العنوان قصة العدد: خميس في بلاد العجائب «1»
الكاتب يحيي البشيري
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1989
مشاهدات 58
نشر في العدد 918
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 30-مايو-1989
توقف خميس طويلًا قبل أن يرسل جواب
البرقية التي وردته من أمه، ولكن حبه لها، وحرصه على إدخال السرور إلى قلبها دفعه
لأن يخبرها بأنه قادم بعد أيام.
عاد إلى البيت، وجعل يتفحص مجموعة من
الصور حتى وقف عند صورته التي وضعت على الجواز قبل خمسة عشر عامًا، كان مقطب
الجبين، عابس المحيا فقد التقطت بعد إخفاقه في الحصول على الثانوية العامة للمرة
الثالثة، عندما عزم على الرحيل إلى بلاد «الديزل» للعمل فيها في أي عمل. .. ثم
أمسك صورة تضمه وأمه، والتي التقطها قبل عام تقريبًا في إحدى المنتزهات وراح يحدق
فيها ويتصور أمه العجوز على فراش المرض، وقد أقعدها كبر السن... إنها كانت تأتيه
في كل عام بطلب زيارة فتمكث عنده شهرًا أو أكثر، ولكنها في هذا العام عجزت عن
المجيء... لكم كان يتمنى أن تشاركه حياته هنا بعيدًا عن القرية ومعاناتها...
إنه ليكاد ينسى القرية وما فيها، إذ
ماذا يمكن أن تفعل خمسة عشر عامًا في نفسه... لقد حدث تغيير كثير في غيابه، فحتى
اسم البلاد قد تغير من الجمهورية الفيحائية إلى «التقدراكية»، والتقدم والاشتراكية....
جهز نفسه خلال أسبوع واشترى ما يلزم من
هدايا للأهل والأصدقاء وتأكد من صلاحية سيارته للسفر الطويل، ومر على بعض أبناء
منطقته من مدرسين وموظفين ممن يسافرون كل عام تقريبًا ليأخذ صورة جديدة عن الوضع
في بلاده، وليكون على معرفة بآخر ما استجد فيها! صحيح إنه يقرأ في المجلات والصحف،
وبعضها من صحف المعارضة ولكنه يريد أن يحيط بالأحوال عن طريق أولئك مباشرة.
الأول، سأله: هل لك أحد من المعتقلين، قريب صدیق ابن حارة
معارف؟
تذكر خميس أن ابن خالته هشام معتقل منذ
عشرة أعوام، وهو في السنة الأخيرة في كلية الطب، وأن إمام القرية أخذ منذ سنتين،
وقد أخبرته أمه أن مسجد القرية بلا إمام، وأن أهل القرية يذهبون إلى القرية
المجاورة لحضور صلاة الجمعة؟!
الثاني: هل تعرف أحد من المتنفذين؟ تذكر خميس أن
المتنفذين الذين كانوا قبل خروجه قد تبدلوا وأن وجوها جديدة لابد أنها حلت
مكانهم... ولكن أمه أخبرته في آخر زيارة لها إن رفيق زميله الذي رافقه في الرسوب
ثلاث سنوات في الثانوية العامة أصبح ممن يشار إليهم بالبنان، فهو يقضي ويمضي - على
حد تعبير أمه وكأنه حسيب آغا أيام زمان ولكن هل يبقى رفيق ذاكرا المعاناة المشتركة
بينهما.
الثالث: أتعرف أحدًا في المخابرات،
يمكن أن ينتظرك في المطار أو على الحدود؟! تذكر خميس أن زميلًا له يدعى «حسيسون»
كان قد تطوع في المخابرات بتوجيه من ابن عمه النقيب «علي» وأنه - لابد - أصبح ذا
مرتبة – اليوم ولكن أين هو؟ ومن يصله به؟؟
الرابع: «على استحياء» لما خرجت من
البلاد هل كنت تصلي؟
وقبل أن يجيبه بادره بسؤال آخر: هل كنت
مواظبًا على الصلاة في المسجد، بحيث يبدو عليك مظهر التدين الذي يوحي لكاتب
التقارير أن يصفك باتجاه معين؟؟
تذكر خميس انه تأثر بأحد مدرسيه في
أثناء المرحلة - الإعدادية فبدأ يصلي، وأنه عندما حصل على - الشهادة الإعدادية
تقدم إلى دار المعلمين ولكنه رفض، ولم يبين له أحد شيئًا عن سبب رفضه إلا أن أحد
معارف الأسرة نصحه بالصلاة في المنزل، وإلى ضرورة الانتساب إلى منظمة «شباب المسيرة»
فقد يكون هذا هو سبب الرفض!
إلا أن هذا الأمر خفى عليه أكثر من
عشرين عامًا..
وقع خميس في حيرة وارتباك، فصمم على
ترك أسئلتهم، وأن يستفتي نفسه، فهو أدرى بحاله.
فصلاته أيام زمان كانت متقطعة، وكثير
من أبناء القرى يصلون، وهذه اللحية التي أطلقها هنا يستطيع أن يزيلها قبل سفره،
وهو بالأصل لم ينخرط في أي اتجاه... أما جواز سفره فليس عليه أية تأشيرة إلى
الجمهورية الرافدية، ولا المملكة الحسينية، لا في تجارة ولا زيارة...
أما الصحف والمجلات التي تهاجم النظام،
وحتى صحف المعارضة فهو يقرأها عند الأستاذ عمار، ولا يشتريها، ولم يرها أحد في يده.
أحس بالارتياح، وهو يستلقي على سريره،
ولكن صورة ابن خالته «هشام» برزت أمامه، ومعها سؤال كبير أليس هذا قريبك وزميلك في
الدراسة، فبماذا تجيب إذا سئلت عن علاقتك به؟
ابتلع ريقه وأحس بعينيه تزوغان، ثم
انتفض ليجلس على كرسي قريب، وهو يردد ليس في علاقة به - يا حضرة المحقق - صحيح إنه
ابن خالتي، ولكننا مختلفان تمامًا، فأنا مثلًا أدخن وهو لا يدخن... وأنا أترصد بعض فتيات القرية، وهولا
يفعل ذلك. وهو يصلي وانا لا أصلي إلا في المناسبات. وهو متقدم في الدراسة وأنا
فاشل.....
- ولكن هشام يقول غير ذلك!
- أبدًا... ليس صحيحًا
هل تواجهه بهذا الكلام؟
تلعثم خميس قليلًا، ثم تذكر أن هشامًا
– على الأغلب - قتل في السجن، أو انتهت حياته بسبب الأمراض المتفشية، فقد سلمت جثث
الشباب كانوا أقوى منه وأشد، وهو شاب ضعيف رقيق.
تشجع خميس، وصاح أتحداه، وأتحدى من
يثبت أن لي أية علاقة معه.
دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل،
انتبه خميس إلى نفسه، وقد أحس بالارتياح لهذه النتيجة... فعاد إلى السرير ليغط في
نوم مليء بالأحلام والكوابيس.
يتبع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل