; تقسيم العالم الإسلامي ونظرية المؤامرة | مجلة المجتمع

العنوان تقسيم العالم الإسلامي ونظرية المؤامرة

الكاتب د. سيف الدين عبد الفتاح

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993

مشاهدات 75

نشر في العدد 1046

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 20-أبريل-1993

من المهم ابتداءً أن نتحدث عن منهجية الرؤية التي نتناول من خلالها الإجابة عن السؤال المطروح حول احتمالات تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات عرقية وطائفية في هذه الفترة بالذات؛ وذلك لعدة أسباب: أولها أن كثيرًا يتحدثون عن هذه الأمور من باب تحفيز همم المسلمين حيال ما يحاك ضدهم من مؤامرات، أو أنه قد يكون لدى البعض تبرير لحلقة الوهن المفزعة التي نعيش فيها، أو هو من باب التذكير -الذي هو فريضة الفرائض- والاعتبار الذي يؤكده القرآن الكريم في كثير من آياته.. هذه الأسباب جميعًا تؤدي بنا في النهاية إلى تشابه في الخطاب ما بين هذه الفئات المختلفة على تنوع الأسباب الدافعة لذلك، وهنا علينا أن نميز بين رؤية واعية وعلى بصيرة، ورؤية واهنة تسوغ لكل ما حدث؛ فهناك في غالب الأمر نظريتان، أو إن شئت الدقة نظرتان: الأولى تغلب عناصر المؤامرة، وهي لا تحسن أن تفسر التاريخ إلا بكونه مؤامرة كبرى تستهدف كيانها ووجودها، وغاية أمرها أن تتحدث حديثًا طويلًا عن توالي المؤامرات بين الفينة والأخرى.

ونظن أن قضية المؤامرة تحتاج منا إلى ضبط ووضعها في نصابها؛ فكثير من هؤلاء الذين يتندرون بأنه ليست هناك مؤامرات مفرطون، وهؤلاء الذين يتحدثون كل يوم ويكررون حديث المؤامرة مبالغون، والأمر بين هذا وذاك.. بين اتهام النفس قبل الغير، وتعيين الخصم بدقة وتوفير شروط المواجهة وعناصر التحدي وإعداد العدة.

هكذا يعلمنا القرآن الكريم أن نكون في غاية الحذر، خاصة لو كنا مستهدفين: ﴿وَدَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيْلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ (النساء: 102).

هذه هي القراءة الصحيحة لقضية المؤامرة من غير إفراط أو تفريط؛ نحن نحسب لذلك حسابه، ولا نهون من الطرف الآخر إلى الدرجة التي نسلم فيها بنظرية الغفلة، فلا نطلب من هؤلاء عند التوقف عن حديث المؤامرة أن يلبسوا ثياب الغفلة، فلا يواجهون ولا يعدون.

هذا المدخل أراه ضروريًا لفهم حديث تمزيق الأوصال، وشد الأطراف، وبتر السيقان وتقويض الأركان.

هل العالم الإسلامي حدد مثلًا ما أركانه؟ وما مجاله الحيوي؟ هل حدد خصمه وعدوه بدقة؟ أم أن الأمر يلتبس عليه في الأزمة تلو الأزمة؟

في حرب الخليج الثانية أراد الله سبحانه وتعالى أن يقيم على الممثلين الرسميين للدول الإسلامية الحجة، فحدث غزو العراق للكويت إبان اجتماع مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في مصر، ومن نافلة القول أن نؤكد أن مجموعة الدول الإسلامية تشتمل على الدول العربية صاحبة الشأن في الموضوع؛ ورغم أن الموقف كان يتطلب حركة سريعة وليس مجرد بيانات إلا أن هؤلاء آثروا السلامة وقرروا أن يعطلوا مؤتمرهم، وظلت الحلول العربية خافتة منزوية إلى الحد الذي جعلها قليلة الفاعلية إن لم تنعدم، وصرنا نتداول الحديث عن وهم يسمى الحل العربي أو الإسلامي؛ وإذا ما تساءلت ما الذي جعله وهمًا؟ فهو نحن..

من الذي أدى إلى فراغ كبير حرص الأجنبي على أن يملأه؟ نحن!

من الذي يمثل كل تلك القابليات للأزمة ولسياسات نحاول أن نصفها كل مرة بأنها مؤامرة وهي ليست كذلك؟ فالمؤامرة حديث استخفاء وعمل في السر لا العلن، ولكن التاريخ يعلمنا أن هذه الأمة بوضعها وهويتها وعقيدتها مستهدفة؛ ورغم أن التاريخ يكرر علينا الدرس المرة تلو المرة فإننا لا نعتبر.

إن حديث التمزيق وتقطيع الأوصال ليس حديث اليوم ولا الساعة، ولكنه منذ قرون مضت بدت لنا تلك الوحدة الجامعة والأمة الشاملة تتفكك أوصالها منذ وقت بعيد.. انظر إلى ممارسات الفرق الإسلامية في لحظتها الأولى لتواجه ذلك الغزو الفكري من قبل الزندقة والشعوبية، فإذا بها تتحول إلى فرق اقتتال؛ تقتتل وتتعصب، وتوهن الأمة في عقيدتها وهويتها، فبدلًا من أن تكون عقيدتها جامعة وهويتها عصية على الاختراق، برز ذلك التفتت والتمزيق.

انظر إلى سقوط الخلافة العباسية حيال المغول، وحكايات ابن الأثير في «الكامل» تؤكد كيف أصيب المسلمون بوهن شديد مما شكل قابليات لتقطيع الأوصال.

انظر إلى ملوك الطوائف في الأندلس؛ تراهم يضيعون العقيدة الجامعة والهوية الشاملة، وفق مصالح آنية وأنانية.

انظر إلى أكثر من ذلك بكثير، فإن دروس التاريخ تتكرر والأزمات تتواتر، ومع ذلك لا نمل الحديث عن المؤامرة.. فقبل المؤامرة علينا أن نتحدث عن قابلياتها؛ هكذا يعلمنا القرآن حينما يتحدث عن نظرية التغيير فيؤكد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). ويلتقط المفكر مالك بن نبي الخيط ليتحدث عن الاستعمار والقابلية له: «وكل ظواهرنا التي تفرز الوهن في كيان الأمة لها قابليات».

هكذا يمكن النظر إلى ما نسميه أحيانًا مؤامرات أو مخططات؛ سنكرر عنها الحديث المرة تلو المرة، ولكن لا نأخذ الحذر ولا نعد العدة، بل نفرط في أسلحتنا واحدًا بعد الآخر، فالحديث عن دويلات عرقية وطائفية في بعض المناطق أراه يبدأ منذ رفعنا شعار التحرير والتحرر من الدولة العثمانية، وأصبح الانفصال عنها يسمى استقلالًا وحق تقرير المصير، فإذا بنا نجد أنفسنا في قبضة الأجنبي التي اتخذت شكل اتفاقيات سايكس بيكو.

انظر إلى تقسيم الحدود التي أرادت أن تؤكد على رسالة أننا لسنا أمة واحدة، وصار حكامنا -كما يقول الشيخ إبراهيم بن الوزير- حراس حدود؛ إذا توافقت أمزجة الحكام فتحت الحدود، وإذا لم تتوافق أغلقت!

كثيرة هي إذن المؤشرات والقرائن التي تؤكد أن قابليات المؤامرة والوهن هي شرط حياكة هذه المؤامرات ضدنا واستمرارها، بل ونجاحها.

فمن يريد أن يعمل للمستقبل عليه أن يتعلم دروس التاريخ، وعليه أن ينفض وهن الحاضر، ويعد ما استطاع من قوة؛ ودون ذلك سنظل نتحدث حديث المؤامرة، ونحن في الواقع لا نتحدث إلا حديث الوهن والغفلة!

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :