كان مرشحًا للخلافة، ولهذا فقد قررت القوات المسلحة التركية بصفتها مسؤولة عن حماية الدولة والجمهورية التدخل لإنقاذ البلاد من الفوضى وخاصة بعد الاجتماع الكبير الذي عقده حزب السلامة الوطني في قونية في 12/9/1980 وتحت شعار «يوم إنقاذ القدس».
وقد طالبت النيابة العامة لأربكان وإخوانه بالسجن لمدد تتراوح بين ١٤-٣٦ سنة، وبعد قراءة الاتهام سأل القاضي المتهمين عن أقوالهم فأنكروا التهم الموجهة إليهم.
وقد رد أربكان على الاتهامات الموجهة إليه كما يلي:
1- تضمنت لائحة الاتهام مغالطات واضحة، فمثلا ذكر الاتهام كلمة الدولة الإسلامية ٧٥ مرة، مع العلم أنه لم يثبت أن ذكرها أي عضو من أعضاء الحزب.
2- قال المدعي العام: إن الحزب منظمة سرية، علمًا بأن الحزب أقيم على أساس الدستور التركي، وله برامجه وأهدافه المعلنة، وأنه منذ 8 سنوات وهو يشارك في إدارة البلاد، وقد اشترك في ٣ حكومات سابقة.
3-وفي رده على الادعاء بوجود وثائق تدين الحزب أجاب.. بأنه على الرغم من تفتيش ما يقارب من ألف مركز، و۲۰۰۰ مبنى تابع للحزب، وتدقيق ٦٠ ألف رسالة لم يعثر على أي دليل ضد الحزب سوى بعض الأوراق المجهولة المرسل والمرسل إليه، والتي ليس لها أي علاقة بالحزب.
4- وفي رده على الاتهام بأنه قد وجدت قمصان بيضاء كتب عليها: «أيها المؤمنون لتكن هذه الملابس البيضاء أكفان لنا إذا استشهدنا»، قال أربكان: إن هذه الكلمات قالها قبل ألف سنة السلطان ألب أرسلان من أجل تشجيع الجيش، ورفع روحه المعنوية، وقال: إن هذه الكلمات تلقى في مناسبة معركة (ملاذ كرد) وقال بأنه يجب أن يشكر على اهتمامه بهذه الملابس وبهذه الشعارات بعدما أهملت من قبل المسئولين، وكان يجب أن توضع مثل هذه الملابس التاريخية ذات المعنى العظيم في المتحف.
5- وقال أربكان عن كلمته في جنة قلعه إنه عبارة عن تكرار للكلام الذي أقوله في البرلمان وفي الراديو والتلفزيون، وهو لا يتعدى كونه تمنيات من أجل التعاون مع الدول الإسلامية، وقد قام رئيس الوزراء الحالي بولنت أولوسو بتحقيق جزء كبير منه عندما زار السعودية لحضور مؤتمر القمة الإسلامي.
6- وقال في معرض رده على تهمة استغلال الشعور الديني من أجل تحقيق أهداف سياسية في خطبة مع الجماهير إن رئيس الدولة كنعان أفرن يستخدم مثل هذه الكلمات في خطبه مع الشعب، وقد ذكر في إحدى كلماته: «أن الثروة المكتسبة بطريق غير مشروع حرام من الناحية الدينية» ...
7- وقال في رده على اتهامه بأنه يستعمل كلمة حق وباطل.. فقال: إن الحق يعني الصواب والباطل يعني الخطأ، والحقوق جمع حق، وكل محكمة مهما كانت طبيعتها، وظيفتها فصل الحق من الباطل، وحماية حقوق المواطنين، ولقد استعملت كلمة حق ٩٥ مرة في الدستور التركي، والديمقراطية تعتمد على الحق.
وكثيرًا ما يردد بولنت أجاوید زعيم حزب الشعب بأننا سنقيم النظام الحق.
8- وقال: إن جميع أعمالنا مشروعة صادق عليها رئيس الجمهورية ولقد أمرنا بالإنزال التركي في قبرص، وكنا نحضر اجتماعات مجلس الأمن القومي التي كانت تناقش فيه أدق مسائل البلاد السرية، فلو كنا منظمة سرية لما سمح لنا بحضور مثل هذه الاجتماعات الخطيرة.
وعجيب جدًا أن يتهم أربكان بمحاولة تغيير البنية القانونية والاجتماعية والسياسية للدولة عن طريق تشكيل حزب سياسي، وهذا هو نفس ما تفعله الأحزاب السياسية في كل البلدان الحديثة، ولكن يظهر أن العلمانيين كالماركسيين لا يؤمنون بالحرية إلا لأنصارهم!!
ثم لماذا لا تكون تركيا دولة إسلامية إذا كان شعبها يريد ذلك وكان ٩٩% من شعبها مسلمًا؟ لماذا لا تبدل كلمة علمانية الواردة في الدستور بكلمة إسلامية؟ وذلك بناء على رغبة وإرادة الشعب بالطريقة الديمقراطية.
وأخيرًا
فقد أثبتت الأيام وتجارب الدول أن عجلة التاريخ لا تدور إلى الخلف، وأن الشعب المسلم لن يضحي بعقيدته من أجل مكتسبات حقيقية، فكيف إذا كانت المكتسبات مزيدًا من التخلف الضار؟!
بعد مطالعة قضية البروفيسور التركي المسلم .. لابد لكل ذي ضمير حي من أن يحكم بأن ما يدبر ضده يدخل في باب القضايا الظالمة! في وقت يصمت فيه الإعلام في جميع أنحاء العالم عن هذه القضية.
أما إعلام العرب فقد نسي الرجل الذي كان يضع في أولويات برنامجه نصرة القضية العربية، حيث اعتبرها قضيته الأولى.
وليست إدانة البرلمان التركي لوزير الخارجية الأسبق بسبب مواقفه المريبة من إسرائيل عنا ببعيد.. تلك الإدانة التي لم تكن لتحصل لولا جهود البروفيسور أربكان داخل البرلمان التركي المنحل..
وأمام هذا.. لماذا يصمت الإعلام العربي؟ بل لماذا يشارك في التقييم على قضية هذا الرجل.. بينما يعمل جاهدًا لإبراز القضايا التي لا تثير اهتمام المواطن العربي، ولا تدخل في حياته.
ولماذا يتخاذل الإعلام العربي عن قول كلمة الحق ونصرة رجل أفنى شطر حياته في قول الحق.. في وقت تعج فيه الصحف العربية بأخبار الثائر الأيرلندي.. وأخبار حركة العمال في بولندا.. وثورة نيكارغوا.. وما شابه ذلك من قضايا العالم.
هل اختار الإعلام العربي أن يقف مع الطغيان في قضية أربكان؟
إذا كان الأمر كذلك.. فأين العهد؟ وأين ادعاءات النزاهة والوقوف مع الحق؟!
إننا نحذر ونقول: إذا ظل الإعلام العربي متغاضيًا عن هذه القضية.. فإن تغاضيه يعتبر في نظر الإسلاميين مشاركة في طمس الحقيقة.. بل مشاركة في الافتراء على أصحاب الحق المخلصين.
ومن أجل هذا.. فلو أراد الإعلام العربي أن يحفظ ما تبقى له من ماء الوجه.. فما عليه إلا أن يكسر حاجز الصمت المريب، ويعلن على الملأ كلمة الحق في قضية نجم الدين أربكان، وذلك كما كان أربكان يقول الحق دائما في قضايا الأمة العربية أمام العالم أجمع.