; مناسبة الاحتفال بالأسرة.. وروح هذا العصر | مجلة المجتمع

العنوان مناسبة الاحتفال بالأسرة.. وروح هذا العصر

الكاتب الكوكبي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1972

مشاهدات 63

نشر في العدد 92

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 21-مارس-1972

مناسبة الاحتفال بالأسرة.. وروح هذا العصر

دائمًا حيث تذوي العلاقات الإنسانية، نجد التشبث بالمظاهر الزائفة فكلما ازداد الإنسان بعدًا عن جوهر إنسانيته، كلما ازداد تمسكًا بعرضها، وهذا هو ما نجده في كثير من المجتمعات الهابطة المتشبثة بالأرض، حيث لا يهم الإنسان فيها إلا أن يكسب ويكسب، ويجمع في صناديقه مالًا كثيرًا لا يمكن أن يقنعه مهما كثر، وهو في سبيل جمع هذا المال يدوس على كل القيم التي تقف في طريقه.

في مثل هذا المجتمع، تكاد تتلاشى كل حقيقة لا تمت إلى المادة بصلة، فالصداقة والأخوة غير موجودة، إلا في حدود الوقت الذي تتم فيه الصفقات، فإذا ما انتهت هذه الصفقة، انقطعت تلك العلاقة ولم يعد لها وجود إلا في عالم المثاليات المتخيل.

والأسرة في هذه المجتمعات -وهي موضوع حديثنا- لا تكاد تتضح معالمها، بدأ أساس الارتباط فيها على حب الجسد للجسد حبًا أساسه ارتباط حسي مادي، ينشد اللذة الحيوانية بعيدًا عن انسجام النفس وتعانق الأرواح، فكان كل من الزوجين اسميًا يكسرانه ويلقيان به بعيدًا كلما اطمأن أحدهما إلى غيبة الآخر.

وفي ظلال هذه الأسرة يتوالد الأطفال برضا الزوجين كليهما أو أحدهما فيكونوا عالة على هذه الأسرة، تزيد من أحكام القيود حول الأبوين فيها، وتحد من تمتع كل منهما بحريته، يذهب كلٌّ من الزوجين إلى عمله فيغيب معظم النهار، ويبقى الأطفال عند الخادمة أو المربية.

وقد يدعوان إلى سهرة أو حفلة أو يذهبان إلى ملهى، ويبقى الأطفال أيضًا في البيت عند الخادمة أو المربية.

وحين يكبر الأطفال يخرجون هم أيضًا إلى حيث يشاءون، ويستمتعون بالطريقة التي يختارونها، والوالدان عنهما لاهيان فيستقبلهم مجتمع يغرقهم في حمأة طينه، ويستهويهم بأوضار خطاياه، فيزداد كرههم لجدران البيت وينعدم شعورهم بالانتماء إلى أسرة، وينعكس هذا الشعور على الوالدين أيضًا، فربما أسفًا على تضييعهما للأولاد، وربما دفعهما النزق والأنانية إلى طردهم من البيت، بحجة أنهم في سن تسمح لهم بالعمل والكسب منفصلين، وقد يسلمهم هذا إلى الهيرويين أو للكوكايين في مجموعات الهيبين أو البيتلز وقطعان الضياع والعدم.

في ظل هذه الظروف، وجد الحكماء أنفسهم مضطرين إلى تذكير الأبناء بأمهاتهم اللائي ولدنهم، أو بأسرهم التي ينتمون إليها، فاقترحوا أن يكون للأم أو للأسرة يوم في السنة، هو يوم عيد لها، فيه يتذكر الابن أمه وأسرته، ويعرب فيها عن حبه لهذه الأم أو لهذه الأسرة، ويقدم دليلًا ماديًا على هذا الحب، هو هدية رمزية يشعر بها الأسرة، أنه لا زال مرتبطًا بها مخلصًا لهذا الارتباط.

فهل نحن في حاجة إلى هذا العيد لو كنا مسلمين متمسكين بهذا الإسلام، هل نجد الروابط التي تربط أفراد الأسرة عندنا بعضهم ببعض من الضعف والوهن، بحيث تحتاج إلى أن نذكر أنفسنا مرة في السنة بالانتماء إلى أسرة، هل نحتاج إلى المزيد حين نستوحي قرآننا وسنة نبينا في بناء أسرنا؟ وماذا نريد زيادة على قوله تعالى:      

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أو كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾؟ (سورة الإسراء: 23- 24)

وهل نجد سياجًا يحفظ الأسرة ويقيمها على الاستقرار والثبات أفضل مما أوجبه الإسلام من حق كل من الزوجين على الآخر؟ قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (سورة النساء: 19) وقال: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (سورة الطلاق: 6) وقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». 

وهل هناك من حق يحفظ للرجل كرامته أكثر من قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون»؟ 

وتفكروا معي في هذه الآية:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الروم: 21).

وهل هناك عدالة بين الزوجين أكثر من قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ (سورة البقرة: 228).

لسنا في حاجة إلى استقصاء الكثير عن الأسرة في الإسلام، فليس هناك أسرة أسست وبنيت واستوت قوية وأثمرت أبطالًا، كالأسرة في ظل الإسلام وهذه شواهد التاريخ تنطق بالعبر.

فهل نحن نحتاج بعد هذا إلى يوم في السنة نتذكر فيه الأسرة أو نقيم لها عيدًا؟ فإن كنا نريد أسرة متماسكة مترابطة منتجة مثمرة، فليس طريق الغرب ولا طريق الشرق طريقنا.

فهذا هو الإسلام نقيم عليه دعائم هذه الأسرة، وإلا فلننشد أسرة ضائعة مهدمة الأركان مقطعة الأواصر والأرحام.

إن عيوبًا بدأت تزحف على أسرنا مع زحف الأفكار والمذاهب المختلفة، وإن هذه العيوب إذا لم تعالج بالإسلام، انتشرت واستتبت وأصبحت آفة من الآفات التي تهدم مجتمعنا وتقوض كيان أمتنا، وإن مظاهر هذه العيوب بدأت تظهر واضحة في أبنائنا وبناتنا، المتسكعين هنا وهناك واللاهين في هذا المكان أو ذاك.

في الشوارع حيث تطير بهم مراكبهم الأمريكية الطائشة، فيزعجون المارة ويثيرون أعصاب الناس، ويودون بأنفسهم إلى الهلاك، وفي الأسواق حيث يسيحون لاهثين، بحثًا عن مرقه لحم آدمي يرسلون إليها نظراتهم الجائعة، وفي المنتزهات وعلى شواطئ البحار، حيث لا يتركون أسرة تنعم بجمال الطبيعة في هدوء واطمئنان.

هذه كلها ظواهر مرض عضال ينخر في الأسرة كالسوس، ولا نرى من هذا المرض بأعيننا إلا هذا الجيل الثائر المتمرد والرافض في كل مكان، إن أسرنا وقد أعماها حب المظهر، وفت في عضدها طغيان المادة، لم تعد تعبأ بالرقابة على الأبناء وحسن تربيتهم وتوجيههم، بل إن الزوجين في الأسرة فقدا الرابطة الأصيلة التي تجمعهما على المودة والرحمة، فانشغل الزوج بسهراته ورحلاته، ولم تجد الزوجة فيه ما كانت تؤمله فلم تعد تبالي باحترامه أو تقديره أو حتى حفظه في غيبته، وتسربت إلى الأسرة في مجتمعنا مظاهر التفسخ الأخلاقي، فكثرت السهرات والحفلات المختلطة، وخفت الملابس وقصرت وكشفت المفاتن وأتاحت الفرصة للشهوات، وبدأ الاهتمام بالمظهر من ملبس ورياش وأثاث وقصور وحدائق يطغى على كل شيء، وتفلتت الأسرة من عاداتها الإسلامية الأصيلة وتقاليدها الدينية العريقة، وكان الأولاد نتاج هذا الجو وثمرة هذا التفكك.

صحيح أن الأسرة لا بد من بنائها بناءً جديدًا، ليس أساسه استبداد الرجل وطغيانه، وضياع حقوق المرأة واضطهادها وكبت الأولاد وقهرهم، فلئن كانت هذه بعض ظواهر الأسرة في عهود تخلت عن الإسلام، فنحن لسنا ملزمين بها كأسس تقوم عليها أسرتنا الإسلامية الحديثة، والتي تقف في وجه هذه التيارات الحضارية المتلاطمة والمستوردة.

إن الثقافة مفتاح الحياة في هذا العصر الذي لم يعد للأمس مكان فيه، وإن هذه الثقافة من حق ربة الأسرة ومديرة شئونها قبل أي إنسان آخر، لكن هذه الثقافة يجب أن تكون خادمة لهذا الدين موطدة لدعائمه مركزة لأركانه.

فلتتعلم الفتاة ولتتسع مداركها، ولتحط بكل ما تستطيع الإحاطة به من علم وخبرة، ولتشارك بعد ذلك في حياة أمتها بكل منحى من مناحيها، ولتكن من بيتها أمًا تصنع الأجيال، مصلحة ترشد من يضل، عالمة تبث فكرها ومبادئها، سياسية تقول رأيها وما تؤمن به، اجتماعية تقيل العثرة وترأب الصدع، وفي إسلامها مجال يتسع كل ذلك شرط أن تعمل في إطاره وبوحي منه.

إن الأسرة مصنع الرجال ومولد الأبطال، ولقد آن لنا أن نبدأ رحلتنا من داخلها، فننير جوانبها ونبدد الظلمات من حولها، ونوثق رابطتها ونديم ودها، فإن الخير منها ينبعث إذا أردنا، وفيها يندفن إذا رغبنا عنه.      

                                        الكوكبي

 

الرابط المختصر :