; حرب التضليل الإعلامي | مجلة المجتمع

العنوان حرب التضليل الإعلامي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003

مشاهدات 82

نشر في العدد 1545

نشر في الصفحة 9

السبت 05-أبريل-2003

حروب اليوم هي حروب الإعلام المرئي والفضائيات، مثلما هي حروب الصواريخ والطائرات والدبابات.. وإذا كانت التقنيات الحديثة قد مكنت الإعلام من الحضور في قلب المعركة ومتابعتها أولاً بأول، فإن ما ينقل من أرض المعركة إلى الشاشة الصغيرة ومنها إلى عقول المشاهدين ليس شيئاً واحداً، رغم أن المعركة واحدة. فالصور والمشاهد يحذف منها ويضاف والكلمات تدبج وتضاف إليها التحليلات والتعليقات التي تسيرها في اتجاه معين، بحيث يصدق القول على إعلام الحرب إنه إعلام مضلل، فالأطراف المتصارعة تستخدم الإعلام لتخفي الحقيقة، وهي على استعداد لتضخيم حدث صغير ليصبح قضية الساعة، أو التقليل من أهمية جريمة كبيرة ارتكبت بحق الإنسانية، وهي تجسد الغواية في التعليق على الأحداث، حتى أصبح الإعلام هو المسؤول الأول عن صياغة عقول وعواطف الجمهور لتنسجم مع هـوى هذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتحاربة أو من يصطف إلى جانبها. 

إن الراصد للإعلام المؤيد للحرب أو المعارض يلاحظ مايلي:

  1. أن كل خطاب يتناول الحقيقة من جانب من جوانبها ولا يقدم الصورة كاملة، فالولايات المتحدة أعلنت أهدافها من الحرب بصورة واضحة.. جسد ذلك بيان الأهداف الثمانية الذي أعلنه وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، ونقله عنه بعد ذلك بعض القيادات العسكرية الأمريكية، والتي تتلخص في إحكام السيطرة على العراق والهيمنة على المنطقة، لكن مؤيدي واشنطن لا ينفكون يتحدثون عن حرب تحرير العراق في محاولة لإقناع المشاهد والمجتمع بعدالة هذه الحرب غير القانونية التي شنت على العراق. 

والمعارضون للحرب يتناسون بشكل متعمد ما جره النظام العراقي على الأمة من ويلات وخراب، وما ارتكبه بحق شعبه من قمع وقتل وكبت للحريات ومصادرة للأموال وإتلاف للأنفس والثمرات حتى أصبح الشعب العراقي نزيل سجن كبير. 

  1. ويبالغ هذا البوق الإعلامي أو ذاك في إظهار أن الطرف المتحارب الذي يدعمه مستمر في تكبيد الطرف الآخر الخسائر، وأنه يحقق النجاح فخسائر النظام العراقي المتمترس بالشعب تقدم على أنها علامات صمود وبطولة وجهاد، في حين يتجاهل البوق الإعلامي الداعم لواشنطن الأخطاء الاستراتيجية العسكرية الأمريكية وما يحدث من قتل ومعاناة للمدنيين.

  2.  كما أن الإعلام المؤيد للعراق لا يذكر شيئاً من الخسائر العسكرية في الجانب العراقي، ولا حقيقة ما تم تدميره من القوة العسكرية العراقية التي استنزفت ما يقارب ٧٠% من قوت الشعب العراقي.

وفي المقابل فإن الإعلام المؤيد لواشنطن يستصغر الخسائر البشرية والمادية ولا يصور حقيقة خسائر الجانب الأمريكي. وعادة ما تعزى تلك الخسائر إلى الحوادث العرضية أو النيران الصديقة! 

  1. تعاملت الفضائيات الإعلامية مع موضوع «الجهاد» بشكل انتهازي واستفزازي لعواطف الشعوب فالجهاد مع قدسيته كفريضة إلا أن هذا الباب لم يُبحث بشكل تفصيلي كما بحثه علماء الأمة السابقون، وإن كانت الفتاوى الفضائية تتعامل معه وكانها دعاية سياسية لا أكثر لترغيب الجمهور المسلم في القتال والجهاد بدلاً من الأنظمة المكلفة بذلك. وفي المقابل فإن فضائيات وإعلاماً آخر مؤيداً للأمريكان يؤكد جواز إعانة الأمريكان، بل وإن تمترس النظام البعثي بالمدنيين المسلمين لا يمنع من قتل الأبرياء لإزالة هذا الطاغوت، وقد تم تسويق مفاهيم الجهاد في كلا الإعلامين بشكل مجزأ يخدم أغراض الحال والمال.

  2. ومن أخطر ما قام به الإعلام تلك المعارك الفضائية والهوائية بين الأطراف المؤيدة والمعارضة، دونما التزام بآداب الحوار، وبذلك تتسع الهوة بين شعوب الأمة الإسلامية، وقد انعكس ذلك على الشارع العربي ليتحول طرفاً في صراع سياسي وإعلامي ودبلوماسي ومالي، وبدأت القطيعة والتشاحن لتتحول من تراشق فضائي إلى قرار سياسي ومادي يسبب الفرقة ويسيء للعلاقات ويتسبب في تشاحن القلوب وتباعدها، حتى بدأنا نسمع الدعاء يصدر من بعض الأطراف ضد البعض الآخر، واستغلت تلك العبادة الأساسية في حياة المسلم لتتحول وسيلة تقاذف وتراشق وتشف واستهداف.

  3. إن الصورة الحية لمشاهد قتل المدنيين لا تذكر في الإعلام المؤيد للولايات المتحدة ، لتبيان جرائم حربها في العراق مع إيماننا بأن صورة المعذبين وقتلى حلبجة وجرائم صدام ذات دلالة إيجابية ومهمة ليتعرف الناس على حقيقة النظام وهذا ما لم يقم به الإعلام المعارض للحرب.

  4. كما تجاوز الطرفان احترام آدمية الأسرى والقتلى، وظل كل طرف يطلب من الآخر احترام الاتفاقيات الدولية فيما هو يتجاوزها. 

وبتلك الطريقة وقع المشاهد والمستمع العربي المسلم ضحية التضليل الإعلامي من الجانبين. 

وهكذا تظهر الأمانة الكبيرة التي يتحملها صاحب كل قلم أو قول كما تظهر الأهمية الاستراتيجية الكبيرة للإعلام، الذي غاب عنه في معظمه المقسطون الذين يزنون أقوالهم وأفعالهم بالقسطاس المستقيم ،خوفاً من أن يحدث الزلل أو الزيغ. 

ونقول لهؤلاء واولئك ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقولوا قَولًا سَديدًا﴾ (الأحزاب)  فرب كلمة ينطق بها المرء لا يلقي بها بالا تهوي به في النار .. أعاذنا الله وسائر المسلمين من نار حروب الدنيا ومن عذاب النار في الآخرة.

الرابط المختصر :