; كيف يواجه المسلمون التحدي الإعلامي؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يواجه المسلمون التحدي الإعلامي؟

الكاتب مسلم الزامل

تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

مشاهدات 64

نشر في العدد 1230

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

  • يجب على العلماء والفقهاء أن يجتهدوا في البحث عن مخرج شرعي لجوانب الإبداع السينمائي وغيرها من فنون الإبداع الأخرى.

بين يديك عزيزي القارئ.. جملة من الأفكار المبعثرة والأسئلة الحائرة، وربما الشائكة التي تعبر عن قلق متنامٍ وهم متزايد للشلل الذي أصاب الأمة الإسلامية في مواجهة الغزو الثقافي الغربي.. مبعث الهم هو انفجار القيم وتصدع المفاهيم تحت مطرقة الشاشة والستالايت والإنترنت، ومنبع القلق هو الإصرار على المواجهة من فوق المنابر لا نحيد عنها بدلًا من خوض غمار الحرب الطاحنة والنزول إلى الميدان لإنقاذ الشعوب من مذبحة الأخلاق على رؤوس الأشهاد.

لذا أستميحك: عزيزي القارئ العذر في هذه المحاولة؛ لاستثارة العقول واستنفار القلوب واستدراجها لحوار عقلاني وجاد، نتبادل فيه الرأي والمشورة في الخيارات المتاحة أمام الإعلام الإسلامي وكيفية النهوض به في ظل التحديات التي تعتريه.. وقبل الولوج لابد من توطئة: حين قفز صنديد قريش عمرو بن ود بخيله وعبر الخندق صاح في المسلمين بكل غطرسة وغرور وتحد قائلًا: يا معشر المسلمين، إنكم تدعون - بتشديد الدال - أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار، فإني قد اشتقت إلى النار فمن منكم مشتاق إلى الجنة؟!!

وإعلام القرن الحادي والعشرين يعيد التحدي بنفس النبرة ولكن بثوب عصري، استبدل فيه السيف بالكمبيوتر، والدرع بالقمر الصناعي، وبقيت الحرب هي هي.. صراع بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين النور والظلمات، وهو صراع غير متكافئ؛ لأنه بين رجل مسلح وآخر أعزل، الأول مسلح بالعلم والمال والتكنولوجيا والخبرة، والثاني تعلق (بالتواكل) لا بالتوكل، ولم يبذل الأسباب، فخسر المعركة وولى الدبر، فما حقيقة هذا السلاح الإعلامي؟ وكيف يستخدم وما هو ثمنه؟ ... تساؤلات تحوم حولها انطباعات وليست إجابات، والسطور التالية نسجل بها آراء متناثرة وتصورات لإشكالية الخطاب الإعلامي الإسلامي.

المدخل

نظرًا لخطورة وسطوة الإعلام المرئي بشكل خاص والإعلام المقروء والمسموع بشكل عام تهيمن الدول والأنظمة في العالم الثالث على إعلامها المحلي، وتسعى لشراء أو توجيه الإعلام الخارجي، أما الإعلام المحلي فهو مقيد وحرياته مكبلة، وهو مجرد بوق يسبح بحمد النظام، ولا يستنكف عن قلب الحقائق وتزوير الوقائع، مستخفًا بالعقول التي تحولت كرد طبيعي للإعلام الخارجي؛ بحثًا عن الحقيقة التي عادة ما تكون أول ضحية في الحرب الإعلامية.

ولا يعني هذا براءة الإعلام الدولي من كافة أشكال التوجيه، إلا أن ذلك يتم وفق قاعدة «كذب المنجمون ولو صدقوا»، فهو لا يخلو من الحقائق في ظل هامش الحريات التي يتمتع بها، بيد إن بعض وسائله تخضع لقاعدة العرض والطلب، وهي مهيئة للتحول إلى مدافع مدوية في وجه الصديق إذا ما دفع الخصم إتاوات أفضل وقرابين أكبر.

وفي بورصة الإعلام يلحظ المراقب التوجهات وتذبذبها صعودًا ونزولًا تمشيًا مع حركة الأسعار، وقد أثبتت حرب الخليج الثانية أن الإعلام الغربي لا يستثنى من هذه القاعدة، وهو إعلام يثير شهية المستهلك!!

والإعلام المحترف لا يكشف عورته بخبر ملفق؛ لأنها سذاجة لا تصدر من إعلام يحترم أبجديات العمل الصحفي التي تنص على نسبة الأخبار والتقارير لمصادرها وتوثيقها تصريحًا أو تلميحًا.

لذا، (فتلوين) الخبر هو في كيفية صناعته وبثَه، أي في صياغته وفي توقيته، فالإدعاء بأن مجهول اتصل هاتفيًّا في وكالة أنباء وأعلن مسؤولية منظمة الجهاد الإسلامي عن حادث تفجير مثلًا هو ادعاء لا يحتاج لإثبات؛ لأنه منسوب لمجهول أصلًا، وهو ادعاء يحقق الغرض في إطار حملة ضد الإسلاميين، وشبيه بهذا نسبة خبر مقتل أحد الإسلاميين على أيدي قوات الأمن إلى مصادر أمنية، ونقل تصريح رسمي يصف المجني عليه بأنه متطرف حاول إطلاق النار على رجال الأمن.. إن الخبر هنا صحيح مهنيًا (وناقل الكفر ليس بكافر). لكن هذا الناقل اكتفى بوجهة نظر ولم يسمع وجهة النظر الأخرى.. فالتحيز هنا لم يصل إلى حد التلفيق.. وقس على ذلك.

وفنون التحيز متعددة وهي تبدأ (بحجب) خبر وإبراز نقيضه وتنتهي (بدفن) خبر في ثنايا الصحيفة دون مانشيت أو صور، وفي المقابل يتصدر خبر مخالف الصفحة الأولى، وقد يضاف إليه تعليق الصحيفة المؤيد لمسار الخبر وأسلوب طرحه والشيء بالشيء يذكر.. فما تحرص عليه الحكومات في شراء الإعلام يسري على رجال الأعمال، ويشهد العصر الحالي إقبالًا متزايدًا على اقتصاديات الإعلام لغرضين: الأول اقتصادي بحت يتمثل في تحقيق الأرباح، والثاني سياسي بعيد المدى، يهدف إلى اختراق مراكز القرار وتوجيه دفة البلاد بما يتمشى مع مصالح هؤلاء. ناهيك عن تسخير الأدوات الإعلامية لأسلحة دفاعية، بل وهجومية في أكثر الأوقات والويل لمن يقترب من هذه (المحميات)!!

إن فهم هذه المعطيات يعطي الباحث فرصة وتمهيدا لواقع الإعلام المحلي على الأقل حتى لا يستغرق في التنظير، وهو يتحدث عن مواصفات العمل الإعلامي الناجح.. فلا يكفي وجود خبرات إعلامية وقدرات فنية في المجال الصحفي مادامت العائلات تحتكر الصحف المحلية، وتحيطها بسياج من العلاقات والمصالح.. فما قيمة وجود صحفي محنك يحمل توجهًا إسلاميًّا ما لم توفر له صحيفة ناجحة تنافس ما هو قائم في سوق لا يرحم الضعيف... وضراوة المنافسة تخرج من السوق من يقف لالتقاط الأنفاس، فإذا به في مؤخرة الركب مثخن الجراح؛ إذ إن البديل سيقفز ليحل محله ويستقطب قرائه، وقد حدث هذا فعلًا.. ما الحل وما الخيار؟ إنه لا يخرج عن بديلين الأول يتمثل في مواجهة التحدي وقبول شروط السوق التي قد تتنافى في بعض مفرداتها مع القيم والمبادئ الإسلامية كقبول الإعلانات التجارية باعتبارها الممول الرئيسي للصحيفة، ويتمثل الحل الثاني بالانصهار في الصحافة المحلية والتكيف مع توجهاتها والتنازل عن بعض المبادئ والرضوخ لأمزجة ملاك الصحيفة بكل ما تحتويه من صور ومعانٍ قد تخالف توجهات الصحيفة، طوعًا أو كرهًا.. وهي معادلة صعبة وثمنها قاس على النفس.

وقد أثبت الواقع أن فتح المجال لتيار ما بالدخول من بوابة الصحيفة لا يكون مجانيًا في العادة، ويحتاج لثمن قلما يرضى به (الحر)، ولكن ما حيلة المضطر إلا..

ولمزيد من الإيضاح نقول: إن الثمن قد يعني السكوت عن جرائم الصحيفة في حق المال العام مقابل السماح بالكتابة حول أي موضوع عدا ذلك.. وهي صفقة لا خيار لك في تعديل شروطها، فإما أن تقبل بها أو أن تلملم أوراقك وتجوب شارع الصحافة من جديد تبحث عن بديل لن يكون حتمًا أفضل حالًا مما سبق، وهي على كل قضية نسبية. إزاء هذا الوضع أظن – والله أعلم – أن الإسلاميين مضطرون لإعادة النظر في قواعد المصالح المرسلة، وقاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) ستطبق بشكل عكسي في الحقل الإعلامي؛ إذ إن جلب المصالح سيقدم على دره المفاسد، وبمعنى أكثر وضوحًا، فإن نشر المقالات ورسوم الكاريكاتير في الصحف يحتاج (لثمن)، ولا أظن عاقلًا لبيبًا يجهل هذا الثمن!!

نعود لأصل الموضوع وهو (مواصفات العمل الإعلامي الناجح) ونقول: إن الأجواء التي طرحناها في السطور السابقة إنما هي محاولة للمواءمة بين النظرية والتطبيق بين المبادئ والواقع بين الفرص المتاحة للإسلاميين وخصومهم.

هذه المعاناة لا تقتصر على (الإعلاميين) من أبناء التيار الإسلامي بل تشمل (رموزهم) السياسية في البرلمان والذين وقعوا في نفس الإشكالية حين اضطروا للتحلل من بعض القيود والالتزامات مقابل تمرير مشروع إسلامي، وهي معادلة مزعجة للضمير، إلا أن مفرداتها أصبحت واقعًا لا خيار فيه.. بل ومصدر نقد لاذع وربما شماتة من الخصوم، ولكن ما العمل؟ فالتحرك السياسي يقتضي أحيانًا تغليب المصالح العاجلة على المبادئ الآجلة إذا لم يكن هناك خيار.

مواصفات العمل الإعلامي الناجح

إذا سلمنا بما سبق ننتقل للحديث عن مواصفات العمل الإعلامي الناجح بشتي صنوفه (صحافة، تلفاز.. الخ) فنقول: وبالله التوفيق إن (الرغبة) هي وقود أي نجاح، وخاصة في الحقل الإعلامي، وهي الفارق بين من يتخذ الوظيفة هواية ومن يراها مهنة ومصدر رزق ليس إلا، فالإعلام الناجح يعتمد على ثلاث ركائز – في ظني – وهي الرغبة، ثم القدرة، ثم المهارة، والأولى كفيله بتحقيق ما عداها، وهذه الركائز قلما تتوافر في شخص واحد وبشكل متكامل، فقد تجد صحفيًّا ماهرًا في عمله إلا أن قدراته محدودة لا تخرج عن نطاق كتابة الخبر والتحقيق الصحفي والمقابلة، فهو ينقل الخبر ولا يصنعه، وهذا هو الفرق بين الصحفي والكاتب، فالأول يملك (رغبة) في البحث والتقصي وفضولًا في متابعة الأخبار والأسرار وقدرة على الاتصال ومهارة في إعادة تشكيل العجينة؛ لتخرج من الفرن إلى القراء ساخنة شهية، بخلاف كاتب الزاوية فهو عالة على الصحفي، ويكتفي بالتعليق على الأصناف التي يقدمها الصحفي على مائدة الأحداث.

والصحفي الناجح طموح بطبعه متجدد بفكره متنامٍ في علاقاته الشخصية؛ لأنه محب لعمله راغب في نشاطه، وكما قلنا: من ملك الرغبة فقد ملك القدرة ثم المهارة وهي كفيلة بتطوير أدائه وعطائه، والصحفي الماهر يمضي الساعات الطوال لإنجاز المهمة وليس لإبراء الذمة، والفرق بينهما شاسع... إذ هو كالسيل المنحدر من شواهق الجبال، فهو لا يستسلم للعوائق، ولا تثنيه الصخور؛ بل يلتف حولها ويمضي عنها حتى يعلو فيضه ويغزر ماؤه ويغطي تلك الصخور.

وهذا لا يتأتى إلا من رغبة صادقة (وتحد) أكيد للعمل، و (القدرة) مسألة نسبية تختلف من مجال لآخر، فما يملكه الصحفي من قدرة على الكتابة قد لا توازيها قدرة مماثلة في تكوين العلاقات واقتحام مصادر الأخبار والتأثير على مراكز القرار وإقناعها بتسريب الأخبار وتوفير الضمانات لها بكتم الأسرار، وهو ما يسمى بالعرف الصحفي (of record) ) ومن ثم: توثيق العلاقات حتى يغدو هذا الصحفي أثير صاحب القرار.

كما أن القدرة نسبية من حيث (التنوع)، فهناك طاقات متعددة المواهب لا تقف في العمل الإعلامي عند حد الكتابة الصحفية، بل تتعداها لصنوف وألوان وأزهار شتّى في بستان الإعلام، وهي طاقات مبدعة خلاقة نادرة؛ لأن التوفيق بين (التخصص) و(الشمولية) مسألة في غاية التعقيد؛ لذا قلما تجد هذه النوعية التي تنجح في أكثر من ميدان في آن واحد، فينتقل الممثل إلى الغناء، والمؤلف إلى الإخراج، والصحفي إلى الكتابة اليومية عبر الزوايا الثابتة، والشاعر إلى التصوير وهكذا. وهي قدرة مميزة في العمل الإعلامي إذا كان الأداء متماثلًا في كافة الفنون، كما يقال في المثل السوري الدارج (مثل صحن الصين وين ما بتضرب عليه: بيرن)، فهو يتجول في بستان الفنون وينتقي من الأزهار أطيبها وأجملها.. والأمثلة في ذلك عديدة نذكر منها تحول مدير تلفزيون الكويت السابق محمد السنعوسي إلى معد لبرنامج شعبي حاز على إعجاب الجميع باختيار أسلوب مخاطبة عينة من الجمهور داخل الاستديو.. ومن ذلك تحول اللاعب الدولي حمد بو حمد إلى معلق رياضي، وتحول حارس المرمى الدولي أحمد الطرابلسي إلى مقرئ للقرآن الكريم.. وهكذا ولا يخالف ما ذكر مبدأ التخصص، وما يتطلبه من دراسة وإلمام ومرابطة على ثغر فن ما بعد أن يستقر المرء عليه وتطيب نفسه منه، ويشعر أنه أقرب الفنون إلى نفسه، فيهب عقله ووقته لتعلم أسرار الفن، وقد رأينا شابًا يافعًا اهتم بالخط العربي كهاو، ومازال يتابع ويمارس هذا الفن ويسافر إلى تركيا والقاهرة وإيران طلبًا للمزيد حتى غدًا علمًا في هذا الفن، وتحول لخبير تسعى له شركات – الدعاية والإعلان والخلاصة، إن الفنان المسلم مدعو للإلمام بفنه ولا نقول الإحاطة؛ لأنها قدرة لا يملكها البشر، والإحاطة تعني أن تعلم شيئًا من كل شيء وكل شيء عن هذا الشيء كما قيل.

التمويل

وهو الرئة التي يتنفس منها الإعلام، ويتصف الإعلام بنهم كبير ولا يقوى على تمويله إلا دول أو مؤسسات مالية ضخمة الموارد، وذلك بحسب الوسيلة محل البحث.

فإصدار مجلة أسبوعية أو شهرية يختلف عن إصدار جريدة يومية، وإنشاء محطة تلفاز أو إذاعة يختلف عن تأسيس وكالة أنباء أو إنتاج فيلم سينمائي أو إعداد مسرحية... إلخ.

وأزمة الإعلام بشكل عام والإعلام الإسلامي على وجه الخصوص يتمثل في التمويل، وهو لا يقوى على دخول سوق المنافسة لفارق الخبرة والإمكانيات المادية والبشرية؛ لذا يكتفي بنقد ما هو قائم ولا يقدم بديل، والنقد أسهل من البناء.

من هنا برع الإسلاميون في النقد في عصر المعلومات، وتفجر وسائل الاتصال التي لا تعبًا بالصراخ؛ بل تمضي في توجيه الرأي العام، وتتخطى حواجز ورقابة الحكومات عبر شبكات الإنترنت والستالايت وغيرها لتغرق السوق بأخلاقيات وأفكار تحلق في أجواز الفضاء، وتستقر ذبذباتها في العقول والنفوس، وغدت هذه المعضلة محيرة لأولي الألباب من أهل الغيرة والنخوة.. ما السبيل لمواجهة هذا الغزو الفكري؟ وكيف يناطح السيف مكوك الفضاء؟!

وعليه فإن البحث فيما هو متاح (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا) (البقرة: 286)، يدعونا للتأمل في أشكال الدعم اللازم لإيجاد إعلام إسلامي متميز، وأظن - والله أعلم – إن الإعلام لن ينجح ما لم يحقق إيرادات (ذاتية) تضمن له أمرين:

- النجاح والاستمرار في النجاح، والثاني أصعب من الأول، فالإعلام الذي يعتمد على الدعم هو إعلام موجه ومسيس، وهو إعلام أسير توجيهات مصادر التمويل، وربما مصالح هذه المصادر المشروع منها وغير المشروع ومصادر التمويل لا تجامل ولا تغامر، وشروطها قاسية، وبناء على دراسات جدوى اقتصادية، ولا تقنع في مشروع لا يضمن لها تغطية المصاريف والتكاليف، فضلًا عن تحقيق الأرباح، هذا إذا كانت المصادر هي مؤسسات هدفها تجاري بحت، أما إن كانت حكومات تهدف لأغراض سياسية؛ فالأمر مختلف والثمن فادح.. ولن نطيل في هذا الأمر، وبيان تجارب الأمم في شراء الضمائر فهي غنية عن البيان، وما يعنينا هنا هو التحذير من ولوج هذا الميدان.

وتمويل الصحيفة يعتمد بالدرجة الأولى على حجم الدعاية والإعلان لا في عدد المشتركين وكمية المبيعات، وإن كان حجم المشتركين يستحوذ على اهتمام شركات الدعاية والإعلان.

نقول: إن المشكلة تتمثل في الدعاية والإعلان؛ لأن فنون الدعاية لا تراعي أخلاقيات، ولا تقبل إملاء شروط وضوابط شرعية، ناهيك عن قناعتها أصلًا بانتشار الصحيفة وجدوى الإعلان فيها، والمشروع أو الخطاب الإعلامي الإسلامي يحار في هذا الأمر كحيرته في تعارض الفتاوى الإسلامية مع ثلاث معضلات رئيسية وهي: المرأة والموسيقى والتصوير!! ولاتزال البدائل لهذه القضايا محل استفهام إن لم يكن استهزاء أحيانًا، فصوت أشلال الماء وتغريد العصافير ليس دائمًا يصلح بديلًا للموسيقى، ولن نخوض بتفصيل أكبر؛ لأن الموضوع لازال موصولًا بالتمويل.

إن نظرة فاحصة لأجهزة الإعلام تبين لنا حجم اعتمادها على التمويل، فقد أظهرت دراسة لوكالة الأنباء الكويتية في شهر فبراير عام ١٩٩٦م أن الإعلان والدعاية يستحوذان على أكثر من نصف صفحات الجرائد؛ بل إن صحيفة (كالوطن) بلغ شكل الإعلان فيها في بعض الأوقات نحو ٨٠ بالمائة من إجمالي المواد الصحفية، هذا مع العلم أن الصحيفة لديها مركز مالي ضخم وانتشار واسع، فكيف بأفراد عاديين. ما الخيار إذن؟ هل نبحث عن مصادر تمويل كبرى كمؤسسات استثمارية لديها القدرة على مواجهة السوق الإعلامية بقدرة وكفاءة عالية؟.. وهل ترضى هذه المصادر بنبل المقصد وحسن النوايا لإنجاز مشروع إعلامي أم ستطالب بالأرباح.

إنها حتمًا لن تقنع إلا بدراسة جدوى اقتصادية كشرط لقبول المبدأ؛ لأن بديهيات العمل التجاري تقتضي عدم المخاطرة في إقحام رأس المال بمشروعات غير ذات جدوى؛ لذا حين تمكن المخرج مصطفى العقاد من إقناع مصادر التمويل باحتمالات نجاح فيلم «الرسالة» حاز على المبالغ الخيالية، وحقق وعده بنجاح منقطع النظير وكان الطريق الذي فتح له آفاقًا جديدة، فأنتج فيلم عمر المختار وهكذا.. وهنا يثار تساؤل هل الأزمة المالية قاصرة على المشروع الإعلامي الإسلامي أم أنها أزمة عامة؟ في ظني أن المشكلة أكبر مما نتصور، لذا نجد نجوم المسرح والسينما يئنون من كساد المهنة للمنافسة الشديدة والمتنامية، وتضخم الإنفاق وتكاليف الإنتاج، وفي المقابل سوق محدودة وعوائق لا حصر لها أدت إلى ضمور وتدن كبير في الإنتاج العربي والخليجي على وجه الخصوص، فكيف بمبتدئ يفتقر للطاقات البشرية والإمكانيات المادية.

وتلفت الأنظار بهذا الصدد لقضية هامة، وهي أن الاعتماد على الإعلان والدعاية يقتضي التواصل مع الجمهور، وهذا يعني فشل أي مجلة فصلية أو شهرية أو حتى أسبوعية في استقطاب الدعايات؛ لأن المعلن لا يقبل الانقطاع، ويبحث عن أداة تضع اسمه في (ذاكرة) المستهلك دومًا.. ومما تقدم نجد أن التمويل قضية شائكة ويبقى البديل أقسى مما نتصور؛ لأنه – إن وجد – سيفرض مصالحه على غاياتنا.. ما الحل الأمر متروك للحوار.

من مواصفات الإعلام الناجح (الإبداع)

وهي دعوة للمواءمة بين الأصالة والمعاصرة، وتطوير الشكل والمضمون في سباق مع الزمن، فالإبداع يستوجب تطوير تقنيات البث مثلًا في وكالة أنباء، فتلجأ لأحدث أجهزة الكمبيوتر في نقل الأخبار، كما يستوجب تطوير الخدمات الإخبارية لكسب ثقة ورضا المشترك، ولشدة المنافسة في عالم الأخبار تمكنت محطة CNN  الإخبارية من سحب البساط من تحت وكالة «رويتر، إبان حرب الخليج الثانية؛ لأنها حولت الأنظار من قراءة الحدث إلى رؤية الحدث أثناء وقوعه، وفي بثه على الهواء مباشرة، فلم تعد الحاجة ماسة لانتظار ما تقوله الوكالات ما دمنا نشاهد الحدث، ونحن في منازلنا على الطبيعة، وما فعلته CNN في رويتر فعلته شبكة (الإنترنت) في مراكز المعلومات، وكذلك فعلت أجهزة الكمبيوتر التي ابتكرت مؤخرًا ترجمة النصوص كاملة من المقالات والاخبار والتقارير. فما الداعي للمترجمين في القرن المقبل؟.. إن التطور سنة العصر، وهو لا يرحم بطيء التعلم؛ فضلًا عن المتخلف.. فإذا كان السباق بهذه الشدة بين إمبراطوريات الإعلام، فكيف سيزاحم أصحاب مجلات الحائط هؤلاء !!... إن المتتبع لسباق التطور يشهد قفزات نوعية لدخول الأسواق وإخراج المنافسين منها في حرب شرسة لا هوادة فيها ولا رحمة للضعيف، فالبقاء للأقوى.. وانظر إن شئت لصحف ومجلات عريقة لم يشفع لها تاريخها المجيد وخبرتها الطويلة في البقاء طويلًا على سلم العرش، وهي ظاهرة لا تنحصر في الإعلام، بل تمتد لكل مشروع تجاري، وقد رأينا محلات وماركات ومصانع طواها النسيان وتدثرت بغبار الجمود حتى توارت عن الأنظار.

دور المفكرين والعلماء

إن الحديث عن الأصالة والمعاصرة لا يقف عند حد الشكل؛ بل يتعداه إلى المضمون، والتوفيق بين الأمرين شعار جميل، بيد أنه يحتاج لترجمة حقيقية تتخطى الحواجز الشرعية بحلول شرعية أيضًا، فما أثرناه سابقًا من عوائق كتمثيل المرأة ورسم الأرواح وتسجيل الموسيقى تبقى مسائل معلقة تثير الحيرة للفنان المسلم.. كيف نرسم مثلًا قصصًا من السيرة العطرة دون رسم الأشخاص، (ولا نعني الأنبياء أو الصحابة بل مجرد أشخاص عاديين) وقد جرب أحد الفنانين رسم منظر الكعبة وحولها الأصنام فقط، وحين تصدرت اللوحة غلاف كتيب سأل الولد أمه: أين الناس الذين يطوفون حول البيت ؟!.. بل كيف سنرسم معركة بين المسلمين والمشركين دون جنود وخيول ؟.. وقس على ذلك! كيف سنتصدى لهذه المعضلة التي يقف المشايخ أمامها موقف المتفرج ولا يقبل أحدهم أن يخوض فيها تورعًا وتخوفًا من الفتوى.

إن اعتزال المشايخ هذا الميدان جعل الفنان المسلم وحيدًا في الساحة يجتهد ويلام كثيرًا على اجتهاده؛ بل ويلاحق دوما بأسئلة عن شرعية ما يفعله، ومن أفتى له بجواز ما أقدم عليه.. ويتزايد تأنيب الضمير إلا أن عزاؤه دومًا (الهم) الكبير لإنقاذ الأمة من الحملات الإعلامية التي تفتك بشبابها وفتياتها دون رحمة.

إن المعاصرة والأصالة تقتضي انصهار العلماء والمفكرين والفنانين في بوتقة واحدة للنهوض بالواجب الإعلامي، وقد رأينا الإعلام الإيراني يقطع شوطًا في هذا الطريق، ويحاول أن يقف على رجلين في وجه الرياح العاتية، بل وينطلق في شتى الاتجاهات، ورغم استبداله الأغاني بالأناشيد، إلا أنه يعاني من وعورة الطريق، لكنه على الأقل بدأ المحاولة ودخل المعركة الإعلامية بأسلحة متواضعة.. وأنتج مؤخرًا دمية بديلة عن الدمية الأمريكية الشهيرة «باربي».

إن الأصالة تعني استلهام القيم والمبادئ من ديننا الحنيف بثوب معاصر منظور متجدد، يضاهي ويباهي أثواب الجاهلية، ويحول دون ارتدائها.. والمعاصرة تعني ثورة على الصفحات الدينية والبرامج الدينية؛ لترفع عنها الجمود والانكفاء على نفسها بأطروحات لا يقرؤها أبناء الحركة الإسلامية، فضلًا عن عموم الناس... فهي بحاجة لنقله نوعية لتعايش هموم الناس بمنطق الناس، نريد مسلسلًا دراميًّا راقيًا لعلاج مشاكل المجتمع التي يئن منها مخدرات – بطالة – طلاق – جرائم الأحداث – انحراف المراهقين...) بأسلوب جذاب وشيق، يغرس القيم والمفاهيم غرسًا يذوب في الوجدان ويؤتي ثماره في أخلاق طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

وهي معادلة دقيقة وصعبة لا نريد أن ترجح كفة الأصالة على المعاصرة والعكس صحيح، فلا نقبل حداثة وتطوير يتخطى النصوص الشرعية، وإلا خرج إعلامنا عن الفلك الإسلامي وتاه في الفضاء.

ومن المفيد أن نثير هنا ملاحظة، وهي أن البديل لا ينبغي أن يقف عن حد (الجدية) في علاج المشكلات بل يتعداها ليحقق المرح والترفيه المباح اللهو البريء وينتزع البسمة من الشفاه، وينشر السعادة، ويبث الأمل ويشيع مظاهر الفرح السرور في دنيا البشر، فالدنيا ليست كآبة مرارة ودماء وأشلاء ودموعًا وأحزانًا؛ بل هي حلوة خضرة، ويعلو أشواكها زهور فواحة، والخطاب الإعلامي خطاب تفاؤلي لا تشاؤمي، ولا يقتل الأمل ما فعل الشاعر بقوله:

إن حظي تدقيق بين شوك نثروه

ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه

فقد جعل المولى جل وعلا الأصل في الأمور الإباحة واستثنى منها الحرام.. سألني مدرس ذات يوم وكنت في المرحلة الثانوية إذا كان الغناء حرامًا فماذا نسمع في الإذاعة لنريح أعصابنا؟ قلت بعفوية: (البدائل كثيرة.. فأنا أسمع الأناشيد الإسلامية والقرآن الكريم والمحاضرات المفيدة وكل برامج ترفيهية أو تثقيفية هادفة... وهذا الجواب قد لا يشفي غليل العامة لاختلاف الأذواق والمدارك، ودين الله لم يرسل للنخبة أو الصفوة بل هو للعالمين جميعًا؛ لذا فقد سعى البعض لترجمة الجواب السابق بإعداد برامج ترويحية تناسب العصر كما فعلت لجنة مصابيح الهدى واتحاد الطلبة في الجامعة، وهي محاولات جديرة بالاهتمام، فقد أنتج مؤخرًا فيلمًا كرتونيًّا باسم الإسلام، وكلف مبلغًا جاوز العشرين ألف دينار، ونال استحسان العامة؛ لأنه بل إنتاج إسلامي ينقل فكرة إسلامية بأسلوب رسوم الکارتون. ورغم ذلك يبقى السؤال: هل يغطي الفيلم تكاليف إنتاجه فضلًا عن هامش الربح".. وهل سيغني الأطفال عن شراء أفلام والت ديزني؟.. ماذا نفعل إنن؟ هل نستسلم أم نواصل المسير.. ربما نملك الإجابة إذا كان الحديث عن الجانب الصحفي؛ لأنه أسهل ميادين الإعلام والانتشار فيما هو قائم أفضل من البدء من الصفر، وقد أثبتت التجربة نجاح هذا الخيار، ولكن ماذا عن الإنتاج السينمائي والمسرحي وغيرها من فنون الإعلام؟

لقد صال القلم رجال في تساؤلات ومحاولات لإثراء الحوار ودعوة أهل الفكر والاختصاص للمشاركة في صياغة إجابة شافية لما تقدم. لمواصفات الإعلام الناجح سهلة التنظير صعبة لتطبيق، وأذكر في هذا المقام أن مسؤولي إحدى وكالات الأنباء أبدوا امتعاضهم واعتراضهم على قبول موظفين جدد لا يتقنون اللغة الإنجليزية، فرد عليهم المدير العام إذا كانت هذه هي مخرجات التعليم، وهذا هو المتاح في سوق العمل، ولم نجد من تتوافر لديه (كل) المواصفات فما هو الخيار؟. هذا المنطق لا يعني القبول، ولكنه التسليم بما هو متاح ومن ثم الارتقاء بهؤلاء الخريجين وإلحاقهم دورات لسد النقص لديهم.

أملنا في ختام هذا المقال أن يستشير أهل الرأي والمشورة، وهي دعوة لكافة المهتمين من داخل وخارج الحركات الإسلامية؛ لأن الهم والقلق يقتصر على التيار الإسلامي بل يشمل كل غيور على دينه ومستقبل أبنائه.. فهل من مجيب؟

الرابط المختصر :