العنوان من الحياة: بادروا بالأعمال سبعًا
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011
مشاهدات 56
نشر في العدد 1943
نشر في الصفحة 52
السبت 12-مارس-2011
قالت وهي تبكي بحرقة: ضيعت دنياي وآخرتي!
فقلت لها: ماذا حدث؟ فأجابت: إنه لحدث عظيم! المعصية معصيتان! فطلبت منها أن تبين الأمر، فقالت: تزينت أجمل زينة، ووقفت أمام المرأة أتفحص جمالي ونضارتي وأنا سعيدة، فقد كنت أستعد الزيارة بعض صديقاتي، وبينما أنا كذلك إذا بزوجي يدخل، فوجدني ازدت بهاء وجمالا، فاقترب مني يداعبني، فدفعته بيدي وقد ارتفع صوتي في وجهه قائلة له: أأنت مجنون؟ هل هذا وقته؟ لقد تأخرت على صديقاتي، ولا أستطيع أن أتأخر أكثر من ذلك!
تبسم الزوج ابتسامة يملؤها الخجل والانكسار والحياء، ولكنه لشدة رغبته في عاود الاقتراب مني مرة ثانية، وتعبيرات وجهه تفيض إحساسا، وتنطق برغبته في فأعرضت عنه وعزفت وزجرته وتعززت فنصحني قائلًا: أتعصين أمر رسول الله ﷺ؟! فقلت: لم أعصه.
فقال: بل أنت الآن تعصينه، أو ما أمر ﷺ الزوجة أن تجيب زوجها إلى حاجته ولو كان على ظهر قتب؟ فسألته وأنا أنظر في حقيبتي الصغيرة لأتأكد أنني لم أنس شيئًا: ماذا قلت؟ على ظهر ماذا؟ قال: على ظهر قلب، أي على ظهر جمل. قلت له: هل وجدت ساعتي؟ فرد الزوج قائلًا: سبحان الله! أقول لك قال وأذكرك بكلام النبي ﷺ فلم تهتمي به وتقولين: هل وجدت لي ساعتي؟! فقلت: وهل سمعتني اعترضت على كلام النبي ﷺ؟ فرد الزوج بحزن وألم إن لم تكوني قد اعترضت بلسان المقال فقد اعترضت بلسان الحال!
نظرت في وجه زوجي أخيرًا وقلت له: أنا اعترضت بفعلي؟! كنت أسأله من باب المكابرة، وكأنما تعطلت بصيرتي فأصبحت لا أرى الأمور على حقيقتها، ثم قلت لزوجي: لقد صرت عصبيًا غير صبور، ألا تصبر ساعات قليلات حينما أرجع من زيارة صديقاتي؟! اصبر وسأعود إليك في المساء!
انطلقت الزوجة عاصية ربها وزوجها، وهناك مع صديقاتها تبادلن الحديث والضحكات، وتناولن الطعام والمشروبات، وطال مكوثها معهن ونسيت زوجها، وبعد سهرة طويلة صاخبة، عادت إلى بيتها وتوقعت أنه يغط في نوم عميق، حاولت أن تتسلل إلى مكان نومها بهدوء، حتى لا يستيقظ زوجها، وفي طريقها إلى غرفة النوم عثرت إحدى قدميها بجسد زوجها ممددًا على الأرض، فرجعت إلى الخلف وأضاءت مصباح الغرفة لتجد زوجها قد فارق الحياة!
ندمت الزوجة ندمًا شديدًا، وبكت بكاء مريرًا، وهرولت إلى أهل الفتوى تسألهم عما بدر منها وعن مصيبتها؟ وعما إن كانت أثمة لامتناعها عن زوجها ليلة وفاته؟ فأجابها الجميع أنت أثمة. فسألت: أليس من عمل أكفر به عن ذنبي؟! أفأتصدق؟ أم أصوم؟ أحج؟ أعتمر؟ قالوا لها: أكثري من فعل الخيرات، لكن امتناعك عن زوجك إثم لا يزول إلا أن يسامحك زوجك! فأجابت: ولكن زوجي مات فكيف أحصل على مسامحته؟! قالوا لها: لا نملك إلا أن نقول لك هذا وأمرك إلى الله.
موقف ندم
ذكرتني هذه القصة بموقف مررت به وأنا في بداية تعييني معيدًا بالجامعة، عدت من القاهرة إلى بلدي لزيارة عائلتي ولم أكن قد تزوجت آنذاك، فوصلت إلى بيت العائلة عقب صلاة المغرب، فأخبرتني والدتي بمرض ابن عمي مرضا شديدًا وكان يكبرني بخمس عشرة سنة، وسألت عن أخ له يصغره، وكنت أعلم أنه يخاصم أخاه الأكبر ولا يكلمه، فقررت أن اصطحبه معي لزيارة أخيه المريض، وأرهقني في إقناعه وفي النهاية لم يستجب!
اضطررت لزيارة ابن عمي المريض وحدي، وقبيل الفجر بساعة كان أخي الأكبر يوقظني قائلًا: قم فقد توفي ابن عمك فلان! استيقظت وأنا أردد إنا لله وإنا إليه راجعون، وهناك في صلاة الفجر بالمسجد وعقب انتهائي من ختام الصلاة قدم علي أخوه الذي كان يخاصمه -ورفض أن يأتي معي ليزور أخاه المريض- وإذا به يعانقني ودموعه منهمرة، حتى أصاب وجهي منها الكثير وكذلك ملابسي.
بادر تنصلح حياتك الزوجية
لقد أخبرنا القرآن الكريم بأن المبادرة بأعمال الخير والدعاء تصلح الحياة الزوجية وتقيها الفساد والضياع، ذلك ما نجده في قول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن زكريا عليه السلام ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء: 89- ٩٠).
فبينت الآيات الكريمة أن الله عز وجل رزق زكريا عليه السلام الذرية الطيبة وأصلح له زوجه، فهم المسارعون في الخيرات، والمتضرعون إلى الله تعالى بالدعاء والخاشعون لله تعالى.
بادر قبل سبعة
والعودة إلى حديث النبي ﷺ: «بادروا»، لقد حثنا النبي ﷺ على المبادرة بالخيرات قبل أن تفوت الفرصة، وتلحق بنا سبعة أمور تعوقنا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال، فشد غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر» «أخرجه الترمذي في سننه».
هذا الحديث ورد في باب «المبادرة بالخيرات»، وفيه حث على الإقبال على الله بهمة عالية وبعطاء وفير.
وثمة آيات قرآنية كثيرة تحث على المبادرة «المسارعة بالخيرات»، وتبين أن ذلك هو طريق الفلاح الحقيقي، قال سبحانه وتعالى: وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133).
لكن واقع الناس يؤكد أنهم أخذوا الطريق المعاكس، فنافس بعضهم بعضًا في الدنيا وسارعوا في تحصيلها، وزهدوا في الآخرة ونعيم الجنة، وقد شخص ربنا عز وجل حال الإنسان الذي أسرف في طلب الدنيا على حساب الآخرة، وفرط في جنب الله وزهد في طاعته وعبادته؛ فيندمون ولات حين مندم، وفي الواحد من هؤلاء يقول ربنا عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ (المؤمنون: 99- ١٠٠)، لذا قال سبحانه: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۚ﴾ (الأنعام: 132).
وبالعودة إلى حديث رسولنا الحبيب: «بادروا بالأعمال سبعًا»؛ نلحظ أن الإنسان منا إما أن يجيد اقتناص الفرص، وإما أن يجيد تضييع الفرص، المجيدون يجب أن يسارعوا في عمل الخيرات قبل أن تواجههم سبعة معوقات، فما هي؟
- الفقر المنسي:
فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول: «كاد الفقر أن يكون كفرًا، فالفقر أحيانًا ينسيك أن تصلي، وخاصة إن اقترن بالجهل، وينسيك أن تؤدي واجبك نحو زوجتك وعيالك، فنعوذ بالله من الفقر المنسي، ولذلك كان يدعوا «اللهم من أحبني فارزقه كفافًا»، أي بما يكفي الحاجة؛ لأن الفقر المنسي يضر بصاحبه إن لم يكن إيمانه قويًا، وكذلك الثراء الذي لا يحافظ عليه صاحبه قد يطغي.
- الغنى المطغي:
فالمال المطغي قد يتسبب في انتقال صاحبه من ملهى إلى ملهى، ومن مفسدة إلى أخرى، فتزيد الشهوات فينسي، وربما يأخذه الغرور، ويظن أن ماله حصله بعلمه ومهارته وخبرته كما قال قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ﴾ (القصص: 78).
إن البطولة أن تكون في قمة نجاحك متواضعا لله عز وجل، والنجاح الذي لا يجد إيمانًا في صاحبه مزلق خطير، يسوق الشيخ النابلسي قصة رجل صاحب أكبر محل حلويات في لبنان، دخل ذات مرة فلم تعجبه عجينة المعمول، فدهسها بنعله وهو يقول: الناس من تحت حذائي يأكلون بعد شهر أصيب بغرغرينة في ركبتيه فقطعتا!
- المرض المفسد:
فقد يصاب المرء بفشل كبدي أو كلوي، قد يفسد عقيدته ويفتنه، فينقطع أمله في الشفاء، أو ربما يوقعه المرض عن أداء العبادات وأعمال الخير.
- الهرم المفند:
فما أكثر من ينشؤون في معصية الله، ويكبرون دون أن يتوبوا، وساعة الشيخوخة يخرفون فيتدخل فيما لا يعنيه، وربما أعاد عليك حكاية القصة الواحدة مرات عديدة في جلسة واحدة، فيصير موضع ازدراء، ويتأفف منه الناس وينفرون، أما المؤمن الذي بادر بالصالحات فيظل نابها مهما تقدمت به السن.
- الموت المجهز:
لي زميل قضى شبابه وشيخوخته غريبًا عن وطنه، ذكر لي أنه كان يعيش هنا وحيدًا، بينما زوجته وأولاده في وطنه، وكان يترك باب شقته مفتوحا بعد أن جاوز الستين من عمره، خشية أن يموت ولا يعلم به أحد، لأنه تكالبت عليه الأمراض، كما شكا من أن أولاده عندما يسافر إليهم لا يرغبون في بقائه كان يحكيني وهو يبكي، فلما تقاعد بسبب سنه سافر بلده، فلم يعش سوى شهرين في الفيلا التي وضع فيها حصاد عمره، ثم مات الرجل، فقد أجهز عليه الموت وباغته.
- الدجال:
الدجال، الكلام كالعسل والفعل كالصبر، باطنه ليس كظاهره، كما قال الشاعر:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ فيك كما يروغ الثعلب
فقد يسوف الإنسان، ويستبعد وقوع الفتنة، وإذا بها تلحق به وتصيبه.
- الساعة:
الساعة هنا يقصد بها يوم القيامة، وربما موت الواحد منا وانتهاء الحياة.
فهذه الأمور السبعة تنتظر كل واحد منا، فلنسارع إلى الأعمال الصالحات قبل أن تلحق بنا واحدة منها أو كلها؛ فتهلكنا، فإلى المبادرة قبل أن يقع علينا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ﴾ (الحج: ٥).
فهذا رجل بلغ سبعًا وتسعين سنة أسنانه قائمة بصره حاد، قامته منتصبة سمعه مرهف، قيل له: ما هذه الصحة يا سيدي؟ قال: يا بني حفظناها في الصغر؛ فحفظها الله علينا في الكبر، ومن عاش تقيًا عاش قويًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل