العنوان نظرات إسلامية العيد.. ومشروعية التوسعة والفرح
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 05-نوفمبر-2011
مشاهدات 72
نشر في العدد 1976
نشر في الصفحة 52
السبت 05-نوفمبر-2011
لبيك اللهم لبيك
- الإسلام شرع التوسعة على العيال في أيّام الأعياد بما يحصل لهم به بسط النفس وترويح البدن
- يجوز للتلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستكْره مثله بادر إلى إنكاره.. ولا يكون في ذلك افتئات على شيخه
- إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين
يطلق العيد لغة على كل يوم فيه جمع، وما يعاود مرّة بعد أخرى، وكل حال تعاود الإنسان، وكل يوم فيه مسرّة: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)﴾ (المائدة: 114).
ولكل أمّة أعياد ومواسم من أقدم الأزمان في كل مكان، دينيّة كانت أو غير دينيّة، يجتمعون فيها اجتماعات حاشدة لإقامة شعائر العيد - وفق ما يعتقدون - أو لاجتلاء مظاهر الفرح والسرور، والبشر والحبور، متفاوتين في ذلك، بمقدار ما رزقوه من ثروة وتقدّم علميّ وحضاريّ، متشكّلين فيها بصور أديانهم ونحلهم، وأزياء أمزجتهم وعاداتهم، ومشاربهم وميولهم، رقيّاً وانحطاطاً، ومدنيّة وهمجيّةً، يتمثّلون في ذلك أصدق تمثيل، كأنهم السائل وهي الإناء، وإنما السائل من لون الإناء، كما يقول أمير الشعراء.
الأعياد عند قدماء اليونان
وقد عرف الكثيرون العيد منذ أجيال مضت، وعصور خلت، لهواً ولعباً، وفسقاً وطرباً، لدرجة أن كانت الأعياد عند قدماء اليونان ومن على شاكلتهم سبيلاً إلى جموح الشهوات، وارتكاب السيئات وفعل المنكرات، حيث يفرض على الناس في يوم العيد أن يطلقوا غرائزهم الحيوانيّة، وميولهم الإجراميّة، ونزعاتهم الشيطانيّة، على مرأى ومسمع، بلا حياء ولا أدب، ولا خلق ولا ضمير، بل بلا أدنى شيء من ذلك، حتى كان العيد مباءة للهو الفاجر، والعبث الداعر، وارتكاب الخطايا، وفعل الدنايا.
لا يقف أمر الماديّين عند حدود المجون والانحدار، بل يتعدّى ذلك إلى التركيز في طلب المتع الماديّة وحدها، والبقاء فيها والإيمان بها دون سواها من قيم عليا، وإن تعجب فعجب أن ترى هذا المجون بتلك الصورة إرضاء لما يعتقدون، وفق ما يزعمون، وأن يكون الويل والبوار، والعذاب والدمار، لكل من لم يشارك في فعل هذه الخطايا، ويرتكب تلك الدنايا، ويفعل تلك السيئات، ويقترف تلك المنكرات، حيث يدفن حيّاً في مغارات عميقة، وسراديب سحيقة.
ووجدت في التاريخ جماعات، ووجد أفراد، كل همهم إشباع الجانب الماديّ في الإنسان، وعمارة الجانب الماديّ في الحياة، دون التفات إلى الجوانب الأخرى.. ﴿قّالٍوا إنً هٌيّ إلاَّ حّيّاتٍنّا پدٍَنًيّا مّا نّحًنٍ بٌمّبًعٍوثٌينّ﴾ (29 الأنعام).
وهذه النزعة المغالية في الماديّة، وفي قيمة الدنيا، جديرة بأن تولّد الترف والطغيان، والتكالب على متاع الحياة الدنيا، والغرور والاستكبار عند النعمة، واليأس والقنوط عند الشدّة.
تشريع العيد
لم يكن للمسلمين عيد في مكة قبل الهجرة، فقد كانت حياتهم صبراً على الأذى.. وبعد الهجرة إلى المدينة وجد الرسول ﷺ أهلها يلعبون، فوجههم إلى ارتباط العيد بالعقيدة، ذلك فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهليّة، فقال: «إن الله قد أبدلكم خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم النحر .»
ويروي الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل أبو بكر، وعندي جاريتان، من جواري الأنصار، تغنيّان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيّتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ: «شيا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا .»
قال ابن حجر: فيه تعليل الأمر بتركهما، وإيضاح خلاف ما ظنه الصدّيق، من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه ﷺ، لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه، فظنه نائماً، فتوجه له الإنكار على ابنته من هذه الأوجه، مستصحباً لما تقرّر عنده من منع الغناء واللهو، فبادر إلى إنكار ذلك، قياماً عن النبي ﷺ بذلك، مستنداً إلى ما ظهر له، فأوضح له النبي ﷺ الحال، وعَرّفَه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد.
أي يوم سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر في الأعراس، وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصدّيق إنكار شيء أقره النبي ﷺ؟! وتكلّف جواباً لا يخفى تعسّفه.
«وليستا بمغنيّتين » قال القرطبي: أي ليستا ممن يعرف الغناء، كما يعرفه المغنيّات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرّك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء، والخمر، وغيرهما من الأمور المحرّمة لا يختلف في تحريمه.
فوائد ودروس
وفي هذا الحديث من الفوائد:
1- مشروعيّة التوسعة على العيال في أيّام الأعياد، بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس، وترويح البدن، من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى!
2- وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين!
3- وفيه جواز دخول الرجل على ابنته، وهي عند زوجها، إذا كان له بذلك عادة، وتأديب الأب بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج، إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء!
4- وفيه الرفق بالمرأة، واستجلاب مودّتها، وأن مواضع أهل الخير تنزّه عن اللهو واللغو، وإن لم يكن فيه إثم، إلا بإذنهم!
5 - وفيه أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستكره مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في ذلك افتئات على شيخه، بل هو أدب منه، ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه!
6- وفيه فتوى التلميذ بحضرة شيخه، بما يعرف من طريقته!
7- ويحتمل أن يكون أبو بكر ظنّ أن النبي ﷺ نام، فخشي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته، فبادر إلى سدّ هذه الذريعة!
8- وفي قول عائشة رضي الله عنها في رواية للحديث «فلماّ غفل غمزتهما فخرجتا » دلالة على أنها مع ترخيص النبي ﷺ لها في ذلك، راعت خاطر أبيها، وخشيت غضبه عليها فأخرجتهما، واقتناعها في ذلك بالإشارة فيما يظهر، للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها، والله أعلم!
9- واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكة، لأنه ﷺ لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره، واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج، ولا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك، والله أعلم!
ويروي الشيخان وغيرهما عن حفصة رضي الله عنها قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خَلَف، فحدّثت عن أختها - وكان زوج أختها غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ستّ - قالت: كنا نداوي الكَلْمى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي ﷺ: أعلَى إحدانا بأس، إذا لم يكن لها جِلْبابٌ ألا تخرج؟ قال: «فلتُلْبِسْها صاحبتُها مِن جِلْبَابِها، ولْتَشْهد الخير ودعْوَةَ المسلمين»، فلما قدمتْ أُمُّ عطيّة سألتُها: أسمعت النبي ﷺ؟ قالت: «بأبي » نعم، وكانت لا تذكره إلا قالت: «بأبي» سمعته يقول: «يخرجُ العواتق، وذواتُ الخُدُور -أو العوائق ذوات الخُدور- والحُيَّض، ولْيشْهدن الخير، ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحُيَّض المصَلّى».
قالت حفصة: فقلت: «الحُيَّض»؟ فقالت: أليس تشهد عرفة، وكذا وكذا، وهكذا نبصر المسلمين والمسلمات في يوم فرح وسرور، وبشر وحبور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل