العنوان في الساحة الإسلامية.. حكم الجهاد والحل السلمي في أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1984
مشاهدات 160
نشر في العدد 656
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 31-يناير-1984
لا بد من بيان الحكم الشرعي في أخطر قضية في الأرض الآن، وهي أمل المسلمين المرتقب- بإذن الله- لرؤية دين الله قائمًا في الأرض متمثلًا حيًا في واقع الحياة مجسدًا بسلوك وقوانين وأنظمة ودول.
نبدأ فنقول:
الجهاد: لغة: بذل الوسع والطاقة أو المشقة، يقال جاهدت جهادًا بلغت المشقة (1).
وشرعًا: الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله (2) أو بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد وغير ذلك.
ومن توابعه: الرباط وهو الإقامة في مكان على حدود الكفار (3) أو: المقام في ثغر العدو لإعزاز الدين ورفع شر المشركين.
هدف الجهاد: لتكون كلمة الله هي العليا ففي صحيح مسلم «من قاتل لتكون كلمة الله الأعلى فهو في سبيل الله» (4)، وفي رواية «لتكون كلمة الله هي العليا»، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال: 39).
حكمة الجهاد: إزالة العوائق والعقبات أمام الدعوة الإسلامية وتحطيم الحواجز السياسية التي تحول دون إيصال الإسلام إلى الناس.
حكم الجهاد: جنس الجهاد ضد الكفار فرض عين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه لقوله صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم» (5).
▪ حكم القتال
إن قتال الكفار باللسان والسلاح يختلف حكمه باختلاف حالة المسلمين.
أ- فهو فرض كفاية: إن كان الكفار في بلادهم ولا يحشدون لقتال المسلمين فالقتال كفاية، وأقل فرض الكفاية سد الثغور بالمؤمنين لإرهاب أعداء الله، وإرسال جيش في السنة على الأقل «فعلى الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين وعلى الرعية إعانته فإن لم يبعث كان الإثم عليه» (6).
ومعنى فرض الكفاية أن يقوم به بعض الأمة فإن لم يقم به أحد أثمت جميع الأمة، هذا الذي نص عليه جمهور الفقهاء.
ب- فرض عين: ويصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم في حالات منها:
1- إذا دهم الكفار بلدة من بلدان المسلمين وهاجموها.
2- إذا استنفر الإمام أشخاصًا يكون القتال فرض عين على هؤلاء الأشخاص ويسمى «نفيرًا خاصًا»، وإذا استنفر الناس جميعًا يسمى «نفيرًا عامًا» ويصبح فرض عين على جميع الأمة، ففي البخاري عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال يوم الفتح «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» (7)، فالحديث يدل على وجوب النفير عند الاستنفار.
3- إذا التقى الصفان أو شرع في القتال (8).
4- إذا أسر الكفار مسلمًا أو مسلمة (9).
▪ حكم الجهاد في أفغانستان الآن
لقد تبين أن الكفار إذا دهموا بلدة إسلامية عمرانها أو جبالها أو خراجها فإنه يتعين القتال على كل أهلها، فتخرج المرأة بغير إذن زوجها والصبي بدون إذن والديه والمدين بدون إذن غريمه والعبد دون إذن سيده، وقد اتفق الأئمة الأربعة وفقهاء مذاهبهم على هذا (10).
وكذلك يصبح الجهاد فرض عين على كل بلدة على مسافة دون مسافة القصر «أي دون أربعة برد والبرد 4 فراسخ، الفرسخ 3 أميال، الميل الشرعي 48 مترًا أي- 88,604 كم».
وقد نص على هذا معظم الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنبلية، هذا بالنسبة للجهاد بالنفس، جاء في فتح القدير لابن الهمام (11): «فإن هجموا على بلدة من بلاد المسلمين فيصير من فروض الأعيان على جميع أهل تلك البلدة النفر وكذا على من يقرب منهم إن لم يكن بأهلها كفاية وكذا على من يقرب، إن لم يكن بمن يقرب كفاية أو تكاسلوا أو عصوا، وهكذا إلى أن يجب على جميع أهل الإسلام شرقًا وغربًا».
وجاء في البحر الرائق لابن نجیم (12): «وفرض عين إن هجم العدو فتخرج المرأة والعبد بلا إذن زوجها وسيده».
وفي نهاية المحتاج للرملي (13): «فإن دخلوا بلدة لنا أو صار بيننا وبينهم دون مسافة القصر فيلزم أهلها الدفع حتى على من لا جهاد عليه من فقير وولد ومدين وعبد وامرأة».
وفي الإنصاف للبرداوي (14): «إذا نزل الكفار على بلد المسلمين تعين على أهله النفير إليهم».
وفي حاشية ابن عابدين (15): «وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منهم، فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه ثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقًا وغربًا على هذا التدريج».
هذه فتاوى فقهاء الإسلام إذا دهم العدو بلدة إسلامية، بأن الجهاد يصبح فرض عين على أهل البلدة وعلى من يبعد عنهم دون مسافة القصر.
▪ حكم الجهاد إذا أسر العدو أسيرًا مسلمًا
اتفق العلماء جميعًا على أنه إذا أُسر مسلم من قبل الكفار فإنه يجب على المسلمين جميعًا إنقاذه.
ففي فتح القدير (16) «أما إنقاذ الأسير فواجب على الكل من أهل الشرق والغرب ممن علم» ومثله في البحر الرائق (17).
وفي البزازية (18) «إذا امرأة مسلمة سُبيت في المشرق وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر»، وفي نهاية المحتاج (19): «ولو أسروا مسلمًا فالأصح وجوب النهوض إليهم وجوب عين لخلاصه إن توقعناه ولو على ندور في الأوجه کدخولهم دارنا بل أولى إذ حرمة المسلم أعظم».
▪ خلاصة حكم الجهاد في أفغانستان
1- فرض عين بالنفس والمال: على أهل أفغانستان جميعًا وعلى من يقطنون على بعد أقل من 88 كم من الحدود الأفغانية، سواء في باکستان أو إيران أو غيرهما.
2- فرض عين من جهة مدهم بالسلاح والطعام والمال وتسهيلات الحدود على المسلمين في الأرض جميعها وتأشيرات الدخول.
3- فرض كفاية بالنفس: على باقي المسلمين في الأرض «غير الأفغانيين وغير من يعيشون على قرب من حدودهم»، وهذا كله إذا كفى أهل أفغانستان من جهة العدد، أما إذا لم يكف عددهم فإن فرض العين بالنفس يتوسع حتى يعم المسلمين جميعًا.
ففي الحديث عن ابن عباس- رضي الله عنهما، أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» (20)، أي شرف الهجرة وثوابها انقطع بعد فتح مكة سنة 8ه لأن المنطقة كلها أصبحت دار إسلام وأمان، «ولكن جهاد ونية» دلالة على وجوب الجهاد على الكفاية «وإذا استنفرتم فانفروا» يدل على وجوبه عينًا وقت النفير.
▪ حكم الجهاد في فلسطين
كل ما ذكر في حكم الجهاد في أفغانستان ينطبق على فلسطين.
فالجهاد في فلسطين:
1- فرض عين بالنفس والمال: على أهل فلسطين وعلى من يقرب من حدود فلسطين دون مسافة القصر في الأردن وسوريا ومصر- وغيرها.
2- وفرض عين بالمال: على جميع المسلمين في الأرض.
3- وفرض كفاية: على باقي المسلمين، هذا إذا كفى أهل فلسطين ومن حولهم لمقاومة اليهود، فإن لم يكفوا امتد فرض العين بالجهاد بالنفس الأقرب فالأقرب.
وهذا هو حكم الجهاد في كل بلد إسلامي هاجمه الكفار في أي مكان من المعمورة.
ولقد أفتى العلماء أن الأموال الزائدة عن الحاجة الضرورية- في حالة الجهاد والاعتداء على أراضي المسلمين- هذه الأموال تعود ملكيتها إلى الأمة المسلمة المحتاجة ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ﴾ (الحديد: 7) ولا بد للإمام أن يوظف في أموال الأغنياء ما يسع حاجة الأمة المسلمة ومتطلباتها، وهذا أمر بدهي لأن الضرورات الخمسة مرتبة بالأولوية: حفظ الدين، ثم النفس ثم العرض «النسل» ثم العقل، ثم المال.
فالمال: آخر الضروريات الخمسة.
فحفظ الدين مقدم على حفظ النفس: ولذا كان الجهاد وفيه قتل النفس للحفاظ على الدين.
وحفظ النفس مقدم على حفظ المال، وعليه: إذا كان الدين والنفس معرضين إلى الزوال عند اعتداء الكفار فلا بد من ترخيص المال وبذله لحفظ الدين والنفس، ولذا كانت فتوى العلماء «بأنه أنا سبيت امرأة في المشرق وجب على أهل المغرب تخليصها من الأسر».
▪ استئذان الوالدين
عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فاستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما جاهد» رواه البخاري 1\461.
وهنالك حديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي عليه في وجوب استئذان العبد سيده وهذا عندما يكون الجهاد فرض كفاية.
أما الآن: فالجهاد فرض عين في كل أنحاء الأرض على كل مسلم، لأن دين الله قد حورب واغتصبت الأراضي الإسلامية وقفز على أنحاء العالم الإسلامي أناس يحاربون الله ورسوله ودينه جهارًا نهارًا.
فلا بد من الجهاد «عينًا على كل مسلم» لإعادة حكم الله في الأرض، فإذا منع شاب فلسطيني من أن يقاتل لتخليص هذا البلد المسلم من حكم الكفار وسنحت له الفرصة أن يقاتل في أفغانستان فلا حاجة لاستئذان الوالدين، لأن الإثم رفع عنه للضرورة بسبب منعه من القتال في فلسطين، والقاعدة الشرعية تقول «الضرورات تقدر بقدرها» «إذا زال المانع عاد الممنوع».
▪ حكم الغنائم في القتال الأفغاني
لا شك أن حكم الغنائم معلوم أن أربعة أخماسها للمقاتلين ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الأنفال: 41).
ولكن المشكلة الآن أن معظم الغنائم من السلاح والناقلات العسكرية فإن أعطيت للمجاهدين- وهم الآن في حاجة ماسة للمال من أجل معيشتهم فإنهم يبيعونها ويشتريها أعداء الله الذين يتقوون بها على المؤمنين.
ومن ناحية أخرى فأمير الجهاد لا يملك المال لشراء ما يحتاج إليه المجاهد، ولذا فالأولى أن يعطي المجاهدون ما يطيب به خاطرهم وترضى بها نفوسهم ويبقى السلاح للجهاد قياسًا على أراضي سواد العراق، فقد رفض عمر- رضي الله عنه- تقسيمها بين المجاهدين «قال عمر- رضي الله عنه: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي- صلى الله عليه وسلم- خيبر» رواه البخاري.
«يتبع»
▪ الهوامش:
(1) إعلاء السنن لظفر أحمد العثماني نقلًا عن فتح الباري ونيل الأوطار ج12 ص5.
(2 و3) انظر حاشية ابن عابدين ج 3\238 طبع باكستان\ كويته.
(4) مختصر مسلم 1088.
(5) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه النسائي ورجاله رجال الصحيح، انظر إعلاء السنن 12\4 ونيل الأوطار 7\115-116.
(6) حاشية ابن عابدين 3\238.
(7) إعلاء السنن 12\8 نقلًا عن البخاري 1\316.
(8) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي 8\58 والإنصاف للمرداوي ج 4\117.
(9) فتح القدير/ الهداية لابن الهمام 5\191 ونهاية المحتاج 8\108 والبحر الرائق 5\72.
(10) انظر المصادر السالفة ابن عابدين 3\240 نهاية المحتاج 8\58 فتح القدير 5\191 الإنصاف 4\117.
(11) فتح القدير لابن الهمام ج 5\191.
(12) البحر الرائق ج 5\72.
(13) نهاية المحتاج للرملي 8\59.
(14) الإنصاف 4\117.
(15) حاشية ابن عابدين 3\240.
(16) فتح القدير 5\191.
(17) البحر الرائق 5\72.
(18) نهاية المحتاج 8\58.
(19) رواه البخاري 7\118 انظر إعلاء السنة 12\9.
(20) فتح الباري 5\14.