العنوان بين الاستعمار الغربي والاستعمار الشيوعي
الكاتب عبدالله محمد علي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1981
مشاهدات 82
نشر في العدد 539
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 18-أغسطس-1981
يقول الأمير شكيب أرسلان في كتابه القيم «حاضر العالم الإسلامي»
الذي كتبه عام ١٩٢٥: «من سوء الطالع أن القادة المسلمين يرون أنفسهم في برزخ مربد
الجو، طرفه الأول متصل بهول البلاشفة والآخر متصل بهول الاستعمار الغربي المنقطع
النظير.. فكانت النتيجة أنهم تارة يولون وجوههم شطر موسكو إذا استفحل جور
المستعمرين.. وطورًا ينظرون إلى الدول الغربية إذا قلب لهم لينين ظهر المجن«.
هذه حقيقة لا ريب فيها.. فعلى ساسة الغرب أن يعلموا علم اليقين
أن ليس زعيم رسل الدعوة البلشفية هو زينوفيف «أحد كبار قادة الشيوعية ورئيس
الاتحاد السوفيتي من عام ۱۹۱۹ إلى ١٩٣٦.. وهو خطيب مشهور،
وله قدرة على التأثير على الجماهير.. وأحد اليهود الذين حكموا الحركة الشيوعية منذ
ظهورها».. وهو يخطب في جماهير الوفود في مؤتمر باكو «عقد في ٢٠ سبتمبر ۱۹۲۰ ودعي له ممثلون عن جميع
البلاد الإسلامية، واختيرت باكو لأنها عاصمة أذربيجان الإسلامية، التي احتلها
القياصرة، ثم أعيد احتلالها بواسطة القوات البلشفية، بعد أن قامت بها عدة ثورات
إسلامية»، ولكنه الجنرال غورو قائد الكتائب السنغالية الذي يحكم سوريا بالحديد
والنار.
الجنرال غورو هو القائد الفرنسي الذي أقام المذابح للمسلمين في
سوريا، عندما اقتسم الحلفاء البلاد العربية والإسلامية فأخذت فرنسا: سوريا ولبنان،
وأخذت بريطانيا: فلسطين والعراق.
مواقف
حكام المسلمين
والغريب حقًا أن موقف قادة المسلمين لا يزال كما وصفه الأمير
شکیب أرسلان منذ أكثر من نصف قرن من الزمان..
كلما ادلهمت بهم الخطوب وواجهوا الصفعات من الغرب التفتوا نحو روسيا
البلشفية.. فإذا ذاقوا ويلات موسكو فروا منها إلى جحيم واشنطن..
لقد فرَّ عبدالناصر من جور الإنجليز والأميركان، وارتمى في
أحضان موسكو، فلما ذاق الشعب المصري ما ذاق من العلقم والصبر من موسكو جاء السادات
وارتمى في أحضان أميركا وإسرائيل..
وقام القذافي بنفس الدور تقريبًا.. وكانت اتصالاته وثيقة
بالغرب، وخاصة مع أميركا في بدء الثورة، وانتهى بالارتماء في أحضان موسكو.. أما
زياد بري فقد عكس الأمر، فقد كانت بدايته الارتماء في أحضان موسكو وانتهى في
أحضان واشنطن..
وغير هؤلاء كثير بتذبذبون بين الاتجاه يمنة أو يسرة شرقًا
أو غربًا.. وكلهم لا يدري أين يولي وجهه.. أإلى شرقٍ مُتجبَّرٍ عاتٍ ينشر أعلام
الشيوعية، ويفرضها بواسطة معاهدات الصداقة.. أم إلى غرب يدعم إسرائيل بالمال
والسلاح ويؤيدها سرًّا وجهرًا.. وهي تحطم ما بقي من كرامتنا.. وكما يقول
الأمير شكيب أرسلان: ليس زينوفيت ولا غيره من زعماء الشيوعية هم الذين يدفعون
بالبلاد العربية والإسلامية في أحضان موسكو.. ولكن الغرب وأميركا على وجه الخصوص
هي التي تدفع بهذه البلاد نحو موسكو، وذلك لأنها تقف موقفًا عدائيًّا صارخًا مع
إسرائيل ضد العرب في كل موطن.. وفي كل حادثة.. وفي كل حرب.. وفي كل عدوان.. وآخرها
قصة الاعتداء على المفاعل الذري العراقي.. وخطاب ريغان رئيس الولايات المتحدة الذي
دعم فيه فعلًا موقف إسرائيل.
كيد لينين
نعم لقد كان الاستعمار البريطاني والاستعمار الفرنسي واستعمار
القياصرة هو الذي أتاح للينين أن يوجه دعوته إلى المسلمين عام ۱۹۱۷ بالثورة والجهاد ضد
المستعمرين الكفرة! وفعلًا قام المسلمون في روسيا القيصرية بالثورة وجاهدوا قوات
الأمير كولشيك الذي تحالف مع الحلفاء، واستطاع المسلمون أن يعلنوا جمهوريات
القوقاز الكونفدرالية الإسلامية وهي جمهوريات أذربيجان وداغستان وكرجستان
وأريغان.. كما قامت دول مستقلة في بخاری وسمرقند وخيره «خوارزم» وخوقند من
بلاد التركستان التي كان القياصرة قد احتلوها فقام الأهالي بثورتهم وطردوا
القياصرة.. وصدَّقوا وعود لينين لهم بالاستقلال.. ولكن ما إن انتصرت قوات لينين
على قوات دينكين قائد قوات روسيا البيضاء حتى ابتدأ باحتلال البلاد الإسلامية التي
وعدها بالاستقلال، فاحتل أولًا القوقاز بأكمله ثم زحفت قوات الجيش الأحمر على
التركستان واحتلها بلدًا بلدًا.. وفعل من الأفاعيل ما يخجل منه جنكيز خان
وهولاكو.. وكان آخرها سقوط إمارة بخارى، التي جاهدت بقيادة المجاهد الإسلامي
العظيم الغازي أنور باشا (وزير الحربية السابق في دولة الخلافة العثمانية)
الذي استشهد على صهوة جواده يوم عيد الأضحى عام ١٨٣٨هـ الموافق أغسطس ۱۹۲۲.
بيانات لينين
وإليك مثال من بيانات لينين التي كان يصدرها إلى المسلمين وهو
أحد آخر بيانات لينين للمسلمين وذلك عام ۱۹۱۹ (أي بعد قيام الثورة
البلشفية بعامين):
"يا مسلمي العالم الذاهبين ضحايا الاستعمار، استيقظوا
استيقظوا، إن روسيا قد أقلعت عن سياسة الحكومة القيصرية! تلك السياسة الضارة
الخبيثة التي كانت تتمشى عليها حكوماتنا السابقة.. إن روسيا اليوم تمد يدها إليكم
لتعينكم وتنصركم على تحطيم أغلال الاستبداد البريطاني..
إن روسيا تطلق لكم الحرية الدينية، وحق الحكم الاستقلالي وتعترف
بحدود بلادكم المعروفة.. ولن توافق على إعطاء قطعة من البلاد التركية إلى الأرمن..
وتبقى مضايق الدردنيل في أيديكم، وتظل القسطنطينية عاصمة العالم الإسلامي (كان
الحلفاء قد اتفقوا مع روسيا القيصرية على إعادة القسطنطينية إلى روسيا وجعلها
عاصمة للكنيسة الشرقية الأرثوذكسية).. ويمنح المسلمون في روسيا الحكم الذاتي
التام.. إن ما نطلبه منكم لقاء هذا هو قيامكم لمقاتلة المستعمرين الغاشمين الذين
دأبهم ومبتغاهم أبدًا استنزاف بلادكم، وجعلها مستعمرة لبونا يحتلبون ضروعها
احتلابا".
هكذا كانت بيانات لينين تدعو المسلمين للثورة ضد المستعمرين؛
وعودا خلابة بالاستقلال التام الأذربيجان وداغستان وكرجستان وترکستان وتتاريا
والقرم.. فلما تم له القضاء على قوات روسيا البيضاء.. أباد المسلمين إبادة لم
يعرفوها أيام أشد القياصرة عنوا وجبروتًا.. وقتلوا وسحلوا وصودرت أراضيهم..
واستبيحت نساؤهم، وحطمِّت مساجدهم وحولت إلى اسطبلات ونوادي وصالات للاحتفالات..
وأجبروا على تربية الخنازير.. ومنعوا من أداء أبسط الشعائر الدينية، وفر من استطاع
منهم الفرار إلى إيران وتركيا وأفغانستان.
أول معاهدة
للمسلمين مع الشيوعيين
وكان أمان الله خان أمير أفغانستان يكره الاستعمار
الإنجليزي كرهًا شديدًا، فلما قامت الثورة البلشفية مد يده إليها وحارب الإنجليز
وهزمهم في جبال أفغانستان، واضطرهم إلى الاعتراف باستقلال أفغانستان استقلالًا
كاملًا.. وزاد ثقته بروسيا البلشفية عندما أعاد له لينين بعض الأراضي الأفغانية
التي احتلها القياصرة من قبل.. ووقع معهم اتفاقية صداقة كان من نصوصها:
1- إمداد أفغانستان بالأسلحة حتى يجاهدوا المستعمرين الإنجليز.
2- أن تعاد مقاطعة كوشكه الأفغانية التي كان القياصرة الروس قد
احتلوها منذ ٤٥ عامًا.
3- أن تعترف روسيا باستقلال إمارتي بخاری وخیوه (خوارزم)
داخلًا وخارجًا.
4- أن يتم التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، وتفتح القنصليات في مدن
أفغانستان المختلفة، كما تفتح قنصليات في بخاري وطشقند وخيوه.
وصرح عندئذ رئيس البعثة الأفغانية إلى روسيا لصحيفة أزفستيا في
حينه بما يلي:
"إنني لست على مذهب الشيوعية ولا الاشتراكية.. إنما خطتي هي
طرد الإنجليز من آسيا".
ولكن أمير أفغانستان لم يلبث إلا قليلًا حتى عرف أن الروس أشد
استعمارا من الإنجليز، وأكثر منهم وحشية وبربرية وإبادة للمسلمين.. ورأى المهاجرون
من القوقاز داغستان وكرجستان ثم أذربيجان وهم يفرون من جور لينين، بعد أن اكتسح
بلادهم وقتل رجالهم ونساءهم، واحتل مساجدهم ومدارسهم وحولها إلى مدارس لنشر
الشيوعية.. وذلك عام ١٩٢٠، ولم يلبث قليلًا إلا وأفواج المهاجرين، ومن بينهم أمیر
بخارى يفرون إليه، وهم في حالة بائسة، والذعر يملأ أجنحتهم وكيانهم.. ويقصون
عليه ما لاقوه من أهوال على يد قوات لينين، ما لا يكاد يصدقه عقل.. كيف كانوا
يُمثِّلون بالشيوخ وبالأطفال وبالنساء بعد أن يعتدوا عليهن.. كيف كانوا يدوسون
المصاحف بأحذيتهم النجسة.. كيف كانوا يربطون علماء الإسلام بين عربتين ثم تسير كل عربة
في اتجاه فتمزق أجسادهم.. فارتاع لذلك أمير أفغانستان الوطني الغيور الذي كان
يجاهد الإنجليز ويستعين بالروس عليهم.. فخشي من مغبة هذه الصداقة التي يظهرها له
لينين وأتباعه، ورأی مبلغ خداعهم وكذبهم، حتى إذا تمكَّنوا بطشوا بطشة جبارين..
فأيقن عندئذٍ أنه لابد له من مصادقة الإنجليز، فأقام معهم معاهدة صداقة.. وهكذا
ترى حال قادة المسلمين منذ ذلك اليوم إلى الآن، كما قال الأمير شكيب أرسلان -رحمه
الله- منذ ما ينيف عن نصف قرن من الزمان:
"من سوء الطالع أن القادة المسلمين يرون أنفسهم في برزخ مُربد
الجو، طرفه الأول متصل بهول البلاشفة، والآخر متصل بهول الاستعمار الغربي المنقطع
النظير، فكانت النتيجة أنهم تارة يولون وجوههم شطر موسكو إذا استفحل جور
المستعمرين (الغربيين)، وطورًا ينظرون إلى الدول الغربية إذا قلب لهم لينين
ظهر المجن".
ونحن نرى أن سبب ضعف قادة المسلمين وشعوبهم أنهم:
أولًا: بعيدون عن الله إلا من عصم ربك.. بل إن بعضهم يحارب
الدعاة إلى الله بمثل ما يفعله البلاشفة وأشد، وثانيها: أنهم متفرقون مشتتون، يكيد
بعضهم لبعض بمثل ما يفعل المستعمرون معهم، وثالثها: أن كثيرًا منهم يرى أن
كرسيه مرهون بتأیید تلك الدولة العظمى أو تلك، فيتزلف لها ويرتمي
في أحضانها.. ولكن لا يدري أن تلك الدول الكبرى ستكون هي أول من يتخلص
منه إذا رأت أن مصلحتها منه قد انقضت، أو أن وجوده يُشكِّل عبئًا
عليها..
وخاصة إذا ابتدأ شعبه يثور.. وكم من ثورات وانقلابات قد قامت في
بلاد المسلمين، وكان للمستعمر فيها يدٌ خفية، تُقدِّم فيها عملاءها وأصدقاءها من
الحكام قرابين لتلك الثورات..
فهل يا ترى يتيقظ الحكام.. ويعلمون أن الأمر كله لله وحده، فلا أميركا ولا روسيا بقادرة على إبقائهم على كراسيهم.. بل لعل تلك الدول هي أول من ينزعهم عن تلك الكراسي إذا حانت ساعتهم..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل