; حوار مع شاب ... الانتحار | مجلة المجتمع

العنوان حوار مع شاب ... الانتحار

الكاتب د. إيمان الشوبكي

تاريخ النشر الخميس 01-سبتمبر-2016

مشاهدات 125

نشر في العدد 2099

نشر في الصفحة 78

الخميس 01-سبتمبر-2016

تنمية ذاتية

هناك ومضات في حياة كل إنسان وإن بدت صغيرة وسط ركام الفشل

بعض حالات الانتحار تكون نتيجة كثرة التفكير التي تعييها قلة السبل للوصول إلى ما تفكر به لإدراك الواقع

أنت الناجح مهما كانت الصعاب فتعدد الأهداف في حياتك يجعلك تتوازن سريعاً بين هذا وذاك

د. إيمان الشوبكي

بحثوا عني وهرولوا ناحيتي حين وجدوني بعد محاولات باءت بالفشل للاتصال بي، وأحضروه أمامي محفوفاً ببعض زملائه والمدرسين بعد محاولة انتحاره، وإلقاء نفسه من الدور الثالث، أجلسناه وهدّأنا من روعة، وتركته حتى يهدأ، وأخليت الغرفة من المتجمعين من الطلبة والمدرسين وغيرهم.

هل هدأت؟ سألته بعد أن قدمت له عصيراً. 

قال: نوعاً ما. 

قلت: ما الذي يستحق منا أن نلقي بأنفسنا في النار؟

قال: هل تقصدينني؟

قلت: نعم.

قال: لم أفعل ذلك عمداً للنار، لكن عندما تتساوى الحياة والممات، وعندما لا يكون لوجودك معنى، ولا لحياتك قيمة، ولا أحد بجوارك يشعر بك أو يسأل عنك؛ فستفقد بصيرتك وبصرك وحسك أيضاً عن كل شيء.

قلت: لهذا الحد وصلت من اليأس وفقدان الأمل. 

قال: بل أكثر.. قد لا يشعر بما أقول من لم يتذوق ما أقوله.

قلت: بل مرَّ عليَّ حالات مثلك وتراسلني حالات أخرى. 

قال: لا أظن هناك من يشبه ظروفي. 

قلت: هل لديك أم؟

انفجر باكياً ثم تماسك!

قلت بهدوء: فقدانها يستحق البكاء. 

قال: ماتت في صغري، فتولت تربيتي جدتي ثم ماتت، وأبي كان يعمل عملاً غير ثابت لا يسمح بمتابعتي، فذهبت عند عمتي ثم تزوج أبي ليستقر أمرنا.

قلت: وهل استقر؟

قال: استقرار الشكل لا المعنى. 

قلت: كيف؟

قال: أصبح لنا بيت وأم ثانية، لكن تبقى زوجة الأب لها حساسيتها في التعامل، خاصة لو أن لها أبناء آخرين غيري.

قلت: هكذا هي الحياة قد تغضب الأم ولا معاتب لها، لكن زوجة الأب قائمة الممنوعات تحاصرها. 

قال: لا أظلمها، كانت تجتهد ألا تفرق بيني وبين أبنائها من أبي.

قلت: لماذا لم تقل: إخواني؟

قال: لأني لم أحظَ بهذا الشعور كثيراً؛ لأسباب، منها فارق السن. 

قلت: وما أكثر الأسباب إذاً؟

قال: عدم معرفتها بأشياء كثيرة في تربية الأبناء ومستجدات العصر، فبيتنا هيكل، لكن كل ضلع به من الاعوجاج ما يؤهله للانهيار أو السقوط بالهيكل كله. 

قلت: تكلم عن نفسك.

قال: الحياة بلا طعم ولا معنى لا حياة أصلاً ترتجى. 

قلت: ألم تفكر في الزواج؟

حملق فيَّ متأكداً مما سمع، فقلت: نعم.. ألم تفكر في هذا الشأن؟

قال: حبٌّ أم زواج؟

قلت: أكيد أن هذا غير ذاك؟

قال: نعم؛ أي أن هناك علاقة مع فتاة للتسلية، وهناك علاقات طريقها الزواج.

قلت: وأنت من أيهما؟

قال: الأولى طبعاً، فالزواج الآن لا. 

قلت: أنا أقصد ما سألت عنه عن الزواج، ولو بالتفكير والحلم في تنفيذه.

قال: هل ترين أن حالتي تسمح بمثل هذا التفكير سناً ونفسياً؟

قلت: نعم أقصد السؤال وأُصر عليه رغم ظروفك.

قال: نعم بصدق رغم حالتي فإنني أتمنى هذا، لكن لماذا الإصرار على السؤال؟ 

قلت: لأنه رغم حالتك - كما تقول - وعمرك فإن التفكير في هذا الشأن يعني رغبتك القوية والمفقودة في الاستقرار التي ستعدل من أشياء كثيرة جداً في حياتك.

قال: حياتي كلها ضياع وملل، لكن الحمد لله لم أصل للكبيرة أو الفاحشة أكثر من التسلية مع فتاة أضيع معها بعض الوقت الممل في حياتي، ويعالج فشلي في التعليم في أنني مطلوب وناجح في جذب البنات، ويعالج مشكلاتنا الأسرية وتشتتنا بحلم وجود من يسأل عنك ويهتم بك وسط كمّ الفشل الذي أحياه.

قلت: لديك عقل مفكر ومدبر.

قال: في الشر فقط، لكن كيف عرفتِ؟

قلت: أحياناً بعض حالات الانتحار تكون نتيجة كثرة التفكير التي تعييها قلة السبل والطرق للوصول إلى ما تفكر به لإدراك الواقع وحقيقته الذي يعيشه، ومع ضعف الإيمان قد يتسلل الشيطان لتقع فريسة الانتحار. 

قال: واضح أنني لست الوحيد من حاول. 

قلت: كما ليس الناجحون وحدهم كذلك ليس المحبطون وحدهم، لكن لماذا تتكلم عن نفسك هكذا دائماً؟

قال: لأنها الحقيقة.

قلت له: صف لي نفسك؟

قال: إنسان فاشل في الصف الثالث الثانوي للمرة الثانية. 

قلت: وماذا بعد؟

قال: غير منضبط أخلاقياً، مشرد، يعلو صوته وينفعل. 

قلت: وماذا أيضاً؟

قال: متقلب المزاج، وإنسان غير فعال، فاشل.. هل تستوعبين معنى كلمة فاشل في كل شيء؟

قلت: وماذا عنك في الجانب الحسن؟

ضحك قائلاً: قلت: فاشل؛ فماذا بعدها من حسن أو سيئ؟

قلت: بل هناك ومضات في حياة كل إنسان وإن بدت صغيرة وسط ركام الفشل كما تسميه أنت لكنها موجودة. 

ضحك ثانية ساخراً من نفسه: أمثالكم لا يعرفون الضياع واللاهوية واللاشيء. 

قلت: وأمثالكم لا يرون إلا بعين الذبابة فقط، ولو تريث قليلاً لرأى بعين النحلة. 

قال: لكن النحلة تلدغ والذبابة لا. 

قلت: حتى تلك تتفلسف فيها بعين الذبابة، وعلى كلٍّ؛ لدغ النحلة استغلوه في بعض العلاجات، لكن الحياة تحتاج منا إلى بعض اللدغات التي تتسبب في إفاقتنا كالصدمات الكهربائية، وهي انظر داخلك وفتّش عن أول ومضة في نفسك.

تأمل ونظر هنا وهناك وسرح وفكر وبدأ يتمتم: يقولون عني: إنني صاحب قلب أبيض ومتسامح لا أحمل لأحد شيئاً. 

قلت: ممتاز، وماذا بعد؟

قال: لي خيال واسع في رسم بعض التصاميم للأثاث والموبيليا.. ثم ضحك لكنها تافهة أو مجنونة لا تمثل شيئاً!

قال: أنا فاشل. 

قلت: لماذا كلما تحاول الخروج من بئر الضياع تجذبك للقاع كلمة فاشل.

قال: لأنها هي ما تربيت عليها «أنت فاشل»، «يا فاشل».

قلت: لكنك تملك إرادة تحول الفشل لنجاح، وإن الرسومات التي تذكرها بإمكانك عرضها لبيعها لمختصين يقدرون هذه التصميمات، فهل تعلم أن الإبداع يبدأ بفكرة غير منطقية أحياناً؟ وإلا لن يكون هناك اختراعات، فقد تنجح في التعليم والشهادة بعد أن تنجح في المهارة لإثبات الذات، تلك الذات هي التي تحرك توجهاتك نحو التعليم والحياة عموماً. 

إن الحياة لا بد لها من معنى وهدف تسمو له وليحرسه ويحميه دينك وقيمك. 

قال: أنت تقولين كلاماً قد لا أستوعب تفاصيله، إلا إنه إجمالاً يعبر عني، وما أشعر به أن كلمة «فاشل» تحيطني وتجذبني دائماً لتحبط أي محاولة للنهوض. 

لكن هل تعتقدين أنني سأفلح أو أنجح؟ هل تُقبل رسوماتي؟

قلت: ولو أردت الأفضل أن تُلحق ذلك بدراسة تدعمها ليكن لك شأن آخر. 

قال: لا أحب الدراسة. 

قلت: ومن منا يحبها؟ لكنها طريق إلى ما نحب. 

فأنت الناجح مهما كانت الصعاب، فالجميع هكذا، ليس هناك حياة خالية، لكن تعدد الأهداف في حياتك يجعلك تتوازن سريعاً بين هذا وذاك، الحياة ليست لها قيمة واحدة فقط، ولا يحكمها هدف واحد.

قال: وإذا كانت الدنيا كلها ضدك فماذا أفعل؟

قلت: من قال: إن الدنيا ضدك؟

قال: الأفعال!

قلت: أفعالنا نحن وليست هي، لو أنك الآن فكرت بشكل مختلف في أن تتوجه نحو عمل إضافي تحبه بجانب دراستك، وعرضت تصميماتك على المختصين لاختلفتْ رؤيتك لهذه الدنيا، ولوجدتها معك وليست ضدك، نحن مَن نقف إما بجانب أو أمام أنفسنا بعد أن نركن الأمور كلها لله تعالى. 

فقف في صف نفسك وليس ضدها، ولا تنعتها بالفشل.. ستختلف رؤيتك.>

الرابط المختصر :