العنوان حوار في الدعوة والحركة: الانفتان بالتخطيط والعلم الإداري
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-1983
مشاهدات 58
نشر في العدد 604
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 18-يناير-1983
● هل صحيح أن الحركة الإسلامية تسير بالبركة الإيمانية كما يعتقد بعض الشباب؟
● على الذين افتنوا من الشباب بالدراسات الغربية أن يتريثوا ويزنوا كل أمر بضوابط الشريعة.
تدخل الدعوة الإسلامية طورًا جديدًا من أطوارها.. فالعالم أصبح صغيرًا جدًّا.. ووسائل الاتصال صارت متعددة ومتيسرة.. وبدأ الدعاة يتصلون بالحضارة الغربية عن كثب.. يدرسون في جامعاتها ومعاهدها.. بل ويطورون أبحاثها وتجاربها.. وظهرت صيحات داخل الدعوة، تطالب بتحسين العمل وتطوير وسائله، والاستفادة من العلوم الحديثة؛ كالإدارة والتخطيط، والسلوك التنظيمي، وعلم النفس والتربية.. وبدأ نقاش وحوار حول الدعوة في القدر المطلوب الاستفادة منه.
وهذا الحوار الذي نفتحه على تلك الصفحات هو انعكاس لما يدور في داخل الدعوة.. ولأن هذا الحوار يعتبر ثروة فكرية من تراث الدعوة.. فإن مجلة المجتمع تساهم في تسجيل هذا الحوار، وتدعو كافة المهتمين بشؤون الدعوة الإسلامية للمساهمة في إثراء النقاش، وتسليط الضوء على جوانبه وزواياه..
والأستاذ جاسم مهلهل الياسين من الشخصيات المعروفة في وسط الدعوة الإسلامية في الكويت.. وهو أحد القلائل المتميزين بمنهج فكري محدد، له منطلقات المحددة.. وتجربته في الدعوة والتربية حافلة وقديمة.. ولأفكاره وآرائه صدى واسع في صفوف شباب الدعوة.. إنه يبدأ الحوار.. ونحن نرحب بالتعقيبات والردود.. ونسأل الله التوفيق والسداد
رئيس التحرير
نتيجة لاحتكاك شباب الدعوة في العلوم الإدارية والتقسيمات الفنية من خلال دراستهم الجامعية، واحتكاكاتهم اليومية في مجالات الوظائف العامة والخاصة وعن طريق سماع المحاضرات العامة.. حصاد هذه الأمور كلها خرجت نبتة غريبة عن الحس الإيماني والضوابط الشرعية والأدب الإسلامي، فأخذت تسفه مناهج العمل الإسلامي، وتصفها بالسذاجة تارة، وبعدم مواكبة تطور الواقع تارة أخرى، لذلك فهي لا تخطط؛ بل تسير بتخبُّط. والأدهى من ذلك إقران ما يرونه تخبّطًا بالبركة الإيمانية، فيقولون: بأن الحركة تسير بالبركة، فيفهم من ذلك أن البركة الإيمانية تصادم الحركة التخطيطية!! وكأنهم جعلوها منقصة في الحركة!! وكأنهم جعلوا ميزة الحركة الإسلامية؛ بل ميزة الإنسان هو التخطيط، وتناسوا ميزة الإيمان... وهذه القضية لا يرد عليها أصحاب الحركة الإسلامية؛ بل يتولى توجيهها توفيق الحكيم في كتابه «تحت شمس الفكر»، فيقول:
«الذكاء ليس بالمزية التي اختُصَّ بها الإنسان وحده، والنظام الإداري المحكم والاقتصادي الكامل ليس وقفًا على المجتمع البشري، فإن مجتمع النحل لأدق منا نظامًا في الإدارة، وإن مجتمع النحل لأدق منا أحكامًا في الاقتصاد. ولكن الذي يميزنا نحن معاشر البشر هو الإيمان! (ص 51) نقل ذلك عنه صاحب تهافت العلمانية (ص 130).
ثم أن أمر التخطيط نسبي يختلف من أمر إلى آخر، ويؤخذ بقدره، وينظر إليه على أنه وسيله لإنتاج أفضل وأسرع، لا أنه غاية في نفسه، ثم أن المراد والمطلوب الشرعي هو اتحاد السبب، وهو التعبير الشرعي للتخطيط والسبب هو استغراق الجهد البشري لطاقته في تحصيل أمر من الأمور مع الاستعانة بالله تعالى الذي خلق الأسباب ومقتضياتها، وهذا هو الأمر الوسط الذي وصفت به الأمة الإسلامية ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: 143).
وسطًا بين الأشاعرة اللذين جعلوا الأشياء تحدث عند الأسباب لا بها، وجعلوا الارتباط بين السبب والمسبب ارتباطًا اعتياديًّا، فجعلوا الشبع يحدث عند الطعام لا به!! وبين المعتزلة اللذين جعلوا حتمية حدوث النتيجة مترتبًا على السبب ترتبًا لازمًا بمعزل عن مراد الله، ولكن أهل السُنة والجماعة اللذين يمثلون اللبن السائغ الذي يخرج من بين دم وفرث، منهم يتخذون الأسباب ويخططون، ولكن لا يعزلونها عن مراد الله سبحانه، ولا عن الضوابط الشرعية المستقاة من منهج الله، فيمثلون بذلك حقيقة التوكل على الله».
ثم يجب ألا يغيب عن تفكير المفتونين بالتخطيط أن كل مرحلة من مراحل الدعوة تستلزم طبيعة وصورة مناسبة للتخطيط. فالمرحلة الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين كان الأمر مقصورًا على الاتصال الفردي بأهل مكة، والتعبد في شعب أبي طالب، والتدارس في دار الأرقم بن أبي الأرقم.. تختلف عن مرحلة الهجرة والتحرك للهجرة؛ بل أن الأمر لم يعد أن يكون خروج كل إنسان بقدرته واستطاعته، مع بذل أسباب النجاة من التخفي وأخد الزاد والراحلة، وإنني لا أستبعد من أولئك أن يقول أحدهم - أن لم يكن قد قالها -:
بأن المسلمين أثناء الهجرة خرجوا من غير تخطيط؛ بل خرجوا بالبركة!!
فهذا أبو صهيب ترمد عيناه في الطريق، وهؤلاء النساء يخرجن بلا محرم وقيم، وهكذا أفراد كل واحد منهم يخرج باجتهاده!! ثم أن مرحلة الدولة بعد ذلك وتأسيسها تحتاج إلى تخطيط أكثر من مرحلة التعبد والتدريس.. وليس هناك انتقاص لأي مرحلة من المراحل؛ بل كل مرحلة خطط لها بما يناسبها ويوافقها.. وهذه القضية تخفى على خفافيش الأبصار الذين بهرهم بريق الشعارات وانعكاس جمال اللافتات، فأخذوا يرددون عبارات جوفاء في حقيقتها، براقة في ألفاظها، تبهر قليل العلم ضحل التجربة. وكذلك يفتن أصحاب القلوب المريضة من متطلعي الزعامات. وإن حال هؤلاء ليذكرنا بالأعرابي الذي بال في بئر زمزم، فعندما سئل عن سبب فعله قال: حتى يعرفني الناس، فبحث عن الشهرة، ولكنه لم يحسن الوسيلة واختلط عليه الأمر بين من يشتهر بالظلم، ومن يشتهر بالعدل، ومن يعرف بالقبح، ومن يعرف بالجمال، في زحمة البحث عن الشهرة تراه ينسى أو يتناسى، كما أن هذه الشعارات الجميلة تذكرنا بنداءات الثورة الفرنسية التي يسمونها الكبرى - «الإخاء، الحرية، المساواة» والتي في ظاهرها الرحمة ومن قبلها العذاب، ولتوضيح ذلك أبين
صورة من الصور التي ترتبت على هذه الشعارات: -
«في إحدى جلسات الجمعية الوطنية -وهي الجمعية التي كانت تحكم فرنسا بعد الثورة- قام أحد المفتونين، فقال ونادى بهذا الشعار وطلب التصويت عليه: -
«لا صدقات ولا مستشفيات» وكان مراده في ذلك تحقيق المساواة.. حيث كانت المستشفيات قبل الثورة وبعد الثورة -مستشفيات تجريبية- فكانت الطبقة الفقيرة تذهب إلى المستشفيات للعلاج، فيقوم الأطباء بعلاجهم بالأدوية التي توصلوا إليها، ويقومون بتجربتها على المرضى من الفقراء! أما الأغنياء فيذهب إليهم الطبيب الخاص ليقوم بعلاجهم... لذلك من باب المساواة أن تلغى المستشفيات، ويعطى الفقراء المال ليستطيعوا أن يعطوا الطبيب الخاص، ولا يذهبوا إلى المستشفيات، ومن ثم تغلق المستشفيات لأنها تجسد الفقر بين الشعب!! ولكن لحسن حظ البشرية إنه لم يوافق على هذا الاقتراح، فبالله عليكم لو تصورنا أن هذه المستشفيات قد أغلقت فكيف كان يمكن أن يتقدم الطب؟؟»
هذا هو نتاج التطبيل للشعارات الفارغة التي تطرح من غير وعي ولا ضابط، ففكرة التخطيط في ظاهرها الرحمة والإنتاج والأخذ بالأسباب، وهذا أمر لا شيء فيه؛ بل هو مندوب إليه، ولكن عندما يكون ذلك ستارًا لهدم الأصول الثابتة للعمل الإسلامي، وتغيير بنيته الأساسية مع مرور الزمن في هذه اللحظة يكون في باطنه العذاب، وتظهر الحقيقة على لسان المخدوعين المرددين لكلام لا تهون مخاطره، فيأتي أحدهم فيقول: إنه يجب إعادة البناء التنظيمي للهيكل، ثم يتبع ذلك قوله: ولابد من تغيير الأصول الفكرية التي تقوم عليها الجماعة؛ لتواكب الواقع الذي نعيش فيه... وهكذا يسترسل مع مراد التغيير حتى يقول:
وإذا اصطدم العقل مع النقل فلا بد من تقديم العقل، إلى أن يحرم النظر في كتب التفسير كالقرطبي والطبري وابن كثير، ويدعو إلى معرفة التفسير من خلال النظر في القرآن الكريم وكثرة قراءته فقط!!
وهكذا تبدأ القضية بأهمية التخطيط، وتنتهي بضرورة التغيير وعدم الجمود تغيير وتغيير؛ حتى لا يبقى شيء مستقرًا، ومن ثم تضيع الأصول فيقوم بناء ويسقط آخر، ويسقط الذي قام ليقوم غيره، وبهذا يحدث القلق وعدم الاستقرار الذي هو مراد أعداء الحركات الإسلامية، وبهذا يقول الدكتور محمد المبارك: «إن الدعوة إلى التغيير المستمر دعوة يهودية ماكرة يراد بها قلب المجتمعات وإحداث القلق، ومنع الاستقرار، وقد استغلت فكرة التطور أقبح استغلال لمحاربة الأخلاق، وباسم التقدم والتطور لمحاربة الإسلام وتشريعه ونظمه ومُثله العُليا، ولعل مبدأ الانحراف في التفكير الإسلامي في هذا الجانب، إنهم ينظرون إلى المنهج الإسلامي كمنهج من مناهج التفكير البشري الأخرى ، فيغفلون عن کونه دينًا ربانيًا سيقف صاحبه بين يدي الله يوم القيامة. وتأتي خطورة هذا الطرح يكونه يلاقي استهواء لدى الشباب الذين من عادتهم أخد كل ما هو ثوري ومتغير؛ لما فيه من خروج على المألوف وإشباع للغرور الفردي.
وفي الختام... نطلب من إخواننا اللذين افتتنوا بالدراسات الغربية أن يتريثوا في أخذهم وتعلقهم، ويزنوا كل أمر بضوابط الشريعة، وليعلموا أن الشر لا يأتي إلا بشر، والخير لا يأتي إلا بخير، كما هو من نَص ومفهوم الحديث المتفق عليه، واللفظ لمسلم في كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا. قالوا: وما زهرة الدنيا، يا رسول الله؟ قال: «بركات الأرض» قالوا: يا رسول الله، وهل يأتي الخير بالشر؟ قال: «لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير. إن كل ما أنبت الربيع يقتل أو يلم إلا أكله الخضر، فإنها تأكل، حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثم اجترت وبالت وتلطت، ثم عادت فأكلت، أن هذا المال خضرة حلوه، فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع»..
فإلى لقاء آخر مع نزعة أخرى في العدد القادم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل