العنوان المرحلة الإسرائيلية تضع حساباتها الإستراتيجية حول دمشق
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1982
مشاهدات 73
نشر في العدد 583
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 17-أغسطس-1982
العدو الإسرائيلي ذو صفة تتصف بالمرحلية التوسعية بانتظار إيجاد دولة إسرائيل الكبرى.
- مكاسب يهودية محسوبة حققها حصار بيروت، وشل الدفاع الفلسطيني.
- مارون لبنان لا يحتاجون إلى تطبيع العلاقات مع المحتل اليهودي، وهم بانتظار إعلان هوية لبنان الجديدة.
- محصلات الغزو مكنت اليهود من وضع الوجود السوري في لبنان على كف عفريت.
- محاصرة اليهود للبقاع والأطلال على الشمال أعطاهم الورقة الرابحة أمام سورية.
- الوضع الإستراتيجي لعسكر شارون رشح دمشق لتكون الهدف المحاصر كمقدمة للحلقة التوسعية القادمة.
لابد من التذكير -قبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع- بالمقولة المستخلصة من التوسعية اليهودية في المنطقة العربية، والتي يحددها المنظور الإستراتيجي للحكومة اليهودية بجانبين:
الأول: اتباع المنهج المرحلي للخطط (العسكرية – السياسية) التي تخدم إستراتيجية التوسع اليهودي في المنطقة.
الثاني: اعتبار المفهوم الأمني في النظرية اليهودية ذا فاعلية في التخطيط السياسي للحكومة بحيث تخضع التحركات السياسية لذلك المفهوم لينقلب بعد ذلك ما هو سياسي إلى ما هو عسكري ذو طبيعة عدوانية، تهدف إلى التوسع، وتطمح لإنشاء دولة إسرائيل الكبرى.
وهكذا انقسم التاريخ العربي إلى مراحل، تحكمت فيها المرحلة اليهودية العدوانية التي بدأت في أواخر (الثلاثينات) بمطالب بسيطة في فلسطين، انتهت خلال عشر سنوات إلى الإعلان عن الدولة الصهيونية على تراب فلسطين عام (1948م)، ثم تتالت الكوارث على الأمة مرحلة بعد مرحلة، حتى توصلت الخطط (المرحلية – الأمنية) لليهود إلى حصار بيروت، والالتفاف الإستراتيجي حول المواقع السورية، والإشراف المدفعي على العاصمة السورية (دمشق).
مكاسب إسرائيلية:
أولًا- بعد حصار بيروت:
الحرب الإسرائيلية الوغدة على جبهة بيروت لم تكن مجرد عمل تخريبي قام به جنود شارون كما تصور الصحافة العربية، ففي بيروت وُضِع الفلسطينيون بين أسوار الحصار الناري المميت ليقرروا موتهم أو حياتهم، ليس فقط بما يتعلق بالهجوم الإسرائيلي، وإنما -كما أشارت لوفيغارو الفرنسية- للصراع الذي يمكن أن ينفجر أيضًا بين ياسر عرفات الذي يستعد للخروج من بيروت، وبين اتجاه فلسطيني ذي نزعة ماركسية مازال يرفض أية تسوية خارج بيروت.
المرحلة الإسرائيلية:
إن إسرائيل تحاول إذًا أن تلحق بالمنظمة الفلسطينية هزيمة سياسية بعد الخسارة العسكرية، وهي تحاول أيضًا تحكيم كل هيبة وطنية أو دولية للمنظمة، كما تريد إزالة المقولة القائلة بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، مع إبراز قوى جديدة بين الفلسطينيين، على أن إسرائيل تطمح -ضمن هذا الهدف- إلى سلخ الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة عن الفلسطينيين خارج الوطن المحتل عزلًا يقود الضفة والقطاع إلى فراغ سياسي، وطريق لا يؤدي إلا إلى القبول بالمفروضات اليهودية الاحتلالية.
وهكذا فإن المنظمة لن تفعل أقل من التمسك بالدفاع عن وجودها في بيروت طيلة الفترة الماضية، بينما أصرت إسرائيل على إبعادها عن المدينة اللبنانية بالقوة.
ثانيًا- التمكين للمرحلة القادمة:
وبعد إنجاز الهدف (العسكري السياسي) الخاص بالفلسطينيين تحاول الإدارة اليهودية الوصول إلى حد معقول من مرتكزات المرحلة القادمة مع كل من لبنان وسورية.
أولًا- لبنان:
تجمع الآراء لدى المراقبين والسياسيين في العالم على أن إسرائيل ستعمل في المرحلة القادمة على إقامة حكم لبنان (قوي!)، يسيطر عليه المارون سواء تم تنصيب مرشح الحكومة اليهودية (بشير الجميل)، أم تنصيب غيره كالرئيس الأسبق (كميل شمعون) الذي يجد في البيت الأبيض رجلًا معقولًا للمرحلة القادمة للبنان.
على أن الحكومة اليهودية لن تجد أية صعوبة في تمرير الحلول مع لبنان عبر أية حكومة مارونية، فالمارون أثبتوا خيانتهم لحرية لبنان وتواطؤهم مع العدو اليهودي مرات عديدة.
- فقد زار شارون -وبمساعدة المارون- بيروت ومناطق أخرى من لبنان زيارة استكشافية في شهر يناير الماضي، أي قبل الغزو بستة شهور.
- وقد دخل شارون وكبار مساعديه قصر بعبدا لرئاسة الجمهورية بعد الغزو، مارًا بالطرق التي يسيطر عليها الكتائب المارونيون.
- وقد تمركزت القوات الإسرائيلية مؤخرًا في جميع المناطق التي يستقل فيها المارون لحمايتها وللانطلاق منها نحو المناطق اللبنانية الأخرى والمناطق السورية فيما بعد.
وانطلاقًا من علاقة التفاهم الكامل بين المارون واليهود يأمل الإسرائيليون إقامة السلطة المارونية اللبنانية، التي ستساعد في إقامة علاقة اقتصادية سياسية قوية مع إسرائيل دون أن تضطر مع ذلك للتوقيع على معاهدة سلام مع لبنان على غرار معاهدة كامب ديفيد، ولعل دولة سعد حداد (المسماة) دولة لبنان الحر هي النموذج المصغر للبنان الطائفي في المرحلة القادمة.
ثانيًا – سورية:
يقول مسؤول في وزارة الخارجية الفرنسية: «إن إسرائيل تريد من غزو لبنان تحديد مقدمات حوار مع سورية على أساس مصالح الطرفين في لبنان».
- ولعل أول خطوة حققها الإسرائيليون في تلك المقدمات هي (تحييد) سورية في الحرب التي استهدفت في المرحلة الأولى الرأس الفلسطيني والمقاومة اللبنانية، فقد أعلن منذ بدء الغزو كبار المسؤولين السوريين أن إسرائيل لا تستهدفهم، وأنهم لن ينجروا إلى معركة لم يحددوا هم زمانها ومكانها.
- لكن الاستدراج الإسرائيلي لم يقف عند هذه المقاومة؛ فقد تم تدمير بطاريات صواريخ سام السورية في البقاع دون أن تقوم سورية بردة فعل تذكر، وتم كذلك قصف بيروت ومدن لبنانية أخرى على مرأى نظام دمشق ومسمعه، ليظل النظام المذكور -على أحسن ظن- عاجزًا عن التحرك، صامتًا أمام المذابح التي قام بها جنود شارون.
- وإزاء هذا المقدار من العجز أعلن السوريون أنهم راضون بالحل السلمي وفق مقررات الأمم المتحدة، وساعدتهم في هذا الإعلان موسكو، لكن من بعيد.
- بيد أن الاستدراج اليهودي لم يكتف بهذا الحد، فلدى اليهود اليوم إستراتيجية يخدمها تكتيك الاستدراج للوصول إلى الشق الأول من المعادلة التي أشار إليها مسؤول الخارجية الفرنسية بقوله: «إن إسرائيل تريد تحديد مقدمات حوار مع سورية».
- وإذا كانت إسرائيل تملك اليوم ناصية الحوار السياسي مع العسكريين، فإن الغزو اللبناني مكنها من وضع إستراتيجي عسكري ثمين وقع السوريون في فخه بشكل طبيعي، هذا الفخ هو فخ دمشق والجنوب السوري المهدد.
إستراتيجية باتجاه دمشق
قد لا يندفع جنود شارون -في ضوء التخطيط اليهودي المرحلي- هذا العام نحو دمشق، وقد تمر شهور وسنوات قليلة قبل أن يفكر اليهود بغزو مدينة الشام العريقة، لكن هذا لم يمنع اليهود من تحصيل إستراتيجية عسكرية باتجاه العاصمة السورية.
- فبعد مشاوير الطائرات اليهودية المائة يوم الخميس الماضي على بيروت الغربية، وتحطيم ما تبقى من مخيمات (برج البراجنة، صبرا وشاتيل) استكملت قوات الغزو -على الطرف الآخر من بيروت- انتشارها في كل المنطقة الشمالية والشرقية في لبنان، والتي تتواجد فيها ميليشيات التحالف الكتائبي.
- وبهذا أصبحت المواقع السورية الفلسطينية في كل من البقاع والشمال اللبناني ضمن نطاق المدفعية اليهودية.
- أما ليلة الجمعة الماضية فقد تمكن اليهود من تثبيت نقطتين إسرائيليتين تمكنان من السيطرة على جميع القوات السورية في لبنان، هاتان النقطتان هما:
- اللقلوف، تطل على الشمال.
- العاقورة، تسيطر على البقاع.
وهكذا يصبح هذا الوضع الإستراتيجي لعسكر شارون في لبنان أقوى أوراق المساومة مع نظام دمشق الذي يرى ولا يرى، ويسمع ولا يسمع.
- وإذا كانت المواقع الجديدة بإمكانها السيطرة على أماكن تواجد القوات السورية في لبنان، فإن الإستراتيجية العسكرية للصهاينة تمكن القوات الإسرائيلية -بسهولة- من الإطاحة بدمشق من ثلاث زوايا: جبل الشيخ + الجولان + جبال لبنان.
على أن وكالات الأنباء العالمية تناقلت جميعها في نهاية الأسبوع الماضي أخبار انتشار الدبابات اليهودية على قمم الجبال اللبنانية وسفوحها المطلة على الجنوب السوري، بينما ما زال الزعماء العرب يلوكون الأغنية اللئيمة التي تؤبن المقاومة الفلسطينية.
على أننا نستبعد أن تقوم القوات الإسرائيلية بأي توجه نحو الجنوب السوري في هذه المرحلة، وعلى الأرجح فإن التكتيك اليهودي الحالي سيكتفي من خلال ما في يده من أوراق أن يحقق ما يلي:
1- ترسيم حدود الدولة المارونية على الجبهة الشمالية التي يسيطر عليها السوريون.
2- وضع حد فاصل يرسم ما لسورية في الشمال اللبناني، وما عليهم من التزامات متفق عليها مع حكومة العدو في الأراضي التي يشرفون عليها باسم الردع.
3- وضع النظام السوري أمام مرحلة القدرة على إعلان نفسه مفاوضًا للإسرائيليين في مرحلة سلمية تشمل وترسم الحدود السورية الإسرائيلية على غرار ما حصل بين مصر وإسرائيل.
وفيما لو انتهى الإسرائيليون من هذه المرحلة، فإنهم يكونون قد حققوا ما يريدون مع السوريين، وضمنوا إلى جانب ذلك إستراتيجية عسكرية محسوبة للعاصمة السورية وجنوب سورية قد تكون منطلق التحرك اليهودي في مرحلة السنوات القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل