; التراث في رؤية عصرية سراج الملوك (3) | مجلة المجتمع

العنوان التراث في رؤية عصرية سراج الملوك (3)

الكاتب محمد حسن عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1987

مشاهدات 62

نشر في العدد 845

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 01-ديسمبر-1987

لا ريب أن الانحراف الذي أصاب الفكر الغربي- خلال هذه القرون الخمسة الماضية- قد أصابته ضربات متوالية تكشف عن معارضته للفطرة، والعِلم، ومفهوم الدين الصحيح، ومن هنا فقد بدأ تحولًا بطيئًا، ولكنه عميق الأثر.

أولًا: ما كتبه بعض الباحثين من رجال اللاهوت عن الكتب القديمة، وما كشفوا من أخطاء وإضافات وتحريفات، وخاصة فيما يتعلق بنظرية التجسيد ونظرية الخطيئة، وقد ظهرت في هذا المجال دراسات وكتابات أغلب من اشتركوا فيها من حملة أرقى الشهادات اللاهوتية، وقد هداهم الله- تبارك وتعالى- إلى الحق؛ فوجدوا جذوره في كتبهم بالرغم مما أصابها من تحريفات.

ثانيًا: ما كتبه بعض الباحثين من رجال العلوم والتجريب، وما كشفوا عن طريق العلم من فساد التركيب الجامع بين الألوهية والنبوة، وما كشف العلم الحديث من أخطاء في تقديرات خلق الكون وخلق الأرض، وكيف وصلوا إلى الإيمان؛ فإن ما أودعه القرآن من حقائق علمية لم يكن أحد في القرن الخامس الميلادي يستطيع أن يعرفها على هذا النحو الذي قدمه القرآن، وهذا يعني أن مصدرًا أعلى من مبلغها- صلى الله عليه وسلم- هو الذي نقلها إليه، وهو الحق تبارك وتعالى.

ثالثًا: ما كتبه بعض علماء مقارنات الحضارات من تكامل المفهوم الجامع في الإسلام، وقصوره في الحضارات الغربية القائمة، وخاصة فيما يتعلق بغياب البُعد الرباني الإلهي في حركة الوجود، والبُعد الأخلاقي القائم على المسؤولية الفردية والجزاء الأخروي، وأن سر هزيمة الحضارة وفشلها واضطراب المجتمع العالمي المعاصر يتركز حول غياب هذين البُعدين.

ومن ناحية أخرى تجد تلك النظرة التي تكشف عن فساد بشرية القوانين والنظم، والانصراف عن القوانين الربانية، وذلك في مثل قول الدكتور ألِكس كاريل في كتابه «الإنسان ذلك المجهول» حيث يقول:

ليست القوانين التي من صنعنا إلا نتاجًا هشًا لعقولنا القاصرة، وإن الإيمان هو الذي يدفع إلى الإيمان وليس العقل، والدين وحده هو الذي يقدم لنا حلًا لمشكلات البشرية.

ونجد في هذا المجال دراسات تتحدث عن قدرة الخالق- تبارك وتعالى- على النحو الذي كتبه جون كلوفر مونير في كتابه «الله يتجلى في عصر العِلم»، وقد كان قسيسًا عني بدراسة العلاقة بين العِلم والدين على مدى العصور؛ حيث يقرر أن كل ما في الوجود يشهد على وجود الله- سبحانه- وقدرته وعِلمه، وأن كل ما فعله العلماء هو ملاحظة آثار أيادي الله- تبارك وتعالى- وعظمته، ذلك الذي لا نستطيع أن نَصِل إليه بالوسائل المادية وحدها، ولكنا نرى آياته في أنفسنا، وفي كل ذرة من ذرات الوجود، وهكذا يجب أن يكون العِلم دراسة لخلق الله- تبارك وتعالى- وأثار قدرته. ثم استحالة أن يكون هذا العَالَم مكونًا من المادة فقط، ذلك أن الفكرة لا يمكن أن تكون شيئًا ماديًا، ولطالما طلبت من تلاميذي أن يبينوا لي التركيب الكيميائي للفكرة، وطولها، ووزنها، ولونها، وضبطها، وشكلها، وقد عجزوا عن ذلك، وإنه لكي نصف أمرًا غير عادي فلا بد من استخدام مصطلحات وأوصاف مختلفة عن مصطلحات العلوم؛ لذلك فمن الاستحالة أن تخلق الصدفة عالمًا متناسقًا كعالمنا.

رابعًا: إن موقع الأرض من الشمس- هذا الموقع المثالي- لا يمكن أن يكون من باب الصدفة، ولا يمكن أن يحدث إلا بحكمة المدبر العظيم، ولولا هذا لاستحالت الحياة على الأرض، فالأرض بحجمها وبعدها الحاليين عن الشمس، وسرعتها في مدارها، تهيىء للإنسان أسباب الحياة والاستمتاع بها في صورها المادية والفكرية والروحية.

إن التطور الذي تكشف عنه العلوم في هذا الكون هو في ذاته شاهد على وجود الله، فمن أجزاء بسيطة- ليس لها صورة معينة وليس بينها فراغ- نشأت ملايين الكواكب والنجوم والعوالم المختلفة التي لها صور معينة وأعمار مختلفة، وأجيال تخضع لقوانين ثابتة يعجز العقل البشري عن الإحاطة بمدى إبداعها.

إن هذا الجسم الإنساني يصبح على أفضل ما يكون عندما يكون على وفاق مع صانعه وخالقه، وبدون ذلك يصيبه الاضطراب والمرض.

وهذه كلها علامات روح جديدة تسري في العلم؛ فتسمد ضياءها من نور الدين الحق المنزل.

ويقول درابر في كتابه «تاريخ العلم»: إننا لن ندهش حين نرى في مؤلفات المسلمين من الآراء العلمية ما كنا نظنه من نتائج هذا العصر «ذلك أن المسلمين قد فرقوا قبل ذلك بعشرة قرون تفريقًا واضحًا بين ثبات الخالق- سبحانه- وبين تطور خلقه».

والخطأ الأول الذي وقع فيه الفكر الأوروبي هو عجزه عن التفرقة بين ثبات الخالق- سبحانه- وبين تطور خلقه، فكانت فكرة ثبات كل شيء بالضروري، ثم انتقاله بنظرية التطور إلى تطور كل شيء، ومن هنا كانت فكرة التطور التي حمل لواءها العِلم منطلقًا للقول بالتطور المُطلق، مما أدى إلى التشكيك في الإله وفي الدين، حيث انتقل الفكر الأوروبي من ثبات مستمر إلى تغير مستمر.

والخطأ الثاني: هو فصل المادي عن المعنوي.

والخطأ الثالث: هو فصل المنهج عن التطبيق.

ويركز الباحثون على أن المصدر الأكبر لانهيار الفكر الغربي: هو التخلي عن البُعد الأخلاقي، وأن هذا التحول بعد منتصف القرن التاسع عشر هو مفتاح مهم في حركة التاريخ في القرن العشرين.

ولأن النظام الأخلاقي ليس مجرد قواعد وسلوك، وإنما هو «منطلق تفكير»، وأسلوب لتصور، وفِهم الكون والمجتمع البشري وأفراده، كان تدمير مثل هذا النظام لا يحدث من خلال أحداث سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، ولكن من خلال ظهور وانتشار أنواع جديدة من القيم المُطلقة «وعلى رأس ذلك ما كتبه نيتشه وماركس وفرويد ومارسيل بروست»، مما يوحي بالقضاء على الإحساس بثبات مؤسسات المجتمع ومكونات النفس البشرية، ثم جاءت بالأدب الإباحي فأشاع في أذهان الناس النتيجة الحتمية لما جاء به المؤسسون المدمرون الكبار من فقدان الإيمان بأي قيمة مُطلقة، وفقدان الإحساس بإمكانية أي ثبات في الكون والمجتمع، ويرجع هذا إلى تراث الفكر الوثني اليوناني، وتراث الجمعيات السرية في القرنين الماضيين، وإرهاصات الثورة الفرنسية، وخاصة ما يتصل بالماسونية؛ مما أنشأ هذه الأيديولوجيات التي تَحِل محل الديانات القديمة.

ويتصل بهذا محاولات الغرب في إدخال الجريمة في باب الأمراض النفسية والعقلية، ولذلك فلا يعاقب مرتكبها، هذه النظرية التي ظهرت باسم عِلم الجريمة، وادعت أن الجريمة ليست عملًا متعمدًا، بل هو عمل اضطراري يكمن في الأمراض العقلية والعُسر المادي، واضطراب التركيب البيولوجي، وقد حظيت هذه النظرية بقبول عام في الغرب «كما يقول الأستاذ وحيد الدين خان»، ومن ثم أُلغيت العقوبات الرادعة للجرائم الأخلاقية، وقد أوضحت البحوث والتجارب خطأ هذه النظرية؛ فقد اتضح أن الناس في المجتمعات المزدهرة أكثر ميلًا إلى اقتراف الجرائم منهم في المجتمعات الفقيرة وغير الصحية، ولقد أخفقت التدابير العلاجية في الحيلولة دون الجرائم، بل لقد ارتفع معدل الجرائم في الدول التي سلكت طريق تخفيض العقوبات، واضطرت لإعادة عقوبة الإعدام، هذا هو الفرق بين القانون الرباني والقانون الوضعي، حيث تقوم نظرية العقوبة في الشريعة الإسلامية على الاعتقاد بأن الإنسان مخلوق يتمتع بالخيار الكامل في أعماله، وهو يقترف الجرائم بإرادته وسابق قصده؛ ولذلك كان لا بد من إنزال العقوبة التي تكون عبرة «نكالًا» للآخرين؛ فيخافون من مصير المجرم، ويجتنبون الإتيان بمثل ما أتى به.

ومن ناحية أخرى نجد الخلاف بين موقف الإسلام وموقف الفكر الغربي من العلاقة بين المرأة والرجل، فالشريعة الإسلامية تقضي بأن الرجل والمرأة يكملان بعضهما البعض، ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران:195)، ولكن الحضارة الحديثة تدعي على العكس من هذا: أن كلًّا من الرجل والمرأة صورة طِبق الأصل للآخر.

«إن نظرية الشريعة تقضي بأن تختلف دوائر عمل الرجل عن دوائر عمل المرأة» ولذلك قررت الشريعة الإسلامية من ناحية المبدأ، أن مجال عمل المرأة هو البيت، ومجال عمل الرجل هو خارج البيت، بينما تصر الحضارة الحديثة بأن يعملا- كل من الرجل والمرأة- في مجال واحد بدون تمييز أو تفريق، وقد مارست البلدان الغربية منذ نحو قرن من الزمان المساواة بين الجنسين، ولكن بالرغم من مرور هذه المدة الطويلة لم تتمكن المرأة الغربية من الحلول محل الرجل في أي مجال من مجالات اختصاصه، ودعا هذا الفشل العملي إلى دراسة القضية من جديد، وقد أكدت الدراسات المحايدة سلامة وجهة نظر الشريعة الإسلامية إزاء المرأة، وقد ثبت بأسلوب قطعي أنه لا توجد هناك فروق سيكولوجية فقط بين الرجل والمرأة، بل إن هناك فروقًا «بيلوجيه» حاسمة تميز بينهما، وهي طبقًا لتصميمها الطبيعي لا يصلحان لعمل واحد.

وقد ثبت لنا بصورة واضحة أبعاد الحياة الأسرية والاجتماعية التي تتكون في ظِل النظريتين، لقد أفسد مبدأ المساواة الحديث بين الرجل والمرأة المجتمع كله وتشوشت بسببه الحياة الأسرية كلها.

ونتيجة لإخراج المرأة من البيت- وإقحامها في الأمور الخارجية- ظهرت مشكلة الأولاد المحرومين من تربية الوالدين، وهناك ظاهرة ما يسمى بالبيوت المنهارة التي تظهر بسبب الاختلاط الحر بين الجنسين؛ فتكثر حوادث الطلاق، ويحرم أولاد هذه البيوت المنهارة من التربية الفطرية للوالدين، فتهتز شخصياتهم منذ البداية، وبذلك ظهر مرض نفسي جديد من الأولاد (AUTISM)، ويظهر في الأطفال الذين يشعرون بالملل، ويتشاجرون مع زملائهم، ويميلون إلى العنف، والأطفال الذين يعانون من حنان الوالدين.

كل هذا يكشف عن فساد القانون الوضعي والمجتمع المفرغ من قيم الدين الحق.

  • مجموعة من السكنهيدس في هانوفر والضياع في الشوارع.
الرابط المختصر :