العنوان كيلا ننسى.. في غمرة الأحداث
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1977
مشاهدات 94
نشر في العدد 371
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 18-أكتوبر-1977
مفتاح دار السعادة.. كلمة لا بد منها:
نحن بحاجة إلى مزيد من المعرفة بحقائق بلادنا الإسلامية كلها... بحاجة إلى كسر الحواجز، وتفتيت جدران الصمت والعزلة والمضروبة من حولنا.. بحاجة إلى الحقيقة- حلوها ومرها- في عالمنا الإسلامي.. ومن هنا نرى لزامًا علينا حينًا بعد آخر، أن نزيح الستار عن حقيقة إحدى بلادنا الإسلامية، وما يجري فيها تأثرًا وتأثيرًا، وأن نقدم إليكم وضع الحركة الإسلامية فيها، ونبذة عن تاريخها وجانبًا من ألوان المحن القاسية التي يواجه بها أعداء الإسلام، دعوتنا وجند الله الغالبين، وهم يجاهدون في الله حق جهاده، واليوم نقدم بلدًا كاد يغرقه النسيان في ظلامه لولا أن فيها من شباب الإسلام العاملين، وجنوده المجاهدين الصابرين المحتسبين، من يذود عن حياض الإسلام، ويواجه أعداءه، وينشر لواءه ويعلن كلمته المنتصرة بإذن الله.. نقدم كلمة اليوم عن:
أفغانستان المسلمة: أشبه ما تكون بالجزيرة لا يحيط بها الماء ولكن يحيط بها الأعداء ففي شمالها روسيا- أو الجمهوريات الإسلامية التي استعمرها الشيوعيون- وفي شرقها الصين وكشمير، وفي غربها إيران، ومن جنوبها باكستان التي توالى عليها حكام عسكريون فرضوا وصايتهم عليها وأذاقوا شعبها مر العذاب.
سكانها أكثر من ستة عشر مليونًا، باستثناء العرب البوادي الذين لا يعطون أرقامًا حقيقية عن أعدادهم.. ومساحتها نحو ٦٥٠ ألف من الكليومترات، وعاصمتها كابول.
وتتمتع بسهول وأودية للزراعة، وبها ماء وفير الرى.
ويتحدث أهلها لغة البشتو، ويدينون بالإسلام عقيدة ربانية سنية.
ونظامها جمهوري، بعد أن كان ملكيًّا، ولهذا التحول في نظام الحكم قصة، هي قصة معظم الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي والعربي.. ولكل هذه الأنظمة القائمة مواقف من الحركة الإسلامية، بل لعل الحركة الإسلامية هي أول ما تستهدفه تلك الأنظمة، فما قصة انتقال الحكم من الملكية إلى الجمهورية في أفغانستان؟
۱۷ يوليو ۱۹۷۳: هو اليوم الذي وقع فيه الانقلاب الذي قاده سردار محمد داود خان ضد ابن عمه الملك محمد طاهر، الذي سبقه إلى الحكم وعرفت وقتذاك بمحاولة خواجه نعوم.. تربى في فرنسا منذ طفولته وتشرب بكل ما في الغرب من تحلل وحقد على الإسلام.. وعاد إلى بلاده بعد انتهاء حياته في فرنسا ليرأس الوزارة في أفغانستان وهو من أفراد الأسرة المالكة وقتذاك.. وعرف خلال ذلك بالقسوة والبطش والخروج على تقاليد أسرته المالكة، حتى اشتهر بين الناس باسم- السردار المجنون ولم يصل داود خان إلى رئاسة الوزارة فجأة فقد تولى قبلها منصب حاكم منطقة قندهار سنة ۱۹۳۲، ثم قائدًا للقوات العسكرية ١٩٣٧ م، فوزيرًا للخزينة فسفيرًا في بون وباريس، فرئيسًا للوزراء سنة ١٩٥٣.
نواة الشيوعية: في عهد رئاسته الوزارة وضع نواة الحزب الشيوعي الذي كان ينفق عليه في سخاء من ميزانية الدولة.. في الوقت الذي كان يسحق فيه الأبرياء ويسجنهم ويحاول أن يدمر قسمًا من العاصمة كابول بمن فيها من شيوخ ونساء وأطفال بحجة مؤامرة مزعومة لقلب نظام الحكم، وعرفت وقتذاك بمحاولة خواجه نعوم..
الروس يتحركون: لم يكن شيء يثير مخاوف الروس وأحقادهم مثل الوجود الإسلامي في الدول المتاخمة للجمهوريات الإسلامية التي يحكمها الروس.. ولهذا كانت روسيا ترى في وجود دولة باکستان المسلمة خطرًا يتهددها، وترى في ذات الوقت أن القضاء على باكستان هو من أولى واجبات الحزب الشيوعي..
ومن ثم بدأ الروس عام ١٩٥٣م يتقربون لرئيس الوزراء.. وفتح هو ذراعيه لهم.. فقام بتسليح الجيش منهم، وعهد إليهم بإدارته، ومنحهم حق التنقيب عن البترول والغاز، وفتحت روسيا أمامه باب الاقتراض على مصراعيه.. ووجد الروس فرصة سانحة أمام هذا السخاء، فاستولوا على التجارة الخارجية، وسيطروا على وسائل التعليم والتربية، والتخطيط..
عداؤه وسلاحه: ومنذ تولى داود خان الوزارة أعلنها حربًا سافرة ضد علماء المسلمين واتهمهم بالرجعية والوقوف في وجه التقدم.. يعاونه في ذلك العملاء الشيوعيون، والمتحللون من الشباب.
ثم أعقب ذلك حربه على الدين في بعض فروعه، فأصدر الحكم بإباحة السفور والاختلاط وإنشاء المدارس المختلطة لأول مرة في أفغانستان
الانقلاب: وفي عام ۱۹۷۳، قام داود خان بالانقلاب بمساندة القوى الأجنبية والأحزاب الشيوعية، وأشرك الحزبيين الشيوعيين في الوزارة. وكان أول ما اهتم به هو تركيزه على دعم جهاز المخابرات الشبيهة بالمخابرات الروسية وبدأت الحملة ضد الإسلاميين، فاعتقل المئات من الشباب المسلم والشيوخ، وقتل منهم عشرات لا يعلم إلا الله عددهم.. وأغلق مركز البحوث الإسلامية بالجامعة، ومنع الصحف والمجلات الإسلامية- مجلة شرعيات- عن الصدور، وقلل عدد الحجاج إلى الربع عما كانوا عليه وأصدر منشورًا يمنع النهي عن المنكر.. ويعتبر المساس بالشيوعية أو مهاجمتها ونقدها جريمة يعاقب عليها القانون..
الحركة الإسلامية في المعركة: في هذا الجو المكفهر المليء بالبطش والتنكيل والسجن والتقتيل والذي مكن فيه نظام الحكم للشيوعيين حتى صارت الجامعات والمعاهد العلمية أرضًا خصيبة لكل التيارات المنحرفة الهدامة.. وركن فيه كثير من العلماء إلى الدعة، واستنام الروحانيون التقليديون، وبلغت فيه الحيرة بالشعب حدها فلم يعد يدري إلى أين يتجه، وأصرت فيه السلطة على نشر كل ألوان الفساد والانحراف، وارتمى فيه الجيل الجديد في أحضان الثقافة الغربية بكل انحرافاتها وسلوكها المشين.. في هذا الجو الملبد بالغيوم، المليء باليأس، كانت عين الله تعالى ترعى البذرة المباركة في قلوب الشباب المؤمن، الذي لم يفقد الأمل، ولا الثقة في نفسه ولم يعرف اليأس والقنوط إلى قلبه من سبيل..
وكان لا بد للحركة الإسلامية من أن تولد.. والإسلام أن ينبعث.. والحق أن يعلو..
فمنذ نحو اثني عشر عامًا، وقبل الانقلاب العسكري بعدة أعوام، وقف أحد الشيوعيين في الجامعة يعترض على صوت الآذان والطقوس البالية- فكانت هذه هي الشرارة.. فقام على الفور أحد الشباب فأذن للصلاة، واصطف عدد من الشباب فأدوا فريضة الظهر.. ووقع بينهم وبين الشيوعيين صدام شديد.. أقسم بعده الشباب أمام مدير الجامعة أنهم سيرفعون الآذان ولو كانوا على أعواد المشانق.
وانطلقت الحركة منذ ذلك اليوم باسم الله وتحت عين الله تعمل في إيمان وثقة بنصر الله.. برغم الظلام الكثيف الذي يلف كل ما حولهم..
بدأت الحركة عملها بين الشباب والعلماء وفئات الشعب في غير ملل ولا توان تحدد هدفها في أمور أربعة:
التعريف بالإسلام: مبادئه وأحكامه ومقوماته- الدعوة إلى التمسك بالدين والعمل به-
التصدي للغزو الثقافي، ومقارعة جميع النظريات الهدامة- العمل على إقامة حكم إسلامي تطبق فيه الشريعة السمحاء.
ومضى الموكب الإسلامي الصاعد، يبني قواعد الحق، ويرسي دعائم الإيمان بين جميع أفراد الشعب في أفغانستان، في ظروف قاسية حالكة لم يكن يخرجهم منها إلى نور الله، إلا إيمانهم وثقتهم غير المحدودة في نصر الله.. وهم بين لحظة وأخرى كانوا يرقبون بل ويتوقعون من أعداء الله أن ينقضوا عليهم.. ولكن متى كان البطش والسجن والتقتيل موانع تصد جند الله من المضي قدمًا في ثبات ويقين لإعلاء كلمة الله في الأرض، وهم يرددون:
سأثأر لكن لرب ودين وأمضي على سنتي في يقين
فإما إلى النصر فوق الأنام وإما إلى الله في الخالدين!
وتردد هتاف الجنود في كل مكان. وكلما علا الصوت زاد الطغاة في بطشهم وزادت حملاتهم الوحشية على العاملين من شباب الإسلام في أفغانستان.. في محاولة يائسة من حكومة داود خان، لإيقاف المد الإسلامي الزاحف من كل مكان.. ولكن هيهات.. ففي غمرة الحملات الضاربة سجنًا وتعذيبًا واعتداء على الحرمات، لم يكف الشباب المسلم من إبلاغ الدعوة، وترشيد وتبصير المواطنين بالإسلام وحقائقه، بالنشرة والكلمة وبالصلات.. وفي غضون كل ذلك، كانوا يقذفون بحقهم في وجه أباطيل خصومهم من الماركسيين والاشتراكيين وكلاهما درع كان يتوقى به داود خان .. وما زالت بهم الحركة الإسلام تشدد عليهم التفكير وتكثف عليهم الحملات حتى استطاعوا أن يعزلوهم عن داود خان، وأن يوسعوا من الفجوة بينهم حتى أنه أقصى عددًا من الوزراء الشيوعيين عن الحكم.. وزادت الحركة الإسلامية من ضغطها حتى اضطر داود خان إلى أن يسلك من العداء المستحكم الذي كانت تذكي أواره كل أجزاء باکستان مسلكًا أكثر اعتدالًا عما كان عليه من الهند والاتحاد السوفيتي
نعم.. ولكن:
ولئن وجد داود خان نفسه منصاعًا لهذه المطالب إلا أن حقده الدافق على الحركة الإسلامية لا يزال فهي في نظره عقبة كأداء في طريقه المنحرف، طريق الشيطان والعمالة.. فلا بد له من البحث عن طريق لتصفيتها والخلاص منها في زعمه.
وقد عمد داود خان من قبل إلى محاولة واسعة لوضع هذه التصفية موضع التنفيذ، في أعقاب حركة عسكرية اتهم بها الحركة الإسلامية، فقام باعتقال المئات من أعضائها من الجامعات والمدارس.. وأسند التحقيق معهم إلى عدد من الشيوعيين الذين نفذوا سمومهم الدفينة والظاهرة في أبشع ما تكون القوة والشراسة والتعذيب الذي لا يصدقه العقل..
وأعادت الحركة تنظيم نفسها من جديد في إعداد قوي وبذل فدائي به يبتغون رضوان الله والشهادة في سبيله.. وكان ذلك عام ١٩٧٥.. ولبست بعدها الحكومة جلد الحمل، ورفعت زورًا شعار الإسلام تضليلًا ونفاقًا..
شهداء على المشانق: وتحت تعتيم إعلامي مرسوم، وفي ظل حكم دكتاتوري رهيب، ظل يعيش فيه الشعب المسلم في أفغانستان- تسربت الأنباء من كابول العاصمة، تحمل أنباء لم يكن يصدقها العقل لولا أنها حقائق.. فقد اعتقل عدد كبير من قادة الحركة الإسلامية الذين أبوا أن يخفضوا راية الله والدعوة إلى الإسلام.. وبعد محاكمات سرية عسكرية جائرة.. وفي اليوم الثاني عشر من شهر يونيو من هذا العام 1977- 24 جمادى الآخرة ۱۳۹۷هـ- صعدت إلى بارئها أرواح ثلاثة من خيرة العاملين في قيادة الحركة الإسلامية في باكستان، بعد أن نصبت لهم إلى الله تعالى، لتلتقي مع أرواح الشهداء الذين سبقوهم إلى جنة الله ورضوانه..
أولئك هم:
الشهيد حبيب الرحمن أستاذ بكلية الشريعة بجامعة كابل.
والشهيد الدكتور محمد عمر
والشهيد القائد العسكري خواجه محفوظ
وستمضي مواكب الشهداء في سبيل الله شهيدًا في إثر شهید حتى تندحر دولة الظلم والطغيان في أفغانستان.. وحتى تعلو فيها كلمة الله وحده وتخسأ دولة الفجار والملحدين، وستجتاز الأمة المؤمنة في أفغانستان كل الحواجز، وستحطم بإذن الله كل القيود والسدود، دفاعًا عن عقيدتهم واستمساكًا بدينهم، وإيمانًا بربهم، واستجابة لنداء الله في كتابه الكريم:- ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7) - ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّه﴾ (الأنفال:10) ..صدق الله العظيم