; الهجرة.. الأسباب.. والتوكل.. معًا | مجلة المجتمع

العنوان الهجرة.. الأسباب.. والتوكل.. معًا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1975

مشاهدات 65

نشر في العدد 280

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 30-ديسمبر-1975

من العقيدة.. إلى الدولة 

هكذا كانت الهجرة انتقالًا من تلك إلى هذه. والانتقال هنا طور مرتبط بطور آخر في التطبيق. ذلك أن الدولة ذاتها هي دولة عقيدة. 

كانت فترة مكة- ثلاثة عشر عامًا- «تأسيس العقيدة». وكانت الهجرة توجهًا حاسمًا إلى «تأسيس الدولة». 

وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي تبدو لنا وكأنها كرب متواصل فإن التنسيق المرحلي واضح الدقة والتألق. 

كانت فترة مكة ضرورية ومرحلة لا بد منها. إن القفز كان شيئًا غير ممكن. 

بمجرد أن ينزل الوحي تقوم الدولة وينشأ المجتمع المسلم. 

هكذا من غير إنضاج عقائدي. وتدرج زمني يتناسب تناسبًا طرديًا مع النمو الروحي والنفسي والفكري للمسلمين. 

وباستبعاد «القفز». تقرر هذا المكث في مكة.. منذ نزل الوحي حتى هجرة الرسول- صلى الله عليه وسلم-.

لماذا؟

لإعطاء العقيدة. الحظ الأوفى من الاهتمام. والترسيخ والجهد والوقت ولكي تكون العقيدة هي المدخل الأول والرئيسي إلى نفوس الناس وعقولهـم واهتماماتهم.

ودلالة ذلك في حاضرنا:

أولا: ألا نقفز قبل الإنضاج. أي قبل بلوغ مرحلة الرشد العقائدي فالبناء من غير أساس قد يبدو جميلا، ولكنه بالتأكيد قصير العمر وغير متين.

ثانيا: أن نبدأ من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونجعل العقيدة هي المدخل الأول والرئيسي. صحيح إنه ينبغي أن نسهب في الشروح العلمية التي تدعم عقيدة التوحيد وترسخها.

لكنها ينبغي أن تكون شروحا ذات هدف محدد لا تزوغ عنه ولا تحيد.

 إن الدخول في معارك جانبية مع الناس قبل تأسيس العقيدة - قد يحد من الشرور.

لكن البناء الجديد. والتغيير الحقيقي يبدأ بالعقيدة.

إن هذا المنهج السديد. أحفظ للجهد. وأقدر على تحصيل ثمرات ونتائج أفضل.

• وفي الهجرة. اتحدت الأسباب مع التوكل.

فرسول الله- صلى الله عليه وسلم- دبر أمره وأخذ بالأسباب المشروعة في التكتم والتحوط والحذر. ومعرفة ما يجري في جبهة قريش. والتغذي من الغنم التي تدفع- عمدًا- نحوه وصاحبه. وطلبه من سراقة أن يعمي عنهمــا الطلب. واتخاذه عبد الله بن أريقط دليلًا في الطريق. إلى آخر الأسباب المعروفة. 

وكان هناك التوكل الكريم على اللـه- سبحانه-. مع وجود الأسباب المادية.

والتوكل قوة عظيمة لها نتائجها الملموسة والحاسمة في إنجاز المهام وتقرير الأمور.

لقد أبدى أبو بكر- رضي الله عنه- إشفاقه على رسوله حين اقترب الطالبون من الغار. وأفصح عن ذلك فقال له الرسول: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»

هذا التوكل المطلق على الحي القيــوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو جوهــر الدين. وجماع الىقين.

ويقرر القرآن الكريم نتائج هذا التوكل فيقول:

﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبة: 40).

وإقامة توازن حقيقي بين الأخذ بالأسباب. وبين التوكل على الله مطلب

ملح في النهضة الإسلامية الحديثة. فإن ترك الأسباب أو التقليل من قيمتها أو إضعاف مكانتها المشروعة في حس المسلم. كل ذلك معصية فيها من الآثام والأوزار بقدر ما يصيب الإسلام من تقصير وتفريط في هذا الصدد.

والاعتماد على الأسباب وحدها شرك. على أن إقامة التوازن ليس خارقة فإن المسلم مطالب ببذل آخر ذرة من جهده. ووعيه وذكائه في الأخذ بالأسباب فإذا فعل ذلك. عبد الله بما شرع وانتقل إلى مجال التوكل الخالص.

• وتتابع المعاني يؤدي إلى نقطة أخرى هى: أن خصومنا لا يعملون بوســائل خارقة.

إنهم يستعملون عقولهــم لا أكثر ويحكمون التدبير.. لا أقل 

وهذا مجال كما أتيح للكفار. أتيـح للمؤمنين. والمنافسة فيه صراع بشري مطرد في التاريخ.

ومن هذا المعنى تنبثق حقيقتان:

إننا يمكن أن نخوض معهم صراع استعمال العقول والمواهب حتى نسبقهـم أو نهزمهم.

إن التخطيط البشري مهما أحكم فإن هناك نقاط ضعف تظل تمثل خللًا دائمًا في هذا التخطيط.

وهذا ما يسميه القرآن الكريم بالوهن في كيد الكافرين وتدبيرهم: ﴿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (الأنفال: 18).

وفي الهجرة مثال عملي.

إن الكافرين قد دبروا خطتهم ومكروا مكرهم وعزموا على التصفية الجســدية بعد أن فشلوا تمامًا في مجـال الفـكر والحجاج.

ولكن مكرهم ذهب هباء:

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (سورة الأنفال: 30).

• وفي الهجرة تبدى معنى عــــدم التشبث بمكان معين.

ففي مكة نزلت آيات الوحي الأولى. والقرآن المكي كله‎.‏ وهي عاصمة العرب. 

ورغم ذلك تركها المسلمون حين أبى أهلها قبول الدعوة وعاندوا وأصروا على شركهم وآذوا المسلمين وتآمروا على رسول الله.

تركوها وتوجهوا إلى المدينة..‏ المكان الأنسب والمناخ المواتي.

ودلالة ذلك أن التشبث بمكان معين ليس من فقه العمل الإسلامي ولا يعبر عن تصوره الشامل المستوعب للزمان والمكان.

الرابط المختصر :